شرح المذكرة - مقرر السنة الرابعة 4

الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الرابعة 4، ألقاها

طرق إثبات العلة في القياس الشرعي

يشرح المقطع طرق إثبات العلة في القياس الشرعي، حيث يتناول الإلحاق بالعلة الجامعة وأساليب إثباتها من خلال النقل والاستنباط. كما يوضح أقسام النقل مثل النص الصريح والإيماء والتنبيه والإشارة.

أقسام العلة وطرق استنباطها

يتناول هذا الفصل طرق إثبات العلة بالاستنباط، مع التركيز على مسلك المناسبة وأقسامه الثلاثة: المؤثر والملائم والغريب. كما يقدم أمثلة على كل قسم منها.

السبر والتقسيم كأسلوب لإثبات العلة

يفصل هذا الفصل في مسلك السبر والتقسيم، حيث يعتمد على حصر أوصاف محل النزاع وإبطال الأوصاف غير الصالحة للتعليل، مع توضيح شروط هذا المسلك.

الوصف الزائد وعلاقته بالتعليل

يبحث هذا الفصل في شروط اعتبار الوصف الزائد في التعليل، ويوضح أن هذا الوصف لا علاقة له بالتعليل، مع الإشارة إلى توضيح هذا البحث في كتاب «أضواء البيان في سورة مريم».

