الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 55، ألقاها
ذكر الشارح أن أحاديث رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة متواترة، وقد رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن. هذه الأحاديث تدل على أن رؤية الله جل وعلا يوم القيامة ممكنة وواضحة.
يتناول المقطع أهمية التمسك بالكتاب والسنة وتحذير السلف من علم الكلام. السلف حذروا من الخوض في أمور الدين بغير علم، واستدل بقول الشافعي وأقوال السلف في التحذير من علم الكلام.
يناقش المقطع قول الأشاعرة بأن الله يرى لا في جهة، ويبين تناقضهم في إثبات الرؤية ونفي الجهة. الرؤية تستلزم الجهة، وقد ألزم المعتزلة الأشاعرة بنفي الرؤية بسبب نفيهم للعلو بالذات.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: وعمل أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن. فمنها حديث أبي هريرة: أن ناسا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟» قالوا: لا، يا رسول الله. قال: «هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا. قال: «فإنكم ترونه كذلك». الحديث أخرجاه في الصحيحين بطوله. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى: «وأما الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن». وكما قال رحمه الله تعالى: بأن أحاديث رؤية المؤمنين لربهم جل وعلى متواترة، أي: نقلها الجمع عن الجمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، وهو كذلك مجمع عليه، لا خلاف بين السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، والتابعين لهم بإحسان على رؤية المؤمنين لربهم جل وعلى. ومن هذه الأدلة الدالة على هذا المعنى ما ذكره الشارح رحمه الله تعالى هنا، وهو قال: حديث أبي هريرة: «أن ناسا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟» والناظر في سؤال هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يدل هذا السؤال على أمور. يدل هذا السؤال على أمور: الأمر الأول: أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم قد علموا علما يقينيا من أن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا، فلم يقولوا: «هل نرى ربنا في الدنيا؟» أو «هل نرى ربنا؟» أو ما شابه ذلك من الأسئلة، بل جاء السؤال مقيدا: «يوم القيامة، هل نرى ربنا يوم القيامة؟» الأمر الثاني: يدل كذلك على أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم علموا أو استفسروا عن شيء، إما أن يكونوا علموه فأحبوا أن يزدادوا علما ويقينا، وإما أن يكونوا أرادوا الاستعلام عن هذا الأمر من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فسألوه ليبين لهم هذا الأمر وهذا الحكم. وهذا يدل على أن رؤية الله جل وعلا يوم القيامة ممكنة، وهذا الأمر معلوم كان عند الصحابة، لذا سألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ويدل كذلك، وهو الأمر الثالث: أن من كان على الفطرة، من كان على الفطرة التي لم تتلوث بلوثات علم الكلام، فإنه يبقى على ما جاءت به الأدلة الشرعية من الثوابت. إذ أن الشرع موافق للفطرة، بل مقرر للفطرة ومؤيد للفطرة ومؤكد للفطرة التي فطر الله جل وعلا الناس عليها. ولكن الكلام الباطل الذي دخل على الأمة في عهد العباسيين هو الذي جعلهم يضطربون ويختلطون ويختلفون، إلى جانب مجادلتهم الشياطين، كما جاء في حديث عياض بن حمار عند مسلم رحمه الله ورضي الله عن عياض قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين». كانوا حنفاء على الدين أسوي، ولكن الشياطين أدخلوا عليهم من الباطل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟» وهذا فيه التعليم بالسؤال، فيه التعليم بالسؤال. فالنبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن هذا الأمر، فقال لهم: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟» أي: هل يضر أحدكم أحدا؟ هل يضر أحد أحدا في رؤية القمر؟ أما أن الكل يراه وهو في مكانه؟ فقال الصحابة: «لا، يا رسول الله». ومعنى هذا: كما قال العلماء: فيه الاستدلال أو فيه دليل على القياس، فيه دليل على ماذا؟ على القياس. وفيه كذلك دليل على الإخبار أو التعليم بالأمر عن الأمر الغيبي بالأمر المحسوس. التعليم أو الإخبار أو البيان عن الأمر الغيبي بالأمر المحسوس. فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث شبه الرؤية بوضوحها وكمالها، وأن أحدا لا يضر أحدا برؤية المؤمنين أو برؤية الناس للقمر والشمس، برؤية الناس للقمر والشمس. ثم قال لهم في آخر الحديث: «قال: فإنكم ترونه كذلك». فإنكم ترونه كذلك. وهذا فيه دليل واضح صريح على رؤية المؤمنين لربهم عز وجل. قال رحمه الله: وحديث أبي سعيد القرشي أيضا في الصحيحين نظيره، وحديث جرير بن عبد الله البجلي قال: «كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته». الحديث أخرجاه في الصحيحين. ورواية: «عيانا» رواه البخاري رحمه الله تعالى. وأشار العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما هاهنا بأنه تكلم في ثبوتها، أي: في زيادة لفظة «عيانا» في كتابه «ضلال الجنة»، وكذلك تكلم عليها في «مختصر البخاري» في اختصاره البخاري، وحكم أنها ليست بمحفوظة. والرواية محتملة، ولا سيما أنها في صحيح البخاري، وهي من حيث المعنى موافقة للمعنى، موافقة لمعنى الحديث، فهي على قول بعض أهل العلم من يقول: بأن الزيادة إذا كانت موافقة لأصل الحديث، فإنها لا تكون شاذة، تكون صحيحة على هذا المذهب. والشاهد من حديث أبي سعيد واضح: «أنكم سترون ربكم». الحديث هكذا متفق عليه: «أنكم سترون ربكم». لفظة «عيانا» في صحيح البخاري، وهي تؤكد أنهم سيرون ربهم حقيقة بأعينهم، حقيقة بأعينهم. قال: «كما ترون هذا»، أي: القمر، وأشار أي: للقمر، أي: ليلة البدر. قال: «لا تضامون في رؤيته». ومعنى «لا تضامون»: قال بعض أهل العلم: أي: لا يضم بعضكم إلى بعض، لا يضم بعضكم إلى بعض، أي: من الزحام، فيرى بعضكم ما لا يرى الآخر. وقال: وقيل: وكذلك ذكر أنه لا تضامون، أي: بمعنى لا تظالمون، لا تظالمون في ذلك، بل الكل يرون ربهم جل وعلى تفضل. قال رحمه الله: وحديث صهيب المتقدم رواه مسلم وغيره، أي: في حديث «للذين يحسنون الحسنى وزيادة». وتفضل قال رحمه الله: وحديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم تبارك وتعالى إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن». أخرجاه في الصحيحين. ومن حديث عدي بن حاتم: «وليقين الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه حجاب، ولا ترجمان يترجم له، فيقول: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: ألم أعطك مالا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى يا رب». أخرجه البخاري في صحيحه. وهذا كذلك كغيره من الأحاديث الواضحة البينة في إثبات رؤية المؤمنين لربهم عز وجل. وهو كما ذكر: أحاديث كثيرة متكاثرة، أحاديث كثيرة متكاثرة في إثبات رؤية المؤمنين لربهم عز وجل. وقد ألف بعض الأئمة رحمهم الله تعالى مؤلفات في هذا الباب، منها: كتاب «الرؤية» للإمام الدارقطني رحمه الله تعالى. على أن بعض العلماء يشكك في صحة نسبته إلى الدارقطني، وبعضهم يدافع عن ذلك. تفضل قال رحمه الله: وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا. ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قالها. ولولا أني التزمت الاختصار، لسردت ما في الباب من الأحاديث. ومن أراد الوقوف عليها، فليواظب سماع الأحاديث النبوية، فإن فيها -مع إثبات الرؤية- أنه يكلم من شاء إذا شاء، وأنه يأتي لفصل القضاء يوم القيامة، وأنه فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأنه يتجلى لعباده، وأنه يضحك، إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية بمنزلة الصواعق. وهذه الأحاديث كما مرت، وسيمر معنا -بإذن الله جل وعلا- شيء منها، كلها تدل على إثبات الصفات عموما، وعلى إثبات صفة الرؤية، أي: رؤية أن الله جل وعلا يرى، حقيقة لا كما قالت الجهمية وغيرهم: من أن الله جل وعلا لا يرى. تفضل قال رحمه الله: وكيف تعلم أصول دين الإسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله؟ وكيف يفسر كتاب الله بغير ما فسره به رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، الذين نزل القرآن بلغتهم؟ وهذا حصل ممن؟ حصل من كل من خالف الكتاب والسنة من أهل الكلام: جهمية، معتزلة، أشاعرة، كلابية، إلى غير ذلك ممن خالف الكتاب والسنة. وكما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن الناس كانوا في سلامة حتى عهد المأمون العباسي، حينما أمر بترجمة كتب اليونان، فترجمت إلى اللغة العربية كتب اليونان والفلاسفة وما شابه ذلك، فترجمت إلى اللغة العربية. وعكف الناس على تلك الكتب. وكما قيل: «الناس على دين سلطانهم». فلما كان السلطان في ذلك الزمان شغوفا بالغريب، كما يقال، وبعلم الكلام، كان الناس كذلك. فتركوا الكتاب والسنة، وانشغلوا بعلوم هي في الحقيقة جهل، وليست بعلم، هي جهل وليس بعلم. رحم الله الشافعي رحمه الله تعالى إذ يقول: «كل العلوم سوى القرآن مشغلة، إلا الحديثة وإلا الفقه في الدين، العلم ما قال فيه حدثنا، وما سوى ذاك فوسواس الشياطين». فوسواس الشياطين. وهو رحمه الله تعالى يشير بل ويصرح بعلم الكلام، يصرح بعلم الكلام. بل قال رحمه الله تعالى -كما مر معنا في مقدمة هذا الكتاب- حكم في أهل الكلام، في أهل الأهواء: «أن يضربوا بالجريد والنعال، بالجريد والنعال إهانة لهم، ويطاف بهم بماذا؟ في العشائر، ويقال: هذا جزاء من خالف الكتاب والسنة». هذا جزاء من خالف الكتاب والسنة. هذا حال السلف مع المنكرين لما ثبت في الكتاب والسنة، وتعلق بما تعلق به من علم الكلام. وهؤلاء -للأسف- كما ذكر: جعلوا علم الكلام أصل الأصول الذي يبنى عليه دينهم، لذا تجدهم متفرقين متشعبين شيعا وفرقا. والرجل منهم يقول القول في الليل وينقضه في النهار، ويقرره في النهار وينقضه في الليل، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن بعض أساطينهم من أهل الكلام: يقرر ويحرر المسألة في الليل، فإذا جاء الصباح نقضها. وهذا يدلنا على ماذا؟ على أنهم على أن علمهم مبني على ماذا؟ على هيام. علمهم مبني على ماذا؟ على هيام. لأنه لا شيء، علم كلام لا على براهين قطعية من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي عقول وآراء. تفضل قال رحمه الله: وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار». وهذا الحديث كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى جاء من حديث ابن عباس، رواه الترمذي وغيره، واجتهاده ضعيف. وهذا والذي يليه والذي يليه كلها ضعيفة. وقد تكلمنا عليها في تخريج الحديث في المجلد الأول من «محل بن حزم». وحاصلها: أن الأحاديث لا تصح. الحديث الأول: «من قال في القرآن برأيه»، وفي رواية: «من قال في القرآن بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار». هذا كذلك ضعيف. وأما أثر أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، وهو قول: «وسئل أبو بكر رضي الله عنه عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ وَأَبٍّ﴾، ما الأب؟ فقال رضي الله عنه وأرضاه: أي سماء تظلنا، وأي أرض تقلنا، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم». هذا الأثر بمجموع طرقه يحسن. جاء من خمس طرق كلها فيها انقطاعات، ولكن الأثر بمجموع طرقه يرتقي إلى الحسن. تفضل: وهذا يبين لنا ما كان عليه السلف رضي الله عنهم وأرضاهم من عدم الخوض أو الكلام فيما لا يعلمون. فهذا الإمام الجليل رأس الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وأفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، سئل عن مسألة لا يعلمها، فقال: «ما قال». أي: سماء تظلون، وأي أرض تقل تقلون، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. هذا يبين لنا خطر الكلام على الله جل وعلا بغير علم. وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. قال رحمه الله: قال صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار». وفي رواية: «من قال في القرآن بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار». وسئل أبو بكر رضي الله عنه عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ وَأَبٍّ﴾، ما الأب؟ فقال: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم». وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي. وهذا واضح: أن المقصود من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كما ترون القمر». وفي الحديث: «كما ترون»، فكذلك ترون ربكم. أي: بالنسبة للقمر والشمس، في تشبيه الرؤية بالرؤية، أي: من حيث الوضوح وعدم مضايقة أو إضرار الشخص بأخيه، لا المرئي بالمرئي، لا الشمس والقمر بالله جل وعلا، فهي مخلوقات والله جل وعلا خالقها. تفضل قال رحمه الله: «بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي». ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه. وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: «يرى لا في جهة»، فليراجع عقله. فإما أن يكون مكابرا لعقله، وفي عقله شيء. أو... أن يكون هنا «أو» بمعنى «بل»، ولكن الظاهرة في هذا المقام أن «أو» تفيد التفصيل. قال رحمه الله: «فإما أن يكون مكابرا لعقله، أو في عقله شيء». وإلا فإذا قال: «يرى لا أمام الرأي، ولا خلفه، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، ولا فوقه، ولا تحته»، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة. قوله رحمه الله: «ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه». من أين هذا الدليل؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «إنكم ترون ربكم كما ترون القمر». القمر أين محله؟ في العلو. كذلك الشمس أين محلها؟ في العلو. فقوله رحمه الله تعالى: «ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه». أي: أنكم ترون الله جل وعلا، وأنتم في سفل، والله جل وعلا في علو. والله جل وعلا في علو، فترونه وهو سبحانه وتعالى في العلو الأعلى. قال: «وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟» أي: هل تعقل رؤية دون أن يقابل الرأي من يراه؟ إلا على سبيل الإعجاز. إلا أن تكون هذه الرؤية على سبيل الإعجاز، كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ماذا في الصلاة؟ إني أراكم من ورائي». إني أراكم من ورائي. قال العلماء: هذه من معجزاته النبي صلى الله عليه وسلم، أن جعل الله جل وعلا له هذا الأمر المعجز. قال: «ومن قال: لا يرى»، يعني: «يرى لا في جهة». قوله: «يرى لا في جهة». من المقصود بهؤلاء؟ المقصود بهم الأشاعرة. الأشاعرة هم يقولون: بأن الله جل وعلا يرى، موافقة لمن؟ موافقة لأهل السنة والجماعة. قالوا: «لا في جهة». وقولهم «لا في جهة» موافقة لمن؟ موافقة للمعتزلة والجهمية. فالأشاعرة في هذا الباب خلطوا، جمعوا بين الحق والباطل. قالوا: بأن الله جل وعلا يرى، لأنهم رأوا النصوص الواضحة الظاهرة الصريحة في إثبات الرؤية، في إثبات رؤية الله جل وعلا. ولكن عندهم معتقد فاسد باطل، وهو ماذا؟ وهو أنهم إذا أثبتوا لله جل وعلا العلو، يلزم أن يكون في جهة. وإذا كان في جهة، يلزم أن يكون الله جل وعلا محاطا به. قالوا: هذا محال. إذن كيف يجمعون بين ما ثبت عندهم من الأدلة الواضحة الصريحة، وإجماع السلف عليه؟ وبين ما ثبت عندهم بالعقل الفاسد؟ قالوا: «الله جل وعلا يرى لا من جهة». واضح. وحقيقة أمرهم: أن من يرى لا في جهة، هل يرى؟ الحقيقة أنه لا يرى. واضح. أم لا؟ من كان يرى، لا بد أن يكون أن يرى من ماذا؟ من مكان، من جهة. واضح. وإن كان لفظ الجهة كما سيأتي معنا، لفظا مجملا، وقد مر معنا أيضا. لكن لا بد أن يرى هذا المرء من جهة. يرى هذا المرء من جهة، بغض النظر أن يكون هذا المرء الخالق جل وعلا، أو غيره. قال رحمه الله: «فليراجع عقله». لماذا؟ لأن هذا مستحيل. لأن القول بأن الله جل وعلا يرى، وأنه لا من جهة، كقول القائل: بأن الله يرى، وأنه لا يرى. واضح. القول بأن الله يرى لا في جهة، كقول القائل: بأن الله جل وعلا يرى، وأن الله جل وعلا لا يرى. وهذا جمع بين النقيضين، وهذا ممتنع. قال رحمه الله: «قال: فليراجع عقله». لماذا؟ قال: «فإما أن يكون مكابرا لعقله». يرجع. «إما أن يكون مكابرا لعقله». لماذا؟ لأن العقل إذا أثبت الرؤية، يجب أن يثبت ماذا؟ الجهة. واضحة. أو ينفي الجهة وينفي معها ماذا؟ العلو أو الرؤية. ينفي الجهة وينفي معها ماذا؟ العلو. قال رحمه الله: «قال: وفي عقله شيء». قال: «وإلا فإذا قال: يرى». وإلا فإذا قال: «أو في عقله شيء»، أي: ما هو طبيعي إنساني يهدي، يعني: يتكلم بما لا يعقل. قال: «وإلا فإذا قال: يرى لا أمام الرأي، ولا خلفه، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، ولا فوقه، ولا تحته». قال: «رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة». وقوله: «رد عليه بفطرته السليمة» يحتمل أمرا. الأمر الأول: بفطرته السليمة، بأن الله جل وعلا في العلو. بأن الله جل وعلا في العلو. فالفطر السليمة تعلم وتقر بعلو الله رب العالمين. كما مر معنا مرارا: أن الإنسان الداعي إذا دعا ربه جل وعلا، اتجه قلبه بل وكفاه وجوارحه وبصره إلى السماء، إلى السماء. وهذه فطرة فطر الله جل وعلا عليها العباد. والمعنى الثاني: أنه يرد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة، بأن قال له: بأن من كان لا يرى في جهة، فإنه لا يرى. واضح. عملا يعني إما بهذا وإما بهذا. إما بهذا وإما بهذا. وهما متلازمان. لأن من أثبت الرؤية، من أثبت العلو، أثبت الرؤية. ومن أثبت الرؤية، أثبت العلو. والأشاعرة في صفة الرؤية وفي صفة العلو مضطربون متناقضون. قال رحمه الله: «ولهذا ألزم المعتزلة من نافى العلو بالذات بنفي الرؤية». وقالوا: «كيف تعقل رؤية بغير جهة؟» يقول: «ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية». من يقصد من المعتزلة بهذا الإلزام؟ الأشاعرة. واضح. لأن الأشاعرة نفوا العلو، نفوا العلو بالذات. فقالوا: بأن الله عز وجل لا نقول بأنه عال، لأننا لو قلنا بأنه عال، لنزم أن يكون في مكان، في جهة. والجهة في حق الله جل وعلا ممتنعة. لذا قالوا: نقول بأن الله جل وعلا لا داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا فوق، ولا تحت، ولا عن يمين، ولا عن شمال. فيما هذا في صفة العلو؟ جاءوا إلى صفة الرؤية، أي: هل يرى ربنا جل وعلا؟ قالوا: نعم، يرى. فقال لهم المعتزلة: «من نفى العلو بالذات»، من نفى العلو، يعني: «ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية». واضح. قالوا: «وقالوا: كيف تعقل رؤية بلا مقابلة، بغير جهة؟» واضح. حاجة ما هذا مستحيل. إما أن تثبتوا الكل، وإما أن تنفوا ماذا؟ الكل. فضل. لذا كان في كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معناه: أنه قال: «من ها هنا تسلط المعتزلة والجهمية على الأشاعرة». من ها هنا، بسبب ماذا؟ ما وقع في كلام من بعض ماذا؟ التناقض والاضطراب. تسلطوا عليهم، ألزموهم. واضح. ألزموهم بما هو لازم لهم في الحقيقة. تفضل قال الشارح رحمه الله تعالى: «وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤية». فهذه الشمس إذا حدق الرأي البصر في شعاعها، ضعف عن رؤيتها، لا لامتناع في ذات المرئي، بل لعجز الرأي. إذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قوى الآدميين حتى أطاقوا رؤيته. ولهذا لما تجلى الله للجبل، خر موسى صعقا. فلما أفاق، قال: «سبحانك، تبت إليك، وأنا أول المؤمنين بأنه لا يراك حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده». ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملك عن رؤية الملك في صورته، إلا من أيده الله كما أيد نبينا. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقَضِيَ الْأَمْرَ﴾. قال غير واحد من السلف: «لا يطيقون أن يروا الملك في صورته». فلو أنزلنا عليه ملكا، لجعلناه في صورة بشر. وحينئذ يشتبه عليهم: هل هو بشر أو ملك؟ ومن تمام نعمة الله علينا: أن بعث فينا رسولا منا. وهذا يدل على ما تقدم: إذا كان رؤية الملك بهيئته وبصورته. وقد جاء أن جبريل عليه السلام له ثمانمائة جناح، يعني: إذا فتح جناحه سد الأفق، كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهل يقوى بشر على هذه الرؤية؟ إذا كان جبريل عليه السلام حينما نزل على نبينا صلى الله عليه وسلم بالوحي، أول ما نزل عليه، ولم ينزل عليه بصورته، ولكن نزل بماذا؟ بصورة علمها الله جل وعلا، وعلمها رسوله صلى الله عليه وسلم، إذ شاهده. ومع هذا رجع نبينا صلى الله عليه وسلم وهو ماذا؟ وهو ينتفض صلى صلى الله عليه وسلم. ويقول: «زملوني، زملوني». وضح. فكيف إذا ظهر البشر بصورته؟ فلذا كان من كرامات الله جل وعلا لنبيه، ومن المعجزات الذي جعلها الله جل وعلا لنبيه: أن رأى جبريل، أعطاه قوة رأى فيها جبريل عليه السلام بصورة على حقيقته، مرتين: مرة في الدنيا، أي: في الأرض، ومرة في السماء ليلة الإسراء. تفضل قال رحمه الله: «وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام إلا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم، ولا خارجه». أي: لما وافقوهم على نفي علو الله، لما وافقوهم على نفي علو الله جل وعلا. ألزموهم بهذا الإلزام، وهو لازم لهم لا محالة. تفضل قال رحمه الله: «لكن قول من أثبت موجودا يرى لا في جهة، لا في وجهه، لا في جهة». أقرب إلى العقل من قول من أثبت موجودا قائما بنفسه لا يرى، ولا في جهة. طيب. يقول الشارح رحمه الله: «لكن»، «لكن» تفيد الاستدراك، أو التعقيب. يقول: «لكن قول من أثبت موجودا يرى لا في جهة»، أي: كقول الأشاعرة. أقرب إلى العقل من قول من أثبت موجودا قائما بنفسه لا يرى، ولا في جهة. كقول من؟ كقول الجهمية والمعتزلة. واضح. لماذا؟ لأن من قال في الموجود: بأنه يرى. واضح. أقرب أم من قال في الموجود: بأنه لا يرى؟ أيهما أقرب؟ الذي يقول: «يرى الموجود بأنه يرى». ثم اتفقوا في الأمر الثاني: وهو أنه لا في مكان. فأيهم أقرب إلى العقل؟ قول أشاعرة، وقول المعتزلة. قول أشاعرة -على ما فيه من الطرابة- قول أشاعرة أقرب إلى العقل، على ما فيه من الطرابة، من قول ماذا؟ من قول المعتزلة. لأن المعتزلة يلزم من قولهم التناقض المحض، بخلاف قول الأشاعرة: فيه الطرابة، يلزم منه التناقض. ووضح. لأن قول الجهمية وقول المعتزلة: بأن الله جل وعلا موجود، وأن الله جل وعلا قائم بنفسه، إلى غير ذلك من المعاني. ولكنه لا يرى، ولكنه لا في جهة. يسوي ماذا؟ موجود ليس بموجود. ووضح. له. وهذا يعني عين التناقض. بخلاف قول الأشاعرة: في قولهم بأنه يرى، موجود وأنه يرى. هذا حق أو باطل؟ حق. ثم اضطروا فقالوا ماذا؟ «لا في جهة». لا في جهة. ومن قال «لا في جهة» يلزم منه أن يقول بأنه ماذا؟ لا يرى. وهم لا يقولون هذا. وهم لا يقولون هذا. واضح. يقول: «بل يرى، لكن لا في جهة». فكون قول الأشاعرة -رحمهم الله- يعني قول أشاعرة أقرب من قول المعتزلة، بهذا الاعتبار. بهذا الاعتبار، أي: أنه أقرب إلى الممكن والواقع من قول المعتزلة. إذ أن المعتزلة قولهم فيه التناقض المحض. تفضل قال رحمه الله: «ويقال لمن قال: بنا في الرؤية الانتفاء لازمها، وهو الجهة». أتريد بالجهة أمرا وجوديا، أم أمرا عدميا؟ طيب. وهذا فيه بيان: أن الجهة مسألة الجهة من الألفاظ المجملة. لفظ الجهة من الألفاظ المجملة. والألفاظ المجملة تستفصل في معناها، فينظر: ما في معناها من الحق فيثبت، وما في معناها من الباطل فيرد. قال رحمه الله: «فإن أراد بها أمرا وجوديا، كان التقرير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى». وهذه المقدمة ممنوعة. ولا دليل على إثباتها، بل هي باطلة. فإن سطح العالم يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم آخر. طيب. الآن يقول رحمه الله: عند هؤلاء الذين يقولون: بأن الله جل وعلا يرى لا في جهة. ماذا تعنون بالجهة في قولكم: بأن الله يرى لا في جهة؟ ماذا تعنون بالجهة؟ يعني: لماذا؟ أن الجهة قد يراد بها معنى وجود، وهو ما كان داخل هذا العالم، ما كان داخل هذا العالم، المشاهد المحسوس: سماوات والأرض وما تحت العرش. ويحتمل أن يراد بها: أن يراد بالجهة المعنى العدمي، العدم المحض الذي هو خارج هذا العالم، الذي هو خارج هذا العالم. ومن باب الفائدة: أن الجهة من حيث هي الجهة، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ليس إلا جهتان: الجهات من حيث هي ليست إلا جهتان: إما علو، وإما سفل. واضحة. وأما بالنسبة للشخص، وأما بالنسبة للشخص، وهي ما عبر عنها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: بالجهة النسبية. بالجهة النسبية. فهي ست جهات. فما كان أمام الشخص فهو أمام، وما كان خلفه فهو خلف، وما كان عن يمينه فهو يمين، وما كان عن شماله فهو شمال، وما كان فوقه فهو فوق، وما كان تحته فهو تحت. قال: «ولكن هذه الجهات تختلف باختلاف هذا الشخص». واضحة. نتخيل الآن رجل يمشي إلى جهة القبلة. جهة القبلة تكون إيش بالنسبة له؟ أمام. واضح. وخلفها إيش؟ ما خلفه خلف. وما عن يمينه عن يمين. وما عن شماله عن شمال. رجل رجع، رجع، اشتدبر القبلة. الآن القبلة بالنسبة إليه: اشتكون خلف. واضح. وأمامه أمام. ويمينه الذي كان يمينا صار إيش؟ شمالا. وشماله صار ماذا؟ صار يمينا. إذن هذه الجهات نسبية. هذه الجهات نسبية. ومنها هنا نتنبه: أن بعض الناس يقول: بأن الجهات ست. وهذا ليس بصواب. الجهات النسبية ست. وأما الجهات المطلقة، فما عندنا إلا جهتان: إما علو، وإما ماذا؟ وإما سفل. يعني: العالم إما جهات العالم إما علو، وإما ماذا؟ إما السفل. وبالنسبة لهذا العالم: إما داخل العالم، أسفل من فيكون السفل. وما كان أعلى فهو ماذا؟ أعلى. بالنسبة للسماوات والأرض: علو. وماذا؟ وسفل. وهكذا. طيب. فيقول رحمه الله: «أتريد برجاء أمرا وجوديا، أو أمرا عدميا؟» فإن أراد بها أمرا وجوديا، كان التقرير: «كل ما ليس في شيء موجود لا يرى». يلزم على قولكم هذا: أن كل ما ليس في شيء موجود لا يرى. واضح. قال: «وهذه المقدمة ممنوعة». لماذا ممنوعة؟ يقول: «ممنوعة ولا دليل على إثباتها، بل هي باطلة». لماذا باطلة؟ يقول: «فإن سطح العالم يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم آخر». أي: وجود. واضح. لا سطح العالم. كما جاءت الأحاديث: أن سطح الجنة، أو أن سقف الجنة: العرش. العرش. العرش يرى، أو لا يرى؟ هو خارج العالم. إذن قولكم: بأن ما يرى لا بد أن يكون في العالم، موجود. ليس بصحيح. بل الدليل العقل والنقلي بل ويكون بإذن الله جل وعلا حسي، يدل على ماذا؟ يدل على أن ما كان خارج العالم، فإنه يرى. كالعرش، كالكرسي، وما شابه ذلك. وضح. طيب. يعني: يرى