الدرس في كتاب الحج 13، ألقاها
تتناول الفدية في الإحرام على التخيير بين صيام أو إطعام أو ذبح شاة، وتُطبق على محظورات مثل الأذى واللبس والطيب. دليل التخيير جاء في القرآن والسنة.
من قتل صيدًا وهو محرم عليه جزاء مثل ما قتل من النعم، ويخير بين إخراج المثل أو تقويمه بالطعام أو الصيام. يُحدد الحكم بناءً على قيمة الصيد أو ما يقابله من النعم.
يتناول المقطع أحكام الهدي والكفارات مثل هدي التمتع وفدية الجماع، ودمي الفوات والمحصر، وكفارة تكرار المحظورات. يشرح أيضًا أحكام توزيع الهدي والإطعام والصيام.
يختم بالتأكيد على علو الله تعالى وعلمه، ويصلي ويبارك على النبي وآله وصحبه. يُظهر المقطع الختامي التأكيد على أهمية الصلاة على النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الفقه» في كتاب الحج منه: باب الفدية، أي مدخل في الكلام على أحكام الفدية، وسيأتي معنا أنها على ضربين. قال رحمه الله تعالى: وهي على ضربين، أحدهما على التخيير، وهي فدية الأذى واللبس والطيب، فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، أو ذبح شاة. هذا الأمر الأول، وهو أن الفدية على ضربين، أحدهما على التخيير، والمراد بالتخيير هو أن من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام فإنه مخير في كفارة بين الإطعام أو الصيام أو ذبح الشاة، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، وجاء في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه حينما رآه النبي صلى الله عليه وسلم وقد آذته هوام رأسه، فقال: «ما كنت أظن أن الأذى قد بلغ بك هذا المبلغ»، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحلق رأسه وأن يفدي بذلك. فقال له صلى الله عليه وسلم: «احلق رأسك، وأطعم ثلاثة مساكين، أو صم ثلاثة أيام، أو انسك نسكًا». وهذا كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنه التخيير، لأن قوله «أو» تفيد التخيير، فهو مخير في كفارة، إذا فعل أحد تلك الخصال فإنه قد أتى بالمأمور. قال رحمه الله تعالى: وهي في فدية الأذى، جاء بها النص من الكتاب والسنة كما تقدم، واللبس والطيب، قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن دليله القياس، أي إلحاق الحكم بالحكم بجامع أنه فعل محظورًا من المحظورات. قال: فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو طعام ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، أو ذبح شاة. قال: وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم. هذا الحكم الثاني، أن من قتل صيدًا في الحرم أو كان محرمًا، الكلام على المحرم إذا قتل صيدًا، والصيد كما مر معنا مجتمعت فيه ثلاث خصال، أو ثلاثة أوصاف. قال رحمه الله تعالى: وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوُو عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. فالله جل وعلا ذكر أن الحكم أولًا مثل تلك النعم، يعني أن يهدي أو أن يفدي من النعم، أو من النعم ما كان مقاربًا لذلك الصيد. فقوله: وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم، ليس معناه أن من قتل وحشيًا يجب عليه أن يفدي بمثل وحشي معين. قال رحمه الله تعالى: إلا الطائر، فإن فيه قيمته، قيمته أي في المكان الذي حصل الصيد فيه، لأن قيمة الطير تختلف من مكان إلى آخر. قال بعضهم: واستدلوا في ذلك بأن الغالب في الطير ليس له مثيل من النعم. قال رحمه الله تعالى: إلا الحمامة، ففيها شاة. وكذلك استدلوا بأن بعض الصحابة رضي الله عنهم حكم بهذا، جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قضى بهذا. قال: والنعامة فيها بدنة. كذلك يذكرون أن عمر رضي الله عنه حكم بهذا الحكم، أي جعل في النعامة بدنة. قال رحمه الله تعالى: يتخير بين إخراج المثل، كما تقدم، مثل شاة، حمامة قالوا: كذلك أقر ما يكون لها من النعم شاة. قال: ويتخير بين إخراج المثل وتقويمه بالطعام، كما ذكر الفقهاء وتقدم ذكره. يقال: الشاة كم قيمتها؟ عشرة آلاف، طيب كم من الطعام في العشرة آلاف؟ يقال له: كذا وكذا، كم يكفي هذا الطعام؟ يكفي كذا مسكين يطعم. قال رحمه الله تعالى: أو يصوم عن كل يوم، أو يصوم عن كل مد يومًا. هذا قول بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: الضرب الثاني على الترتيب، الضرب الثاني على الترتيب، الأول على التخيير كما تقدم، إما أن يذبح شاة أو نسكًا، وإما أن يطعم مساكين، وإما أن يصوم. الضرب الثاني على الترتيب، أي الأول أن يفعل كذا ما استطاع، انتقل إلى الثاني، إلى الذي يليه. قال: الضرب الثاني على الترتيب، وهو هدي التمتع، يلزمه شاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. قال رحمه الله تعالى: وفدية الجماع بدنة، على ما تقدم من قضاء الصحابة رضي الله عنهم، فإن لم يجد فصيام، كصيام التمتع، صيام عشرة أيام. وكذلك الحكم في البدنة الواجبة بالمباشرة. قال: ودمي الفوات والمحصر، الفوات هو من فاته الحج، كإنسان وقف بمزدلفة ظنًا منه أنها عرفة، مثل هذا يقال: فاته الحج. فالفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون: من فاته الحج، فعليه نسك. قال: والمحصر يلزمه دم، لما ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأمره لأصحابه يوم الحديبية حينما أحصر، فنحر هديه وأمر أصحابه أن ينحر هديهم. قال: ومن كرر محظورًا من جنس واحد، فكفارة واحدة. ومن كرر محظورًا من جنس مختلف، فلكل واحدة كفارة. قال رحمه الله تعالى: والحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد، يستوي عمدها وخطؤها. والراجح والله أعلى وأعلم أن السهو ليس كالعمد. قال رحمه الله تعالى: وسقوط المحظورات في سهوه، لا شيء فيه، وهذا هو الصحيح فيما تقدم وفي غيرها. قال: وكل هدي أو إطعام، فهو لمساكين الحرم، إلا فدية الأذى، يفرقها في الموضع الذي حلق فيه. قال رحمه الله تعالى: وهدي المحصر ينحره في موضعه، لما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أحصر في الحديبية نحر هديه، فلم يرسله إلى الحرم. قال: أما الصيام، فيجزئه بكل مكان. هذا هو الصحيح، إلا أنه يستحب في هذه أو في صيام التمتع أن يكون ثلاثة أيام في الحرم. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.