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: الضرب الثاني هو الإلحاق بالعلة الجامعة، كإلحاق الذرة بالبر بجامع الكيل. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس السابق أن الإلحاق من حيث هو ضربان: إلحاق بنفي الفارق، وإلحاق بالجامع. ومر معنا القسم أو الضرب الأول، والضرب الثاني قال: هو الإلحاق بالعلة الجامعة، كإلحاق الذرة بالبر بجامع الكيل مثلا. فهذا الإلحاق أو هذا النوع من القياس سمي القياس ماذا؟ الإلحاق بالعلة، والقياس بالعلة. قال رحمه الله: طرق إثبات العلة. اعلم أن إثبات العلة له طريقان: النقل والاستنباط. فالنقل ثلاثة أضرب، والاستنباط ثلاثة أضرب كذلك. أضرب إثبات العلة بالنقل: الضرب الأول النص الصريح على العلية، نحو ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فهذا نص صريح قرآني، ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ نص على ماذا؟ على التعليل، على العلة. كتبنا على بني إسرائيل. فضلًا. قال: وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر». وهذا كذلك تعليل نص عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فضلًا. قال رحمه الله: والمؤلف جعل اللام لام التعليل، والباء ونحو ذلك من التصريح نحو ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾، ونحو ذلك ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وغيره. جعل هذا من الظاهر لا من الصريح. أي أن ابن قدامة خالفه غيره في هذه الدلالات على العلة، أي اللام لام التعليل والباء وما شابه ذلك. هل هذا من قسم التعليل الصريح أم أنه من قسم التعليل بالظاهر؟ الإمام ابن قدامة يقول: من قسم التعليل الصريح، وغيره يقوله من قسم التعليل بماذا؟ بالظاهر. قال رحمه الله: الضرب الثاني الإيماء والتنبيه، أن يقرن الحكم بوصف على وجه لو لم يكن علة لكان الكلام معيبا عند العقلاء. وأنواع الإيماء والتنبيه عند المؤلف ستة. الأول: أن يذكر الحكم عقب وصف بالفاء، فيدل على أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم. قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض. إذن في قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، ما هي العلة التي لأجلها أمر الله جل وعلا بالاعتزال؟ الأذى. قال رحمه الله تعالى: من طرق إثبات هذا النوع أو هذا الضرب الذي هو الإيماء والتنبيه عند المؤلف رحمه الله تعالى: أن يذكر الحكم عقب وصف بالفاء. أي أن يذكر الحكم بالفاء عقب وصف. الثاني: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء يدل على التعليل، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾. فالشاهد منه: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾. رتب الحكم على ماذا؟ على ما سبق. الثالث: أن يذكر للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر حادث فيجيب بحكم، فيدل على أن ذلك الأمر المذكور له صلى الله عليه وعلى آله وسلم علة لذلك الحكم الذي أجاب به. كقول الأعرابي: «واقعت أهلي في نهار رمضان»، فقال له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اعتق رقبة». فدل على أن الوقاع هو علة العثم. الرابع: أن يذكر مع الحكم شيئا لو لم يقدر التعليل به لكان لغوا غير مفيد. وهو قسمان: الأول أن يستنطق السائل عن الواقعة بأمر ظاهر الوجود، ثم يذكر الحكم عقبه. كقوله لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: «أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم. قال: «فلا إذن». فلو لم يكن نقص الرطب باليبس علة للمنع لكان الاستكشاف عنه لغوا. قال رحمه الله: الثاني أن يعدل في الجواب إلى نظير محل السؤال، كما روي أنه لما سألته الخثعمية عن الحج عن الوالدين، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ينفعها؟» قالت: نعم. قال: «فدين الله أحق بالقضاء». ففيه تعليل بكونه دينا. الخامس: أن يذكر في سياق الكلام شيء لو لم يعلل به صار الكلام غير منتظم. كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. فإنه يفهم منه أن علة النهي عن البيع كونه مانعا من السعي إلى الجمعة. السادس: ذكر الحكم مقرونا بوصف مناسب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾، أي لبرهم وفجورهم. فيعرف من ذكر الحكم مقرونا بوصف مناسب أن ذلك الوصف ماذا؟ سبب لذلك الحكم وعلة لذلك الحكم. الضرب الثالث: ثبوت العلة بالإجماع، كالإجماع على تأثير الصغر في الولاية على المال. بمعنى أن العلماء مجمعون على أن الصغير ليس له ولاية على ماله. قال رحمه الله: أعلم أن بعض الأصوليين يقولون بتقديم الإجماع على النص، لأن النص يحتمل النسخ والإجماع لا يحتمله. وسيأتي بيان ذلك في الكلام على ترتيب الأدلة. أضرب إثبات العلة بالاستنباط الثلاثة: الضرب الأول إثبات العلة بمسلك المناسبة. والمناسبة لغة الملاءمة. أي أن تكون العلة ملائمة للحكم. قال رحمه الله: وضابط مسلك المناسبة والإخالة عند الأصوليين: أن يقترن وصف مناسب بحكم في نص من نصوص الشرع، ويكون ذلك الوصف سالما من القوادح، ويقوم دليل على استقلاله بالمناسبة دون غيره. فيعلم أنه علة ذلك الحكم. ومثاله: اقتران حكم التحريم بوصف الإسكار في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كل مسكر حرام». فالإسكار مناسب للتحريم، مقترن به في النص، سالم من القوادح، مستقل