وتعاونوا على البر والتقوى

الخطبة بعنوان وتعاونوا على البر والتقوى، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٧ ربيع الآخر ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التعاون على البر والتقوى في السيرة النبوية

تناول الخطيب مفهوم التعاون على البر والتقوى مستدلاً بالقرآن وتفسير ابن كثير، مبيناً أنه المعاونة على الخيرات وترك المنكرات. استعرض نماذج عملية من سيرة الصحابة كهجرة أبي بكر وبناء المسجد وغزوة الخندق، مؤكداً تنوع التعاون بالمال والجهد والعلم و عظم أجره في الشدائد.

التعاون والإيثار في غزوة الخندق والمواقف العصيبة

أبرز الخطيب مواقف التعاون في حفر الخندق ومعجزة تفتيت الصخرة، وقصة أبي طلحة وأم سليم في إطعام الجيش ببركة دعاء النبي. ذكر أيضاً جهود عثمان بن عفان في بئر رومة وجيش العسرة، وإيثار الأنصار للمهاجرين تطبيقاً للآية الكريمة.

التعاون على العلم والدعوة ونبذ الحزبيات

عرض الخطيب نموذج المؤاخاة بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، وحذر من التعاون على الإثم والعدوان كزعزعة الأمن. أكد أن أعظم نصرة للدين اليوم تكون بالتعاون على العلم والتعليم والدعوة، داعياً للتمسك بالكتاب والسنة ونبذ العقائد الفاسدة والتعاون مع أهل السنة.

