شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 15

الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 15، ألقاها

المخصص المنفصل وأقسامه

المخصص المنفصل هو ما يستقل بنفسه دون العام، وقد قسمه أهل الأصول إلى ثمانية أقسام. ذكر الإمام الشنقيطي أمثلة على أول قسمين منها، وهما الحس والعقل.

أقسام الأدلة المخصصة للعموم وتطبيقاتها

تناول شرحًا لأقسام الأدلة التي تخصّص العموم في النصوص الشرعية مثل العقل والإجماع والقياس والمفهوم والعرف ونص آخر. يُوضح ذلك من خلال أمثلة من القرآن والسنة النبوية.

تخصيص العموم وتعارض العمومان

يناقش تخصيص العموم في القرآن والسنة ويقدم أمثلة على تخصيص القرآن بالسنة والسنة بالقرآن، كما يتناول تعارض العمومان وحالات التعارض بين العام والخاص أو بين خاصين أو عامين.

مراتب التعامل مع المتعارضين

يجب الجمع بين المتعارضين إن أمكن، فإن لم يمكن رجح أحدهما، فإن لم يرجح فالأخير ناسخ، وإن لم يعلم الترجيح فيطلب الدليل من غيرهما. هذه المراتب تبين كيفية التعامل مع النصوص المتعارضة.

