الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثالثة 14، ألقاها
يناقش هذا الفصل مسألة أصولية تتعلق بدخول المخاطب في عموم الخطاب مع تقديم أمثلة وآراء الفقهاء والأدلة من السنة النبوية. يتناول بالتفصيل كيفية التعامل مع صيغ العموم في الخطاب.
يتناول هذا الفصل مسألة خلافية حول وجوب اعتقاد عموم اللفظ العام عند سماعه، ويستعرض رأي المؤلف المؤيد لوجوب اعتقاد العموم والعمل به استنادًا إلى عمل الصحابة ومفهوم دلالة الظاهر. يُبرز أهمية العمل بالظاهر دون توقف على البحث عن المخصصات.
يُعرف هذا الفصل التخصيص ويشرح أنواع المخصص المتصل، مشيرًا إلى أن المخصص ينقسم إلى متصل ومنفصل. يُفصل في أنواع المخصص المتصل مثل الاستثناء والشرط والصفة والغاية وبدل البعض من الكل، مع تقديم أمثلة من القرآن الكريم.
يختتم هذا الفصل بالتركيز على أهمية ذكر الله والتسبيح والاستغفار والتوبة إليه، معبرًا عن الاعتراف بإلهية الله وطلب المغفرة والتوبة. يُظهر الخاتمة أو نهاية نص أو حديث.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مر معنا أمس قول الإمام العلامة الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في آخر المبحث، وقوله: ﴿فنادته الملائكة﴾ الآية، قال: مراد به النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء في نسخة دار الفوائد بدلًا عن هذه الآية -أي في قول الله جل وعلا: ﴿فنادته الملائكة﴾- قوله: «أم يحسدون الناس» كما في نثر الورود، والمناسبة من هذه الآية ظاهرة. والمناسبة من هذه الآية ظاهرة، بخلاف الآية الأولى التي فيها قول الله جل وعلا: ﴿فنادته الملائكة﴾، فإن المناسبة غير ظاهرة. قال -رحمه الله تعالى-: «قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: فصل والمخاطب يدخل تحت الخطاب بالعام، وقال قوم لا يدخل» إلى آخره. حاصل أن المخاطب باسم الفاعل إلى خاطب غيره في صيغة العموم، هل يدخل هو في عموم ذلك الخطاب أو لا؟ طيب. قوله -رحمه الله تعالى-: «والمخاطب يدخل تحت الخطاب بالعام، وقال قوم لا يدخل»، معنى هذه المسألة وصورة هذه المسألة: إذا قال السيد مثلًا لغلامه: «أطعم كل من في الدار»، هل يدخل ذلك السيد في هذا الخطاب أم لا يدخل؟ خلاف بين الأصوليين، فمنهم من قال: بأنه يدخل، ومنهم من قال: بأنه لا يدخل. واختار الإمام ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: بأنه يدخل، وكذلك العلامة الشنقيطي فيما سيأتي معنا مع ذكر دليل هذا القول. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة كما سيأتي الإشارة إليها. قال -رحمه الله-: «اختار المؤلف أنه يدخل، واحتج المخالف بأنه لو قال لعبده: من دخل فأعطيه درهمًا، فدخل هو، هل لم يدخل في عموم خطابه؟ فليس عليه أن يعطيه». واضح، هذا يعني: من قال بالمنع، قال: لو قال: «كل من دخل الدار أعطيه درهمًا»، فهل إذا دخل السيد يعطيه درهمًا؟ الجواب: ماذا؟ لا، لا يعطيه. قالوا: وفيه دلالة على أن المخاطب لا يدخل في عموم الخطاب. واضح. وأجاب الإمام ابن قدامة -رحمه الله تعالى- عن هذا، قال: «أجاب المؤلف عن هذا بأن اللفظ عام، والقارينة هي التي أخرجت المخاطب». وقد قدمنا طرفًا من هذا في الأمر. طيب. ومعنى هذا: أن الأصل هو دخوله في الخطاب، وهذا المثال خرج المخاطب من الخطاب بقرينة، فخروجه لا بأصل الخطاب، ولكن بقرينة. القرينة هي قرينة عقلية، وهي نوع من المخصصات. إذن الأصل دخول المخاطب في الخطاب، إلا أن تدل قرينة على عدم دخوله في ذلك. قال -رحمه الله-: «قلت: سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن مضمون هذه المسألة، فأجابهم بما يقتضي دخول المخاطب في لحف الخطاب، وذلك أنه لما قال لهم: «لن يدخل أحدكم عمله الجنة»، سأله: «هل هو داخل في هذا الخطاب؟» بقولهم: «ولا أنت؟» فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة من فضله». وهذا برهان واضح على دخول المخاطب في الخطاب. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لن يدخل أحد الجنة بعمله»، يخاطب الصحابة بلفظ العموم، قال: «ولا أنت؟» فدل على أن اللفظ يتناول المخاطب. يتناول المخاطب ويتناول كذلك من غير المخاطب، لذا قال: «ولا أنا»، أي: كأنه يقول: «حتى أنا داخل في هذا الحكم، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». قال -رحمه الله-: «وذكر المؤلف في هذا المبحث أن أبا الخطاب اختار أن الآمير لا يدخل في الأمر». وقد قدمنا هذا في قول صاحب المراقي: «وما يعم يشمل الرسول، وقيل: لا». ونذكر التفصيل. طيب. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة. قال -رحمه الله-: «قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: فصل: اللفظ العام يجب اعتقاد عمومه في الحال في قول أبي بكر والقاضي، وقال أبو الخطاب: لا يجب حتى يبحث فلا يجد ما يخصصه». قال: «وقد أومى إليه في رواية صالح وأبي الحارث» إلى آخره. طيب. هذه مسألة كذلك من مسائل العموم، وهي: إذا سمع السامع -إذا سمع المخاطب- نصًا عامًا، هل الأصل أنه يعتقد عموم هذا الخطاب أم أنه يتوقف حتى ينظر لعله قد خصص ببعض المخصصات؟ واضحة. فلأجل هذا وقع في المسألة خلاف، هل الأصل في لفظ العموم أنه يجب اعتقاد ذلك العموم أم أنه يتوقف حتى يتأكد بأن ذلك العموم ليس فيه ما يخصصه؟ واضحة. قال -رحمه الله-: «اللفظ العام يجب اعتقاد عمومه في الحال»، هذا هو مذهب المؤلف -رحمه الله تعالى-، وهو المختار. وسأتي بيان ذلك. قال -رحمه الله-: «حاصله أن التحقيق ومذهب الجمهور وجوب اعتقاد العموم والعمل به من غير توقف على البحث عن المخصص، لأن اللفظ موضوع للعموم، فيجب العمل بمقتضاه. إن اطلع على مخصص عمل به. وقيل: لا يجوز اعتقاد عمومه ولا العمل به حتى يبحث عن المخصص بحثًا يغلب به على الظن عدم وجوده؛ لأنه قبل البحث محتمل للتخصيص». طيب. وهذا مردود مردود بماذا؟ بعمل الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- بأنهم إذا نزل الخطاب العام عملوا بمقتضاه، ثم إن ظهر لهم ما يخصصه، عملوا بذلك، وإلا فالأصل بقاء الظاهر على ما هو عليه. قال -رحمه الله-: «قلت: وقد قدمنا أن الظاهر يجب العمل به حتى يوجد دليل صارف عنه، ولا شك أن العموم ظاهر في شمول جميع الأفراد كما لا يخفى. وهذا هو خلاصة هذا المبحث». هذا وخلاصة هذا المبحث من أن دلالة العام على جميع أفراده دلالة ظاهرة، والأصل في الظاهر أن يعمل به. قال -رحمه الله-: «قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: فصل في الأدلة التي يخص بها العموم، ولا نعلم اختلافًا في جواز تخصيص العموم» إلى آخره. اعلم أولًا أنه -رحمه الله-. طيب. قوله -رحمه الله تعالى-: «فصل»، والفصل كما مر معنا هو ما يميز به بين الشيئين. فقوله: «في الأدلة التي يخص بها العموم»، أي: ما هي الأدلة التي يخص بها العموم؟ مر معنا أن الأصل في العام بقاؤه على عمومه، هذا هو الأصل؛ لأنه الظاهر، والأصل بقاء الظاهر على ظاهره حتى يأتي ما يخرجه عن ذلك الظاهر. فذكر -رحمه الله تعالى- أن هناك أدلة يخص بها العموم، وهذا لا نزاع فيه بين العلماء. هذه المسألة لا نزاع فيها بين علماء الأصول من أن العام قابل للتخصيص. ثم التخصيص كما سيأتي معنا: منه التخصيص المتصل، ومنه التخصيص المنفصل. قال -رحمه الله-: «إعلم أولًا أنه -رحمه الله- لم يذكر تعريف التخصيص، ولا تقسيم المخصص إلى متصل ومنفصل، ونحن نوضح ذلك إن شاء الله». فالتخصيص في الاصطلاح: قصر العام على بعض أفراده بدليل يدل على ذلك. وعرفه في المراقب بقوله: «قصر الذي عم على بعض من الأفراد». طيب. قوله: «فالتخصيص في الاصطلاح قصر العام على بعض أفراده»، قصر العام على بعض أفراده. مر معنا أن الأصل في العام أنه مستغرق لجميع أفراده، لكن لو دخله التخصيص فإنه يستثنى ويخرج منه بعض أفراده، فيكون عم مصب على بعض الآخر. قال -رحمه الله-: «والمخصص ينقسم عند الأصوليين إلى متصل ومنفصل». المتصل: الاستثناء، نحو: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا إلا الذين تابوا﴾، وقوله: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفحشة مبينة﴾. طيب. الاستثناء في قول الله جل وعلا: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ في حق من؟ في حق من قذف محصنًا مؤمنًا بغير بينة ولا برهان، هذا يجلد ويسمى فاسقًا، ولا تقبل له شهادة أبدًا، إلا الذين تابوا. قال -رحمه الله-: «الثاني: الشرط، نحو: ﴿ولكلٍ جعلنا مواليَ مما ترك الوالدان والأقربون للذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾، إن كان له ولد». شرط. ومعنى: «إن لم يكن له ولد»، فليس له السدس، بل سيأتي حكم آخر. قال -رحمه الله-: «الثالث: الصفة، نحو: ﴿ومن فتياتكم المؤمنات﴾، كذلك من فتياتكم المؤمنات تخصيص بماذا؟ بالصفة، بأنهم مؤمنات». قال -رحمه الله-: «وفي الغنم السائبة الزكاة»، وفي نسخة أخرى: «وفي الغنم السائمة الزكاة». طيب. السائمة هي التي ترعى في الكلأ والأرض، لا تحتاج إلى من يقوم بتغذيتها وعلفها، أي تأكل من الأرض. سميت سائمة. فهذا كذلك تخصيص بالصفة. ومعنى أن الغنم إذا لم تكن سائمة فإنها ليس فيها زكاة، أما إذا كانت سائمة ففيها الزكاة. قال -رحمه الله-: «الرابع: الغاية، نحو: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ الآية، ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾». وهذا كذلك الغاية. نحو: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ في أمر الحيض، هذا عام: لا تقربوهن إلى غاية خصت بها الحكم، متى ذهبت تلك الغاية وانقضت فإنه يحل له أن يقربها. قال -رحمه الله-: «الخامس: بدل البعض من الكل، نحو: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾». طيب. فقوله: «من استطاع»، بدل من الناس، وهو بدل بعض من الكل. الناس عام، ولما قال: «من استطاع» خرج منه من لم يستطع. قال -رحمه الله-: «وأشار في المراقي إلى التخصيص بالاستثناء بقوله: بالمخصص المتصل عروفه الاستثناء والمضارع من فعل الاستثناء...». إلى آخره. قال -رحمه الله-: «وأما المخصص المنفصل، فهو ما يستقل بنفسه دون العام، من خبر أو غيره، وهو ثمانية أقسام عند أهل الأصول». طيب. هذا نؤخر إلى درس غدٍ إن شاء الله. إلى هنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.