الدرس في كتاب الحج 12، ألقاها
الوطء في الفرج من محظورات الإحرام ويترتب عليه إفساد الحج ووجوب بدنة إذا كان قبل التحلل الأول. إذا حصل الجماع قبل التحلل الأول، يفسد الحج أو العمرة وتجب بدنة.
إذا حصل الجماع بعد التحلل الأول، وجب دم شاة والإثم، ويحرم من التنعيم لإفساد إحرامه الأول. الجماع بعد التحلل الأول له أحكام تختلف عن الجماع قبله.
المرأة المحرمة لها أن تلبس المخيط وتغطي وجهها بغير نقاب أو برقع، ولا تلبس القفازين. محظورات الإحرام للمرأة تشمل النقاب والبرقع والقفازين دون غيرها من الملابس.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله في كتاب عمدة الفقه، في كتاب الحج منه، في باب محظورات الإحرام: قال التاسع، أي من محظورات الإحرام، الوطء في الفرج. فإن كان قبل التحلل الأول، فسد الحج، ووجب الموضي في فساده. ووجب عليه بدنة، وإن كان بعد التحلل الأول، ففيه شاة. قوله رحمه الله تعالى: التاسع الوطء في الفرج، أي الوطء في القبل. وألحق به العلماء رحمه الله تعالى كذلك الوطء في الدبر، سواء كان الوطء للذي يحل له وطؤها أو يحرم عليه وطؤها. قال: فإن كان قبل التحلل الأول، والتحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة في يوم النحر، فإنه يكون قد تحلل التحلل الأول على الصحيح. فمن رمى الجمرة ثم جامع أهله، هذا يُقال له جامع بعد التحلل الأول. وأما من جامع أهله قبل ذلك، فإنه يُقال له جامع قبل التحلل الأول. فالحاصل من هذا أن المجامع لأهله وهو محرم لا يخلو من حالتين: الأولى أن يجامع قبل التحلل الأول، والحالة الثانية أن يجامع بعد التحلل الأول. التحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة. فالحالة الأولى تترتب عليها أحكام خمسة: أولها أنه يكون آثمًا بإفساده لحجه، لأن الجماع في الإحرام مُفسد للحج بإجماع. محظورات الإحرام التي مرت معنا كلها لا تفسد الحج ولا العمرة، إلا الجماع. وهذا بإجماع، نقله الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة. قالوا: إن كان ذلك قبل التحلل الأول، فإنه يترتب عليه أحكام خمسة: أولها أنه يكون آثمًا لأنه أفسد حجه، الثاني أن حجه أو عمرته تفسد بسبب الجماع، الثالث أنه يجب عليه المضي وإتمام ذلك النسك لقول الله جل وعلا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، الحكم الرابع أنه يجب عليه أن يأتي بحجة مكان تلك الحجة التي أفسدها من العام المقبل من غير تراخ، الحكم الخامس أن عليه بدنة. وهذا كما سمعتم إذا كان قبل التحلل الأول، وعليه بدنة، هذا الذي أفتى به الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. جاء ورد عن عمر رضي الله عنه وأرضاه، وإن كان بعضهم يحكم عليه بالإرسال هذا المعنى، ولكن ثبت عن عبد الله بن عباس، وثبت كذلك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما من الصحابة، ولا يُعلم لهم مخالفًا. فالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم حكموا على من حصل منه هذا الأمر بهذه الأحكام، وأوجبوا عليه بدنة لعظيم وشناعة فعله ذلك، إذ أن الجماع كما يقول الفقهاء رحمهم الله تعالى يعتبر أشد محظورات الإحرام حرمة. قال: وإن كان بعد التحلل الأول، فإنه يترتب عليه أحكام: أولها أنه آثم لأنه ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام، الحكم الثاني أن عليه شاة، أي فدية، والحكم الثالث أنه يحرم من التنعيم، لماذا؟ لأنه قد أفسد إحرامه الأول بالجماع. قال الفقهاء: فحالك من أتى بمحظور من محظورات الصلاة بعد التسليمة الأولى، فتكون صلاة صحيحة، ويكون وقع منه المحظور بسبب أنه ما استكمل الصلاة بعد. قال رحمه الله تعالى: وإن وطئ في العمرة أفسدها. ولا يفسد النسك بغيره، أي بغير الجماع من محظورات الإحرام المذكورة السابقة. فجميع محظورات الإحرام لا تفسد النسك، إنما يفسد النسك كما مر ومضى الجماع، وهذا محل إجماع. قال رحمه الله تعالى: والمرأة كالرجل إلا أن إحرامها في وجهها، ولها لبس المخيط. قوله رحمه الله تعالى: والمرأة كالرجل، أي في محظورات الإحرام التي تقدم ذكرها، إلا أن إحرامها في وجهها، ولها لبس المخيط. أي المرأة لها أن تلبس المخيط بخلاف الرجل، الرجل لا يلبس العمائم ولا القلانس ولا السراويلات ولا القمص إلى غير ذلك. بخلاف المرأة فإنها تلبس السراويلات وتلبس ما ترتديه المرأة من اللبس من المخيط مما يستر جسدها. فهذه من المفارقات بين الرجل والمرأة في محظورات الإحرام. واستثنى من ذلك في قوله: إلا أن إحرامها في وجهها، هذه العبارة من عبارات الفقهاء رحمهم الله تعالى التي وقع فيها شيء من الإشكال. فظن أن المرأة المحرمة لا تغطي وجهها بشيء، وأن تغطية وجه المرأة من محظورات الإحرام، وهذا خطأ. بل الواجب على المرأة أن تغطي وجهها، لكن بغير برقع ولا نقاب. وكان الأولى بالتعبير كما مر معنا مرارًا أن يعبر بالتعبيرات الشرعية، فيقال: وأما المرأة فإنها لا تلبس النقاب وما كان في معنى النقاب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المرأة المحرمة: «لا تلبس النقاب ولا الجوارب». فالمحرمة هذا هو المحظور عليها من اللباس، النقاب والنقاب كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى هو لباس الوجه للمرأة، وهو ما تضعه المرأة من ساتر يغطي وجهها وتجعل له من حيث أو من جهة عينها نقب. قال: ويلحق فيه كذلك البرقع، وهو في حكمه ومعناه، إلا أن البرقع كما يقول العلماء يستخدم للتجمل، فهو كما قيل نقاب وزيادة، لأن البرقع تستخدمه المرأة لتغطية وجهها، وربما تركت شيئًا من أعلى العينين ترى به ما تحتاج أن تراه. فالحاصل أن المرأة لا تنتقب، ولكن لها أن تغطي وجهها بغير ذلك. فللمرأة أن تزدل عليها جلبابها أن تزدل جلبابها على وجهها، كما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: «كنا إذا حاذينا الرجال أزلنا علينا من ثيابنا». فالمرأة كذلك لا تلبس القفازين، والقفازان هما ما تستخدمه النساء لأجل ستر اليدين، فهو لباس الكفين. القفازان لباس الكفين كما أن الخفين لباس القدمين. فالمرأة المحرمة يحظر عليها في حال إحرامها أن تلبس القفازين لحديث ابن عمر رضي الله عنهما. فالمرأة لها أن تلبس الخفين، لكن القفازين لا تلبس المحرمة القفازين لحديث ابن عمر رضي الله عنهما وأرضاهما. ومنه يعلم أن المرأة في محظورات الإحرام كالرجل، إلا أن المرأة يجوز لها لبس المخيط، ولا يجوز لها لبس النقاب وما كان في معناه، ولا القفازين. فهذه أحكام مختصرة في محظورات الإحرام، والله تعالى أعلى وأعلم. صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.