التفريغ النصي الكامل

قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: وأما المخصص المنفصل، فهو ما يستقل بنفسه دون العام من لفظ أو غيره، وهو ثمانية أقسام عند أهل الأصول. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: وأما المخصص المنفصل، هذا كذلك يسميه العلماء رحمهم الله تعالى من باب اللف والنشر المرتب. فـ«المخصص» ينقسم عند أهل الأصول إلى متصل ومنفصل، ثم ذكر المتصل، ثم بعد أن أكمل أقسام المتصل انتقل إلى المخصص المنفصل، فقال: وأما المخصص المنفصل، فهو ما يستقل بنفسه، أي: لا يكون في نفس النص الذي ورد فيه العام، بل يأتي إما بنص آخر، وإما من جهة أخرى. قال رحمه الله: الأول الحس، وقوله: ثمانية أقسام عند أهل الأصول، أي: أن أهل الأصول استقرأوا أدلة الكتاب والسنة فحصروها في ثمانية أقسام. قال رحمه الله: الحس، يعني: أول المخصصات الحس، ما معنى المخصص بالحس؟ معناه: أن يتكلم المتكلم بنص عام، ثم يعلم بالحس أن أشياء منه قد خرجت من ذلك اللفظ العام. مثل رحمه الله تعالى بمثال، وهو قوله جل وعلا في ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فيقولون: أثبت الحس أمورًا لم تدمرها تلك الريح، كالسماوات والأرض والجبال. قلت: فيه عندي نظر؛ لأن التخصيص قد يفهم من قوله تعالى: ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، وقوله: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾. نعم، قد يصلح مثاله بقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، يجبى إليه تمرات كل شيء؛ لأن من تتبع أقطار الدنيا قد يشاهد بالحس بعض الأشياء التي لم تؤتها. قال رحمه الله تعالى: الحس، يعني: أول المخصصات الحس. قال الأصوليون: أنها خصصت بالحس، والعلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى يقول في هذا المثال: عندي نظر في التخصيص. وقوله: فيه نظر، لو تذكرنا ورجعنا قليلًا إلى الوراء وتذكرنا قول العلامة الشنقيطي: بأن المثال لا يعترض عليه. تذكرنا هذه القاعدة وتقدم معنا أن قلنا: من مراد بهذه القاعدة أنه لا يعترض عليها باعتبار ما ثبت ذلك المثال أو لم يثبت، ويعترض عليها من جهة أخرى: هل يصح التمثيل بها أم لا؟ قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: المثال المذكور الذي ذكره الأصوليون لا يصح أن يمثل به هنا؛ لماذا؟ يقول: لأن تخصيص الأشياء التي ما دمرتها الريح ليس مأخوذًا من الحس، ولكن مأخوذًا من النص. قال: قوله سبحانه وتعالى: ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، أي: تدمر كل شيء بأمر ربها، أي: كل شيء مما أمرها به ربها. إذن استفيد التخصيص بالنص المتصل، أم بالحس المنفصل؟ بالنص المتصل. قال: ليصح في قول الله جل وعلا في حق بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وفي حق مكة: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ معلوم أن بلقيس ما أوتيت كل الملك، والبلد الحرام ما أتاه كل شيء، معلوم بالحس. قال رحمه الله: الثاني العقل، ويمثلون له بقوله تعالى: ﴿خَالِقُواْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، يقولون: دل العقل على أنه تعالى لا يتناوله ذلك، وإن كان لفظ الشيء يتناوله. مثل له المؤلف بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، فإن العقل دل على أن فاقد العقل بالكلية لا يدخل في هذا الخطاب. قال: ومثل له المؤلف بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، «الناس» لفظ عام، قال: فإن العقل دل على أن فاقد العقل بالكلية لا يدخل في هذا الخطاب، وهذا واضح. قال رحمه الله: الثالث الإجماع، ومثل له بعضهم بإجماع المسلمين على أن الأخت من الرضاع لا تحل بملك اليمين، فيلزم تخصيص ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بالإجماع. قال: والإجماع في الحقيقة هنا إنما يدل على مستند للتخصيص، فمستند هذا الإجماع الذي ذكرنا هو قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾. قال: كأن الشيخ رحمه الله تعالى يقول: لا يصح المثال هذا أيضًا؛ لماذا؟ لأن الإجماع إنما هو مظهر لحكم النص في قول الله جل وعلا: ﴿وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾. قال رحمه الله: الرابع القياس، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾، فإن عموم «الزانية» خصص بالنص، وهو قوله في الإماء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾، فقيس عليها العبد. قال: وهذا التخصيص في الحقيقة إنما هو بما دل عليه قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾، من أن الرق مناط تشطير الحد. قال رحمه الله: الخامس المفهوم، وهو على قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة. قال: فمثال التخصيص بمفهوم الموافقة: تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته»، والحديث بمفهوم الموافقة في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفًّا﴾. قال: فمفهومه: منع حبس الوالد في الدين، فلا يحبس في دين ولده. قال رحمه الله: مثال التخصيص بمفهوم المخالفة: تخصيص حديث: «في أربعين شاة شاة»، بمفهوم المخالفة في قوله: «في الغنم السائمة الزكاة»، فمفهوم «السائمة»: أنه لا زكاة في المعلوفة، فتخرج من عموم «في أربعين شاة شاة». قال رحمه الله: السادس العرف المقارن للخطاب، ولم يذكره المؤلف رحمه الله، ومثاله ما رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الطعام بالطعام مثلا بمثل»، وكان طعامنا يومئذ الشعير. قال: فمن يقول: بأن علة الربا غير الطعم، خصص عموم «الطعام» في هذا الحديث بالشعير للعرف المقارن للخطاب. قال رحمه الله: السابع: نص آخر يخصص العموم، وهذا النوع أربعة أقسام؛ لأن كلًا من المخصص والمخصص به: إما أن يكون كتابًا، وإما أن يكون سنة، فالمجموع أربعة. قال: الأولى: تخصيص كتاب بكتاب، كتخصيص عموم: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال: وهذا تخصيص لماذا؟ للعموم الأول؛ قد يقول قائل: طيب امرأة طلقت وهي حامل، وبعد يوم أو يومين وضعت، كم عدتها؟ قال: الجواب: لا يقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ عام؛ لكن خص بقول الله جل وعلا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال: وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، هذا حكم ثالث في المطلقات. قال: المطلقة إما أن تكون ذات قرء، فعدتها: ثلاثة قرؤ، وإما أن تكون حاملًا، فعدتها: أن تضع حملها، وإما أن تكون مبتدئة أو آيسة، فعدتها: ثلاثة أشهر. قال: وكتخصيص: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾، بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال: الثانية: تخصيص كتاب بسنة، كتخصيص: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، بحديث: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها»، والحديث. قال: وتخصيص: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، بحديث: «إنا معشر الأنبياء لا نورث». قال: الثالثة: تخصيص سنة بسنة، كتخصيص: «فيما سقت السماء العشر»، بقوله: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». قال: ويدخل في هذا النوع التخصيص بفعله صلى الله عليه وسلم، أو تقريره؛ لأن التقرير فعل ضمني. قال: من أمثلة تخصيص القرآن بالفعل: تخصيص: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾، بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بعض أزواجه أن تشد إزارها، ثم يباشرها وهي حائض. قال: وقد يستدل كذلك كمثال لهذا أيضًا: قول الله جل وعلا: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، مع حديث ابن عباس في أكل خالد بن الوليد للضب على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم، مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أعافه». قال: الرابعة: تخصيص السنة بالكتاب، مثاله: حديث: «ما أبين من حي فهو ميت»، فإن عمومه مخصص بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْوَارِهَا﴾. قال: وكتخصيص حديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله»، بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. قال: أشار في المراقي إلى تعريف المخصص بالمنفصل وأقسامه، بقوله: وسمي مستقله منفصلًا بالحس والعقل، نماه الفضل، وخصص الكتاب والحديث به، أو بالحديث مطلقًا، فلتنتبه. قال: وعلم أن التحقيق: أنه يجوز تخصيص المتواتر بأخبار الآحاد؛ لأن التخصيص بيان، وقد قدمنا أن المتواتر يبين بالآحاد: قرآنًا أو سنة. قال: والحاصل من هذا: أنه كما تقدم: أن التخصيص تبيين، وليس بنسخ؛ هل تقدم معنا في الكلام عن النسخ: التخصيص من الفروق بين التخصيص والنسخ: أن النسخ هو: رفع الحكم، إزالة الحكم، أما التخصيص: فهو تبيين حكم العام، وما يدخل فيه، وما يستثنى منه. قال: وعلم أيضًا: أن التحقيق: هو تخصيص العام بالخاص، سواء تقدم عنه أو تأخر، خلافًا لأبي حنيفة القائل: بأن المتأخر منهما ناسخ. قال: والدليل على تقديم الخاص على العام مطلقًا: أمران: الأول: أن الصحابة كانوا يقدمونه عليه، كما قاله المؤلف وغيره، ومن تتبع قضاياهم تحقق ذلك عنهم، أي: دون النظر أيهما كان قبل. قال: الثاني: أن دلالة الخاص أقوى من دلالة العام؛ فلا شك أن دلالة: «إنا معشر الأنبياء لا نورث» على عدم إرث فاطمة له صلى الله عليه وسلم أقوى من دلالة العموم: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ على إرثها له صلى الله عليه وسلم. قال: وزاد المؤلف من المخصصات المنفصلة: قول الصحابي عند من يراه حجة، وقد قدمنا: أن قول الصحابي لا يمكن أن يخص به العام إلا إذا كان له حكم الرفع. قال: المؤلف جعل فعله وتقريره صلى الله عليه وسلم مخصصين مستقلين، ونحن أدرجناهما في التخصيص بالسنة؛ لأن السنة: قول، وفعل، وتقرير. قال: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل: إذا تعارض العمومان، فإن أمكن الجمع بينهما، الجمع. قال مقيده: عفا الله عنه، حاصل كلام أهل الأصول في التعارض: أن له ثلاث حالات. قال: الأولى: تعارض عام وخاص، وهي التي قدمنا: أن العام فيها يحمل على الخاص، خلافًا لأبي حنيفة القائل: بأن المتأخر ناسخ. قال: الثانية: تعارض خاصين، فيجب الترجيح، كتعارض حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، مع حديث ميمونة وأبي رافع: بخلاف ذلك. قال: الثالثة: تعارض عامين مطلقًا أو من وجه، فإن أمكن الجمع: جمع، وإلا وجب الترجيح. قال: مثال ما أمكن فيه الجمع: أحاديث ذم من يشهد قبل أن يستشهد، مع أحاديث مدحه، فيجمع بحمل ذمه على أن يكون عالما بأن صاحب الحق عالم بأنه يعرف حقه. قال: ومثال ما يجب فيه الترجيح: حديث وجوب الوضوء من مس الذكر، وحديث عدم وجوبه، فيرجح حديث الوجوب؛ لأنه أحوط في الخروج من العهدة. قال: ومثال الترجيح في الأعمين من وجه: ترجيح عموم: «أن تجمع بين الأختين»، على عموم: «أو ما ملكت أيمانكم». قال: حاصل تحريره: أن المتعارضين يجب الجمع بينهما إن أمكن، فإن لم يمكن: رجح أحدهما، فإن لم يرجح: فالأخير ناسخ، فإن لم يعلم الأخير: طلب الدليل من غيرهما. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على