بالمناسبة. قال رحمه الله: وعلم أن الوصف من حيث هو قسمان: الأول طردي، كالطول والقصر. والثاني مناسب، كالإسكار والصغر لتحريم الخمر وولاية المال. إذا علمت ذلك، فالمناسب عند المؤلف ثلاثة أقسام: مؤثر وملائم وغريب. وعند غيره أربعة: الثلاثة الأولى السابقة، والرابع المرسل، وهو المعروف بالمصلحة المرسلة. قال رحمه الله: واعلم أولا أن المراد بالجنس في هذا المبحث القدر المشترك بين أفراد مختلفة حقائقها. والمراد بالنوع: القدر المشترك بين أفراد متفقة حقائقها. إذا علمت ذلك، فاعلم أن المؤثر عند المؤلف قسمان: الأول ما دل نص أو إجماع على تأثير عين الوصف في عين الحكم. ومثل له المؤلف بنفي الفارق المتقدم، سواء كان أولويا أو كان مساويا. الثاني: ما دل نص أو إجماع على تأثير عين الوصف في جنس الحكم. ومثل له المؤلف بالإخوة من الأب والأم، فإنه مؤثر بالنص بالتقديم في الميراث. فيقاس عليه ولاية النكاح. والملائم عند المؤلف: هو ما دل نص أو إجماع على تأثير جنس الوصف في عين الحكم فيه. ومثل له بتأثير جنس المشقة في إسقاط الصلاة عن الحائض. والغريب عند المؤلف: هو ما دل الدليل المذكور على تأثير جنس الوصف في جنس الحكم فيه. ومثل له بتأثير جنس المصالح في جنس الأحكام. قال رحمه الله: وذكر جماعة من أهل الأصول أن المؤثر: ما دل نص أو إجماع على اعتبار عينه في عين الحكم. والملائم: هو ما دل فيه الدليل المذكور على اعتبار عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنس الحكم. والمرسل: هو ما لم يقم دليل خاص على اعتبار مناسبته، ولا على إهدارها. ومثل لتأثير العين في العين بتأثير الصغر في عين الولاية على المال، وبتأثير مس الذكر في نقض الوضوء. قال رحمه الله: وعلم أن للجنس مراتب بعضها أعم من بعض في الأوصاف والأحكام. فأعم أي أجناس الحكم كونه حكما، وأخص من ذلك كونه واجبا أو محرما مثلا. وأعم أنواع الوصف كونه وصفا تناطبه الأحكام، وأخص منه كونه مناسبا، وأخص من المناسب كونه مصلحة أو درء مفسدة. إذا علمت مراتب الأحكام والأوصاف، فعلم أن ما هو أخص مقدم على ما هو أعم. أي هذا في باب الترجيح عند التعارض. قال رحمه الله: فجنس القرابة مثلا مؤثر في نوع الميراث، فيقدم الأخص. فلذا تقدم البنوة على الأخوة، والأخوة على العمومة مثلا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: النوع الثاني في إثبات العلة: السبر إلى آخره. اعلم أولا أن هذا المسلك من مسالك العلة يسمى بالسبر فقط، وبالتقسيم فقط، وبهما معا. وهو الأشهر. والسبر بالفتح لغة الاختبار. وهو مبني على أمرين: أحدهما حصر أوصاف المحل، وهو المعبر عنه بالتقسيم. ثانيهما إبطال ما ليس صالحا للتعليل بطريق من طرق الإبطال الآتية. قال رحمه الله: فإذا عرفت معنى هذا المسلك، فاعلم أن خلاصة ما ذكره فيه المؤلف: أن أبا الخطاب اشترط في هذا المسلك إجماع الأمة على أن الأصل المقيس عليه معلل، أي غير تعبدي، مع الاختلاف في تعيين العلة. فيبطل المستدل بالسبر جميع ما قالوه إلا واحدة، فيعلم صحتها. كأن يقول الحنبلي مثلا: علّة تحريم الربا إما الكيل وإما الطعم وإما الإقتيات والإدخار. فيبطل ما سوى الكيل، فيتعين الكيل. قال رحمه الله: فهذا المسلك متأسس على ثلاثة أمور: الأول أن يجمعوا على كون حكم الأصل معللا. والصواب أن هذا الشرط ليس بشرط. الثاني: كون التقسيم حاصرا لجميع ما يعلل به. وذلك إما بموافقة الخصم، أو عدم إبدائه وصفا زائدا. الثالث: إبطال ما سوى ذلك الوصف. ولهذا الإبطال طريقان: الأولى وجود الحكم بدون الوصف الذي يبطله المستدل بالسبر، فيظهر أنه غير العلة لوجود الحكم دونه. ومثاله: قول الشافعي: المعلل لتحريم الربا في البر بالطعم. إن وصف الكيل والاقتيات والادخار لغو، بدليل وجود الحكم الذي هو منع الربا في ملء الكف من البر، مع أنه لا يكال وليس فيه قوت لقلته. الثانية: أن يكون الوصف طرديا لم يعهد من الشارع الالتفات إليه في إثبات الأحكام. قال رحمه الله: ولا يكفي المستدل بالسبر في الإبطال المذكور النقض الذي هو وجود الوصف دون الحكم. قال رحمه الله: وعلم أن المؤلف ذكر أنه لا يكفي في حصر الأوصاف أن يقول المستدل: «بحثت فلم أجد إلا هذا». وأنه لا يكفي في الإبطال أن يقول: «بحثت في الوصف الفلاني فما عثرت فيه على مناسبة». لأن الخصم يعارض بمثل ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإن بين صلاحية ما يدعيه علة، أو سلم له الخصم ذلك، فإنه يكفيه ابتداء بدون السبر. فالسبر إذن تطويل طريق غير مفيد. قال مقيده عفا الله عنه: أكثر المالكية والشافعية على الاكتفاء بقوله: «بحث فلم أجد غير هذا»، أو «عدم ما سوى هذا الأصل». وعليه فالسبر ليس تطويل طريق. قال رحمه الله: والأكثر منهم يثبت به الحجة للناظر والمناظر معا. ولا يشترطون الإجماع على تعليل حكم الأصل، لأن الغالب في الأحكام التعليل، خلافا لأبي الخطاب. تنبيهان: الأول اعلم أن هذا الدليل الذي هو السبر والتقسيم منقسم عند الأصوليين إلى قطعي وظني. الثاني اعلم أن المعترض إذا أبدى وصفا زائدا على الأوصاف التي حصرها المستدل، فإن السبر يبطل لبطلان أحد ركنيه وهو الحصر. ومحل هذا ما لم يبين المستدل أن الوصف الزائد الذي أبداه المعترض طردي لا دخل له في التعليل. قال رحمه الله: وقد أوضحنا البحث في هذا الدليل وأكثرنا من أمثلته في القرآن وغيره. في كتابنا «أضواء البيان في سورة مريم».

شاركنا على