الدرس في كتاب الحج 21، ألقاها
يُعرَّف المقطع العقيقة لغة وشرعًا، حيث تُعد شعيرة إسلامية تُذبح شكرًا لله تعالى على نعمة المولود. تُذبح العقيقة في اليوم السابع من الولادة.
العقيقة سنة مؤكدة عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة، وتُذبح في اليوم السابع من الولادة. يجوز للولد أن يعق عن نفسه إذا لم يعق عنه والده.
تُذبح العقيقة في اليوم السابع، ويُستحب حلق رأس المولود والتصدق بوزن شعره فضة. يجب أن تُذبح العقيقة من مفاصلها دون كسر عظامها.
أحكام الأضحية والعقيقة متشابهة، حيث يشترط السلامة من العيوب وسن معينة في الذبيحة. الضأن يجب أن يكون ابن ستة أشهر، والمعز ابنة سنة فما فوق.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي، رحمه الله تعالى، في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الحج منه، قال: باب العقيقة، وهو الباب الذي ختم به الإمام ابن قدامة، رحمه الله تعالى، كتاب الحج، وذكره رحمه الله تعالى لباب العقيقة ها هنا للمناسبة بينه وبين الباب الذي قبله، فإن الباب الذي قبله في أحكام الهدايا والأضاحي، وهنا ذكر رحمه الله تعالى العقيقة للمناسبة بينهما، إذ أن الكل يجمعهم معنى الذبح لأجل شكر نعمة الله تبارك وتعالى. فكما مر معنى أن الأضحية، وكذا الهدي، تذبح شكرًا لله تبارك وتعالى، وكذلك العقيقة كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنها تذبح شكرًا لله تبارك وتعالى على نعمة الولد، تذبح لله تبارك وتعالى شكرًا على نعمة الولد، فهذا هو الجامع بينهما، وهذه هي المناسبة في ذكره رحمه الله تعالى لذكر باب العقيقة بعد باب الأضحية والهدي. قوله رحمه الله تعالى: باب العقيقة، كما مر معنا مرارًا أن الباب يطلق على المدخل، وهو إما أن يكون مدخلاً حسيًا أو أن يكون مدخلاً معنويًا، وهو المقصود هاهنا، والمعنى مدخل في الكلام على أحكام ومسائل العقيقة. والعقيقة لغة: قيل أنها مأخوذة من القطع، قال: ومنه سميت العقيقة شرعًا، قال: وذلك لأن العقيقة حقيقتها قطع حلقوم شاة وأوداجها، فهي مأخوذة من القطع. وقال آخرون: يقال للولد إذا قاطع والديه بأنه عاق، بأنه عاق، أي قاطع، فالعاق هو القاطع. وهذا القول هو الذي استحسنه واختاره الإمام المبجل أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى. بينما ذهب غيره من أهل اللغة، كأبي عبيد القاسم بن سلام، عليه رحمة الله تعالى، إلى أن العقيقة مأخوذة من الشعر الذي يكون مع المولود حين ولادته، فالشعر الذي يكون على رأس المولود عند ولادته يسمى عقيقة، يسمى عقيقة. ولذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن العقيقة - وهي ذبح شاة شكرًا لله تبارك وتعالى على نعمة الولد في اليوم السابع - أن العقيقة التي هي الذبيحة سميت كذلك. قالوا: إما أن يكون من باب تسمية الشيء بسببه، أي أن العقيقة التي تذبح - وهي الذبيحة التي تذبح للمولود في اليوم السابع - بعد ذبحها يحلق شعر رأس الطفل الذي ولد وهو على رأسه، وهو الذي يسمى العقيقة، فلذا قالوا: يكون من باب تسمية الشيء بسببه، فسبب حلق الشعر قالوا: هذه الذبيحة، فسميت عقيقة لأجل هذا المعنى. وقيل: إنها - يعني - إما أن تكون من باب تسمية الشيء بسببه أو لأجل الشيء الذي معه، وهو حلق الرأس الذي يكون مع ذبح الشاة التي تسمى عقيقة. فالعقيقة شرعًا هي الشاة، أو النسك، التي يذبح على نعمة الولد، وقال بعضهم: في اليوم السابع. واليوم السابع - كما سيأتي معنا - أن هذا على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الشرطية. ويشترط في الحدود أن تكون جامعة مانعة لأوصاف المحدود. قال رحمه الله تعالى: وهي سنة، أي حكم العقيقة أنها سنة، يدل على أنها سنة ما جاء عند أصحاب السنن من حديث الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى ويحلق رأسه». وجاء في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن ربيعة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر كذلك أمر العقيقة، وقال: «فأهريق عليه دمًا»، «فمن ولد له مولود فليهرق عليه دمًا». وظواهر هذه الأحاديث بأنها ماذا؟ بأنها للوجوب. وهذا القول ذهب إليه بعض أهل العلم. لكن جاء في سنن أبي داود بإسناده الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ولد له مولود فأراد - أو قال - فأحب أن ينسك له نسيكًا فليفعل»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فقوله: «فمن أحب» دل على أن أمر العقيقة على الاستحباب لا على الوجوب، فهي سنة مؤكدة. وقد عقى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين. فدلت تلك الأدلة بمجموعها على أن العقيقة من السنن المؤكدة، وهي - كما قال الفقهاء رحمهم الله تعالى - مما يكون من حق الولد على والده. إذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى تفريعًا عن هذه المسألة مسألة، وهي: لو أن الأب ما ذبح عن ولده حتى كبر الولد، فهل له أن يذبح عن نفسه؟ هل له أن يذبح عن نفسه؟ في المسألة خلاف، والأظهر الجواز، أي أن يعق الولد عن نفسه ولو بعد البلوغ، ولو كان كبيرًا. وقد ثبت في الصحيح أن إبراهيم عليه السلام عقى عن نفسه وهو ابن ثمانين سنة، فدل ذلك على جواز العقيقة لمن كبر، ولو كبر حتى بلغ ذلك السن. وله كذلك أن يعق عن نفسه - هو الولد - من كسب أبيه. قال رحمه الله تعالى: وهي سنة، أي من السنة المؤكدة، عن الغلام شاتان مكافئتان، عن الغلام شاتان مكافئتان، أي متكافئتان، شاه وشاه، وذلك لما روت أم كريز الكعبية رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاه». والحديث رواه أبو داود بإسناد صحيح. قال رحمه الله تعالى: طيب ها هنا كذلك من باب التنبيه أن المستحب كذلك في العقيقة أن يعق الوالد عن ولده شاتين إن استطاع أن يجمع بينهما معًا، فهذا هو الأولى، أي أن يعق عنه بشاتين في وقت واحد، وتكون تلك الشاتان متقاربتين، أي من حيث الحجم والمنظر. فإن لم يستطع - يعني يكون رجل حاله متعسرة وعنده شيء من الضيق المالي - فهل له أن يعق بشاتين ويعق بأخرى بعد ذلك؟ الجواب: نعم، له أن يعق بواحدة وأن يعق بالأخرى في زمن آخر. والله جل وعلا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وعن الجارية شاة، كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: تذبح يوم سابعه، تذبح يوم سابعه، وهذا على سبيل الاستحباب كذلك، على سبيل الاستحباب، فإن ذبحها في اليوم الأول أجزأه ذلك. وإنما كان في اليوم السابع على سبيل الاستحباب لحديث الحسن عن سمرة أنه قال: «كل غلام رهينة بعقيقة تذبح عنه يوم سابعه». لكن جاءت أحاديث يحسنها بعض أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم عقى عن الحسن والحسين بعد ولادتهما، وجاءت في ذلك الروايات كذلك بأن فاطمة هي التي فعلت ذلك، وأكثرها لا يخلو مما قال. فالحاصل أن من حيث الجواز يجوز، إذ لا توقيت محدود، لكن من ذبح في اليوم السابع كان أفضل، ومن أخره فذبحه بعد ذلك لأمر أو لآخر كذلك أجزأه ذلك. لكن كما ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى - كما سيأتي معنا - أنهم استحبوا أن تكون في السبع الأولى، فإن لم يكن ففي السبع الثانية، فإن لم يكن ففي السبع الثالثة. وفي ذلك جاء حديث يحسنه بعض أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: تذبح يوم سابع، أي تلك العقيقة. قال: ويحلق رأسه، ويتصدق بوزنه ورقًا. وقوله رحمه الله تعالى: ويحلق رأسه، كذلك هذا على سبيل الاستحباب، لما جاء في حديث الحسن في قوله: «ويسمى ويحلق رأسه». وقوله رحمه الله تعالى: ويتصدق بوزنه ورقًا، هذا كذلك جاءت في ذلك أحاديث لا يخلو شيء منها مما قال. وأقربها أن ذلك من فعل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أنه فعلت ذلك، وكان ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فاستدل به العلماء رحمهم الله تعالى على مشروعية ذلك - يعني يحلق الرأس ويزن الشعر ويتصدق مقابل ذلك الشعر ورقًا، أي فضة. قال: فإن فات - أي فاتت السبع الأول - قال: فإن فات ففي أربع عشرة، فإن فات ففي أحد وعشرين، أي ما استطاع أن يذبح في السابع ففي الرابع عشر، ما استطاع ففي الواحد والعشرين. قال رحمه الله تعالى: وينزعها أعضاء. ما معنى ينزعها أعضاء؟ قال: ولا يكسر لها عظم، بمعنى أنهم أسنوا ويستحبوا في ذبح العقيقة ألا تكسر العظام أثناء الذبح، ألا تكسر العظام، ولكن تقطع من المفاصل، تقطع الأعضاء من المفاصل، وذلك لما روي عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: «السنة شاتان مكافئتان وعن جارية شاه، تطبخ جُذاذًا - أي أعضاء - ولا يكسر عظمها، ويأكل ويطعم ويتصدق». وذلك في اليوم السابع. وكذلك ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى مناسبة لذلك بأن الأعضاء لا تكسر، قالوا: تفاؤلاً بسلامة الطفل، الأعضاء - أي أعضاء الشاة - لا تكسر بل تذبح من مفاصلها تفاؤلاً بسلامة الطفل، أي أن لا تكسر عظامه. قال رحمه الله تعالى: وحكمها حكم الأضحية فيما سوى ذلك، أي من حيث السن ومن حيث السلامة، إلا ما نبه عليه الفقهاء رحمهم الله تعالى من استثناء، وهو أن العقيقة لا يشرع فيها ما يشرع في الأضحية من الشركة في الإبل ولا في البقر، بمعنى أن العقيقة إنما المشروع فيها أن تذبح شاة عن الجارية وشاتان عن الغلام، فلا يشرع أن يذبح بقرة أو أن يذبح ناقة عقيقة لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصنع ذلك، ولم يصنعه كذلك أصحابه من بعده، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، هذا هو الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى في مسألة خلاف. وأما بقية أحكام الأضحية فإن أحكامها أحكام للعقيقة، بمعنى يشترط السلامة تشترط السلامة من العيوب، وكذلك أن تكون السن مجزئة، وهي أن تكون في الضأن أن تكون ابن ستة أشهر فما فوق، ومن المعز أن تكون ابنة سنة فما فوق. هذه جملة مسائل متعلقة بأحكام العقيقة. والله تعالى أعلى وأعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.