الدرس في التعليق على كتاب العلم 59، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
أجاز الشيخ ابن عثيمين دراسة النظريات الغربية المخالفة للشرع بقصد الرد عليها ونفع الأمة، مشترطاً رسوخ العلم الشرعي والقدرة على الرد والحصانة العقدية والتقوى. وأكد أهل العلم أن الاطلاع على كتب أهل الضلال مختص بالعلماء الراسخين بينما على المبتدئين الاكتفاء بترسيخ العلم الصحيح.
يبين المقطع شروط دراسة الفلسفات والشبهات للرد عليها مستشهداً بتوجيه النبي لمعاذ بن جبل ونموذج ابن تيمية، محذراً من دخول غير الراسخين فيها. كما يجيب عن سؤال طالب حول الفرح بالدرجات العالية والحزن على المنخفضة مؤكداً أن ذلك طبع بشري لا ينافي الإخلاص إذا صحت النية.
يؤكد المقطع أن إخلاص النية هو المعيار في طلب العلم، محذراً من أن غلبة طلب الشهادات قد تؤدي إلى الغش مستشهداً بقصة ابن عمر. ويقرر الشيخ العثيمين أن فرح الإنسان بالنجاح أمر فطري لا ينافي الإخلاص.
أشار الشيخ إلى أن جوابه أزال الإشكال المطروح، مختتماً بالثناء على الله والعلم له. وانتهى المجلس بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين -عليه رحمة الله- في كتابه "كتاب العلم"، قال السائل: "أنا طالب في الجامعة، وكل دراسة نظريات غربية تنافي تعاليم الشرع، فما رأيكم إذا علمت أنني أنوي نقد مثل هذه النظريات ونفع الأمة الإسلامية في دراستي الحالية وبعد تخرجي؟". وكأنه يشير إلى بعض المناهج التي تذكر نظريات الغرب مما تنافي الشريعة، فهو يريد أن يدرس هذه النظريات من أجل أن يرد عليها، وأن يبين زيفها ومخالفتها. فأجاب الشيخ -رحمه الله- بقوله: "أقول: هذا لا شك أنه من الجهاد في سبيل الله أن يدرس الإنسان هذه النظريات المخالفة للإسلام حتى يرد عليها عن علم". سيأتي معنا أن الشيخ أجاز هذا بشروط وقيود قل ما توجد في مثل هؤلاء الطلاب. فسيأتي معنا أنه اشترط في دراسة مثل هذه النظريات: أن يكون الدارس واثقًا أن لديه القدرة والحصانة على الرد، وأن يكون عنده علم شرعي راسخ، وأن يكون لديه عبادة وتقوى. كل هذه الشروط قل ما توجد في مثل هؤلاء، فالأسلم أن يبتعد عن مثل هذه الدراسات، فسلامة القلب لا يعادلها شيء. وأهل العلم تكلموا في مسألة القراءة في كتب أهل الضلال أو أهل الانحراف، سواء كان الانحراف في العقيدة أو الاعتقاد، أو كذلك العمل أو المنهج، أو إلى غير ذلك، واشترطوا شروطًا: من أن يكون ذلك المطلع على علم راسخ، وعلى حصانة، وكذلك واثقًا أن لديه القدرة على الرد، وعدم التأثر بمثل هذه الضلالات وهذه الانحرافات. فإن كان كذلك فلا بأس، ومن يستطيع ذلك إلا العلماء أو طالب علم مستفيد وعنده القدرة على الرد؟ وأما الطالب المبتدئ أو المتوسط فلا ينصح بذلك، لا ينصح بذلك؛ فيخشى أن يدخل في هذا الباب لا يشعر إلا وقد أصبح من ذوي هذه الانحرافات والضلالات، تدخل عليه تلك الشبه؛ لأن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، والشبه خطافة. فمن بغى أن يكون لنا منهج هذا القراءة والاطلاع في كتب أهل الضلال، فهذا للعلماء من أجل أن يردوا، ومن أجل أن يبينوا. أما طالب العلم فلا ينصح بذلك، فيخشى أن يتأثر، فهو في هذه المرحلة بحاجة إلى ترسيخ العلم النافع الصحيح، إلى تعلم الحق البين الواضح. فإذا رسخ في العلم، وصارت عنده ملكة على التمييز، فبعد ذلك له ذلك كي ينفع الله به الإسلام والمسلمين. قالوا لهذا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ وقد أرسله إلى اليمن: «إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب»، فأخبره بحالهم كي يستعد لهم. قالوا: قال النبي -عليه الصلاة والسلام- ذلك لمعاذ حتى يستعد لهؤلاء بالعلم، بالعلم والحجج. فأهل الكتاب أهل علم، نعم عندهم كتاب، وعندهم علماء، فأخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك حتى يستعد لهم، وحتى يبين الشبهة التي ما زالوا متمسكين بها على ما هم عليه من تلك الديانة المحرفة. وقال: وكذلك العلماء الذين درسوا هذه الأمور، كشيخ الإسلام ابن تيمية، درس من العلوم والنظريات الفلسفية وغيرها ما يستطيع أن يرد به على أصحابها. وإذا قرأت في كتب شيخ الإسلام تتعجب من بداهة رده على هؤلاء، ومن ذكر نظريات الفلسفة وأقوالهم ثم الرد عليها. فهذا لشخص كشيخ الإسلام، ومن هو شيخ الإسلام؟ أما طالب مبتدئ جامعي، ويدخل نفسه في مثل هذه، فقل ما يسلم، والله تعالى أعلم. ولذلك قال الشيخ: "فإذا كنت تتعلم هذه الأمور للرد، ثم انظروا إلى القيود التي ذكرها: قال: وأنت واثق أن لديك المقدرة والحصانة على الرد، بحيث لا تتأثر بها. ما تدخل في هذه النظريات وهذه الفلسفيات، وما نشعر إلا تخرج المسكين وهو يحمل فكرة الفلاسفة، وهو يحمل فكرة الفلاسفة، يعني تأثر بتلك النظريات. لا. قال: بأن يكون لديك علم شرعي راسخ، ومن الذي يكون عنده علم شرعي راسخ إلا العلماء؟ قال: ويكون لديك عبادة وتقوى. فأرجو إن شاء الله أن يكون هذا خيرًا لك ونفعًا للمسلمين. وأما إذا كنت ترد عليها بشيء غير مقبول، يعني بدون علم، ترد عليها بدون علم، أو ليس لديك دليل، فلا تنتهج هذا الطريق. وكذلك إذا كنت تعرف نفسك أنك لست على يقين كامل وثبات راسخ، فأنا أشير عليك أن تدع هذه الأمور". وهذا هو الواقع، لا سيما في هذه الأزمان مع كثرة الانحرافات والشبه، وقلة العلماء ونشر العلم. قال: "فأنا أشير عليك أن تدع هذه الأمور؛ لأنها خطيرة، ولا ينبغي للإنسان أن يتعرض للبلاء مع الخوف منه، فالسلامة لا يعادلها شيء". وسئل فضيلته -رحمه الله تعالى-: قال السائل: "أنا طالب أحب أن آخذ درجات عالية ومعدلًا ممتازًا، وأنا مع ذلك نيتي طيبة"، يعني في المدرسة يحب أن يكون له درجات وعلامات طيبة. قال: "فما رأيكم في الفرح بالدرجات العالية، والغضب من الدرجات الضعيفة؟ هل في هذا خدش للإخلاص؟". فأجاب فضيلته بقوله: "الظاهر إن شاء الله أنه ليس في هذا خدش للإخلاص؛ لأن هذا أمر طبيعي أن الإنسان يسر بالحسنة، ويساء بالسيئة. والله تعالى بيّن أن الأشياء التي لا تلائم المرء سماها سيئة، فلا بد أن تسوءه، وكذلك الحسنة لا بد أن تسره. فهذا أمر طبيعي، ولا ينافي الإخلاص. فتنوي مع دراستك نفع الإسلام والمسلمين". قال: "فهذا لا يؤثر على إخلاصك إذا كان الأمر كما قلت، عندك نية طيبة. أما إذا كان همك هو الدرجات أو الشهادة، فهذا شيء آخر". أي أن النية لها دور كبير في مثل تعلم هذه العلوم في المدارس النظامية، فإنما الأعمال بالنيات. وللأسف الشديد أن في غالب هذه المدارس النية هو الحصول على الشهادة، ولذلك الطالب مستعد أن ينال الدرجات العالية ولو بالغش، ولو بالغش، وهذا هو الواقع في حال تلك المدارس، والقليل من ينوي تلك النية الطيبة، الطيبة، نعم، إلا في مدارس المملكة ودراسات الإسلامية، فهذه نفع الله بها. قال: "فها هو عبد الله بن عمر"، يعني أتى بدليل يدل على هذا الأمر الطبيعي، وهو أن الإنسان يفرح بما يناله من الدرجة العالية، ويساء بالدرجة الضعيفة. فقال: "فها هو عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-، لما ألقى النبي -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه مسألة، قال: «إن في الشجر شجرة تشبه المؤمن»"، يعني سأل الصحابة: ما هي هذه الشجرة؟ شجرة من الشجر تشبه المؤمن. وكان المجلس في مجمع من الصحابة، في مجمع من الصحابة. قال: "فجعل الصحابة يخوضون في أشجار البوادي"، يعني كل واحد يأتي بشجرة مما يعرف من أشجار البوادي، وليس هذا هو الجواب الصحيح. قال ابن عمر: "فوقع في قلبي أنها النخلة، أن هذه الشجرة التي تشبه المؤمن هي النخلة". قال: "ولكني كنت صغيرًا، فما أحببت أن أتكلم"، يعني استحى أن يجيب بهذا الجواب وهو الجواب الصواب الصحيح لصغر سنه، ولحضور كبار الصحابة في هذا المجلس. قال: "وعمر -رضي الله عنه- قال لابنه"، يعني بعدما فرغ من المجلس وذهب، وذكر لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يجب أحد، فذكر لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا المجلس أنها النخلة، فأخبر ابن عمر أباه بما وقع في نفسه، وأنه كان يعني عنده هذا الجواب، عنده هذا الجواب. فقال عمر لابنه: «وددت أنك قلتها، وددت أنك قلتها». قال الشيخ العثيمين: "وهذا يدل على أن فرح الإنسان بنجاح، وما أشبه ذلك، لا يضر. فعمر فرح، لو أن يعني ابنه أجاب بهذا الجواب الذي سأل عنه النبي -عليه الصلاة والسلام-، لأن هذا أمر فطري جبلي، أن الإنسان يسر بالحسنة، الشيء الحسن، ويساء بالشيء السيء". فهذا ما أراده الشيخ -رحمه الله تعالى-، رحمه الله تعالى. فهذه أمر دقائق، وقد تشكل على بعض من نوى هذه النية الطيبة، وينازع نفسه، ربما ينازع نفسه يقول: "كيف أنا أفرح بهذا، وهذا أمر دنيوي؟ وكيف يعني هل هذا يناقض أو ينقص من الإخلاص، أو إلى غير ذلك؟". فأجاب الشيخ بهذا الجواب الذي يزيل هذا الإشكال، يزيل هذا الإشكال. والله تعالى أعلم. وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.