الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 71، ألقاها
يُحرم تفسير القرآن بغير علم، ولا يجوز لإنسان أن يتكلم في القرآن برأيه دون علم. الإجماع منعقد على تحريم تفسير القرآن بغير علم.
يشترط أن يكون المفسر جامعًا لأحوال التفسير، ويجب أن يكون التفسير مبنيًا على علم واجتهاد. يحذر من تفسير القرآن برأي شخصي دون دليل صحيح.
يجب الرجوع إلى أهل اللغة والتفسير لفهم معاني القرآن بشكل صحيح، ويجب الجمع بين معرفة اللغة العربية وأقوال أهل التفسير.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في حكم تفسير القرآن. قال: ويحرم تفسيره بغير علم. الكلام الآن على مسألة تفسير القرآن. قال: ويقول أن النووي رحمه الله تعالى: ويحرم تفسيره بغير علم. والكلام في معانيه لمن ليس من أهلها، والأحاديث في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد عليه. أي: لا يجوز لإنسان أن يتكلم في القرآن وفي تفسير القرآن برأيه، بغير علم؛ لأن هذا من القول على الله جل وعلا بغير علم. والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، والله جل وعلا قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فلا يجوز لإنسان أن يقول في آية ما من كتاب الله جل وعلا: معناها كذا وكذا، وتفسيرها كذا وكذا، ومراد الله جل وعلا فيها كذا وكذا. هذا لا يجوز؛ لأن المفسر -كما يقول علماء- كالمترجم، مبين لكلام الله جل وعلا، فهو كأنه يقول: أراد الله كذا وكذا، ومعنى هذا عند الله جل وعلا كذا وكذا. فإذا كان بغير علم، فهو آثم؛ بل يدخل في كبيرة من كبائر الذنوب؛ إذ أنه تقول على الله جل وعلا بغير علم. فالأمر خطير، ليس بسهل أن يتكلم الإنسان برأيه في القرآن بغير ما علم. والسلف رضي الله عنهم وأرضاهم أنكروا إن كان شديدًا على من كان يتكلم في القرآن برأيه. فالشاهد من هذا -كما ذكر رحمه الله تعالى- لا يجوز لإنسان أن يجرؤ، وأن يتجرأ، وأن يقدم على تفسير كلام الله جل وعلا بغير علم وبغير أهلية، ليس من أهل التفسير، هذا لا يجوز. قال رحمه الله تعالى: وأما تفسيره للعلماء، فجائز حسن. العلماء العالمون المتطلعون الفاهمون لكلام الله جل وعلا، فتفسير العلماء رحمهم الله تعالى لكلام الله جل وعلا هذا حسن، وهذا من البيان الذي أخذه الله جل وعلا، وقال على أهل العلم أن يبينوه؛ لأنا فمن العلم بيان كلام الله جل وعلا، وهو -كما ترون- بإجماع. قال: والإجماع منعقد عليه. فمن كان من أهل التفسير، جامعًا لأحوال، جامعًا للأحوال التي يعرف بها معناه، وغلب على ظنه المراد، فسره. إن كان مما يدرك بالاجتهاد، كالمعاني والأحكام الخفية والجلية، والعموم والخصوص، والإعراب وغير ذلك. وإن كان مما لا يدرك بالاجتهاد، كالسور التي طريقها النقل، وتفسير الألفاظ اللغوية، فلا يجوز الكلام فيه إلا بنقل صحيح من جهة المعتمدين من أهله. والكلام ها هنا على من؟ على العلماء. فيقول للعلماء: نفسروا كلام الله جل وعلا، لكن بعلم، وأن يكون هذا التفسير في الآيات التي ما تحتاج إلى الاجتهاد، والتي تحتاج إلى بيان وتوضيح، بإعمال فكر وبنظر وتدبر. هذا أمر محمود أن ينظر العالم إلى الآية فيقال: يستفاد من الآية كذا وكذا، ويستنبط من الآية كذا وكذا، ومفهوم الآية كذا وكذا، والآية تدل على كذا وكذا. هذا أمر حسن ومحمود. والناس من لدن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا، العلماء وعلى هذا يفسرون كلام الله جل وعلا، ويستنبطون منهم الأحكام. ومن ذلكم قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فأهل الاستنباط هم خواص العلماء. قال: قال: إن كان ليس من أهله؛ لكونه لأدلته، فحرام. فحرام عليه التفسير، لكن له أن ينقل التفسير عن المعتمدين من أهله. ثم المفسرون برأيهم من غير دليل صحيح أقسام. يعني: بعد أن ذكر أن من لم يكن أهلًا للتفسير، فليس له أن يفسر، لكن ماذا يصنع؟ ينقل. ينقل عن المفسرين أقوالهم، فيقول: قال الصحابي الفلاني في معنى الآية كذا وكذا، وقال الإمام فلان كذا وكذا. ينقل. يكون ناقلًا مع تحري الصدق، وتحرِّي كذلك الصحة في النقل. فيقول رحمه الله: أن من يفسر القرآن برأيه، لا يخرج عن أحوال وأقسام. قال: منها من يحتج بأنه على تصحيح مذهبه. من يحتج؟ أي: بتفسير الآية بأنه على تصحيح ماذا؟ على تصحيح مذهبه، وتقوية خاطرة. أي: يستدل بالآية تقوية لرأيه، أو تقوية لمذهبه. قال: مع أنه لا يغلب على ظنه أن ذلك هو المراد بالآية، وإنما يقصد الظهور على خصمه. وهذا بفعله هذا يكون آثمًا؛ إذ أنه يعلم أن مراد الله جل وعلا -أو يغلب على ظنه أن مراد الله جل وعلا- ليس كذلك، ومع هذا يستدل بالآية من أجل المغالبة. هذا لا يجوز. قال: ومنهم من يقصد الدعاء إلى غير الحق، ويحتج بآية من غير أن تظهر له دلالة المقال. هذا كذلك أمر آخر. أن يقصد الدعاء إلى خير، أن يدعو إلى مسألة، يقول: هذا خير، وهذا كذا. ما دليلك؟ يقول: الله جل وعلا يقول كذا وكذا. ويكون الدليل في جهة، والشيء الذي استدل عليه في جهة أخرى. هذا كذلك من هذا الباب. هذه من الأخطاء. قال: ومنهم من يفسر ألفاظه العربية من غير وقوف على معانيها عند أهلها، وهي مما لا يؤخذ إلا بالسماع من أهل العربية وأهل التفسير. مثل ماذا؟ قال: كبيان معنى اللفظة وإعرابها. رجل لا يكون من أهل العربية، وليس عنده اطلاع، أو عنده اطلاع لكن ليس بذاك، فيأتي إلى الكلمة في القرآن، فيقول: معنى الآية كذا وكذا، وهذه اللفظة ها هنا تدل على كذا وكذا. ما نظر إلى سياقها، ولا إلى سباقها، ولا إلى متعلقاتها، ولا إلى شيء من ذلك. هذا كذلك مذموم. هذا الفعل مذموم. فلابد أن يعطي القوس بريها، وأن يرجع الأمر إلى أهله. قال رحمه الله تعالى: وما فيها -قال- كبيان معنى اللفظة وإعرابها، وما فيها من الحذف والاختصار والإضمار، والحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والإجمال والبيان، والتقديم والتأخير، وغير ذلك مما هو على خلاف الظاهر. أي: أن هذا لا يستطيع أن يعرفه، وأن يقف على حقيقة معنى، إلا من كان عالمًا باللغة. وقد ذكر حرملة -صاحب الشافعي- رحمه الله تعالى عن الشافعي أنه قال في مثل هذا المقام: قال: «إن أهل العربية جن الإنس». كيف هذا؟ قال: «لأنهم يرون ما لا يرون». يأتي الإنسان ما عنده اطلاع باللغة العربية، ينظر إلى الآية، فيقول: معناها كذا وكذا. لكن أهل اللغة ينظرون إليها بمنظار آخر، بمنظار عالم بدلالات اللغة، فيعلمون أن هذا المعنى كذا، وأن هذا فيه حذف، وأن هذا مقامهم كذا وكذا، وأن هذا ليس على ظاهره، أو ما شابه ذلك من حذف أو إضمار، أو عموم أو خصوص، أو غير ذلك مما يدخل في ألفاظ اللغة العربية. قال رحمه الله تعالى: ولا يكفي في ذلك معرفة العربية وحدها، بل لابد معها من معرفة ما قاله أهل التفسير فيها. هذا أمر آخر. لا يكفي لإنسان أراد أن يفسر القرآن أن ينظر في الآية، فيرجع إلى كتب اللغة: معنى كذا كذا وكذا، فيقول: إذا معنى كذا وكذا. لا. بل ينبغي أن يرجع إلى المفسرين، وإلى كتب أهل التفسير؛ لأنهم ماذا؟ لأنهم هم أهل هذا الشأن؛ لأنهم هم علماء هذا الباب. فيعرض ما وصل إليه على أقوالهم، فإن كانت موافقة لهم، أخذ بها. وإن كانت مخالفة، فإنهم يأخذ بأقوال المفسرين، ويدع ما ظهر له لمقتضى اللغة؛ لأنهم أعلم بدلالات اللغة العربية ومعاني القرآن من غيرهم. قال رحمه الله تعالى: فقد يكونون مجمعين على ترك الظاهر، أو على إرادة الخصوص، أو الإضمار، أو غير ذلك مما هو خلاف الظاهر. وكما إذا كان اللفظ مشتركًا بين معان، فعلم في موضع أن المراد أحد المعاني، ثم فسر كلما جاء. وهذا كله تفسير بالرأي، وهو حرام. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.