الدعاء بالنصر وخاتمة الخطبة

اختتم الخطيب بالدعاء بنصر الله للمؤمنين عند التزامهم بدينه، وسأل التوفيق للتعاون على البر والتقوى والابتعاد عن الشر. ختم الخطبة بالتكبير والشهادة لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾. يقول الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله عند تفسيره لهذه الآية: «يأمر الله عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وينهاهم عن ترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن المناصرة على الباطل، وينهاهم عن التعاون على المحارم والآثام». هكذا يقول الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله عند تفسيره لهذه الآية. فالتعاون عباد الله على البر والتقوى من صميم هذا الدين، وهو الذي به تنجح المجتمعات وينال أهلها الخيرات، فما قام هذا الدين إلا بالتعاون بين أهله ومناصريه. أيها المسلمون، عباد الله، وإن من أعظم التعاون وأكثره أجرًا ما كان نفعه متعديًا، وذلك ما كان في نصرة دين الله، وفي كذلك المدافعة والمنافحة عن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما كان نفعه يعود على مصالح الإسلام والمسلمين. ولذلك إذا نظرت في سيرة الصحابة الأجل رضوان الله عليهم لرأيتهم قد ضربوا لنا أمثلة رائعة في مدى تعاونهم على نصرة دين الله سبحانه وتعالى. فهذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كان خير عون لنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل وجميع أسرته وأهله رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ففي الهجرة، ولما اختار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يكون رفيقه، كان أبو بكر خير عون لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك، فأعد راحلتين رضي الله تعالى عنه من حر ماله، وكان ينفق الأموال الكثيرة في نصرة دين الله سبحانه وتعالى، وكان يحوط رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيمشي أمامه وخلفه ويرقب العدو أن يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويهيئ له مكان نومه ومكان جلوسه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وكذلك جميع أسرته، فلقد كانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها تعد لهما جهاز راحلتين، وهكذا عبد الله بن أبي بكر الصديق، فلقد كان يأتيهما بخبر القوم في غار ثور. نعم، فكل ذلك تعاونًا في نصرة دين الله سبحانه وتعالى. وهكذا التعاون له أوجه كثيرة، فقد يكون بالمال، وقد يكون بالجاه، وقد يكون بالكلمة، وقد يكون بالعلم، وقد يكون بالجسد والجهد، وإلى غير ذلك. فلا تظن أن التعاون مقصور على أمر واحد أو على جهة معينة، بل كل إنسان يستطيع أن يقدم لدين الله سبحانه وتعالى، فإن الشرع قد حث على ذلك ورغب فيه. فهكذا لما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة واختار موطن المسجد، وكان لبني النجار، فنادى بني النجار عليه الصلاة والسلام فقال: «يا بني النجار، ثامنوني على حائطكم هذا». فقالوا رضي الله تعالى عنهم: «والله لا نطلب منه ثمنًا إلا من الله سبحانه وتعالى». لم يكونوا طامعين في شيء من حطام هذه الدنيا، فأوقفوا هذه الأرض لله رب العالمين، فبني عليها المسجد. وكانت هذه الأرض عليها من الأشجار ومن الخرب ومن قبور المشركين، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بنبش القبور فنبشت، وأمر بتسوية الخرب فسويت، وأمر بقطع الأشجار فقطعت، فوضعت الأشجار في قبلة المسجد، ووضعت الأحجار في جانبي المسجد. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحمل معهم، وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يحملون الأحجار ويبنون مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقام ذلكم المسجد على التعاون وعلى التكاتف وعلى التآزر بينهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فانظروا يا عباد الله كيف أن كل واحد منهم تعاون بقدر ما يستطيع، ذاك بماله وذاك بعمله وجهده، وإلى غير ذلكم. وهكذا كلما كان التعاون في حال الشدة وفي حال العسر كان ذلك أعظم في الأجر والثواب. ففي غزوة الخندق، تلك الغزوة الشديدة التي وصف لنا ربنا سبحانه وتعالى خوف المؤمنين، وشدة الأمر بقوله: ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾. ففي هذه الغزوة يتجلَّى لنا مدى تعاون صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ذاك بمشورته، وذاك بجهده وعمله، وذاك بتقديم الطعام للمسلمين وتجهيزه، كل يعمل على قدر استطاعته. فسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أشار إلى النبي عليه الصلاة والسلام بحفر الخندق، فحفر الصحابة رضي الله تعالى عنهم ذلكم الخندق العظيم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام معهم، فتعترضهم حجرة كبيرة فينادون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيضربها فتنهدُّ بإذن الله سبحانه وتعالى. وفي هذه الحال، وكان البرد قارسًا وكان الجوع شديدًا، يأتي أبو طلحة إلى زوجته أم سليم فيقول: «يا أم سليم، إني سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك شيء؟». قال أنس بن مالك وهو صحابي هذا الحديث وهو ابن أم سليم تزوجها أبو طلحة وهي أم لأنس، فيقول أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «فأخرجت أقراصًا من شعير، وأخرجت حجابًا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته بين يدي، ثم لاثتني ببعضه» أي لفت بالبعض الآخر، «قال: ثم انطلقت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فوجدته في المسجد وعنده الناس، قال: فوقفت أمامهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أرسلك أبو طلحة؟ قال: قلت: نعم، قال: بطعام؟ قال: قلت: نعم، قال عليه الصلاة والسلام للناس: قوموا، فقام الناس مع النبي عليه الصلاة والسلام، فقال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: فانطلقت بين أيديهم يعني أمامهم حتى أتيت أبا طلحة، فقلت: يا أبا طلحة، إن النبي عليه الصلاة والسلام قادم ومعه الناس، فجاء أبو طلحة إلى أم سليم فقال لها: إن النبي عليه الصلاة والسلام قادم ومعه الناس، وإن الطعام الذي معنا لم يكفهم، فقالت أم سليم: الله ورسوله أعلم». قال أنس بن مالك: «فانطلق أبو طلحة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أتى النبي عليه الصلاة والسلام مع أبي طلحة، فقال عليه الصلاة والسلام لأم سليم: هلمي ما عندك، قال: فأخرجت الخبز فأمر به ففت، ثم عصرت دكة لها فأدمته، فقال فيه النبي عليه الصلاة والسلام ما شاء الله أن يقول فيه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ائذن لعشرة، فدخلوا عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فدخلوا عشرة فأكلوا حتى شبعوا، وهكذا». يقول أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «وكان القوم يومئذ سبعين أو ثمانين». أشهد من هذا الحديث عباد الله، انظروا إلى تكاثف الجميع وتعاون الجميع في نصرة دين الله عز وجل، فلم يقتصر ذلكم التعاون على الرجال والكبار فحسب، بل تعدى ذلك الأمر إلى النساء وإلى الغلمان، فالكل مطالب أن يتعاون من أجل نصرة دين الله عز وجل، كل بما يستطيع، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وهكذا عباد الله، إذا نابت المسلمين نائبة، فلقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشد الناس تعاونًا لرفع وكشف تلك النوائب وتلك الأزمات. أخرج الإمام البخاري في صحيحه أن عثمان رضي الله تعالى عنه لما حوصر في الدار من قبل الخوارج، أشرف عليهم وقال: «أنشدكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هل سمعتم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: من يحفر رومة -أي بئر رومة- فله الجنة؟ فحفرتها. ثم قال: هل سمعتم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: من يجهز جيش العسرة فله الجنة؟ فجهزتها». فأقروا بذلك وصدقوا بذلك. نعم، فهذا أمر مشهور عن عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لما احتاج الناس إلى حفر ذلكم البئر وإلى مائها العذب، قام عثمان رضي الله تعالى عنه بحفرها. وهكذا في جيش العسرة، وجيش العسرة هو في غزوة تبوك، تلك الغزوة الشديدة التي من شدتها صرح النبي عليه الصلاة والسلام بوجهتها، فلقد كان يوري إذا أراد أن يخرج غزوة إلا في هذه الغزوة، فإنه عليه الصلاة والسلام صرح بوجهته، قال العلماء: لأن السفر بعيد، والعدو كثير، وهكذا البرد قارس، حتى يستعد المسلمون لذلك الغزو، غزو الروم، فصرح النبي عليه الصلاة والسلام بوجهته، وأراد ذلكم الجيش من يجهزه ومن يعد له عدته، فجهزه عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وانظروا إلى تعاون الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، بل أرادوا أن يتعاونوا من أجل هذا الدين ولو ذهبت أنفسهم، ولو كذلك أُخذت أموالهم. ألم يُهاجر المهاجرون من مكة وقد تركوا أموالهم وديارهم كما وصفهم الله عز وجل بذلك؟ فهكذا ينبغي أن يحرص المسلم أن ينصر دين الله سبحانه وتعالى بكل ما يملك وبكل ما يستطيع. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. *** الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وهكذا من تعاون الأنصار مع إخوانهم المهاجرين، فلما آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار، أراد الأنصار أن يتعاونوا مع إخوانهم بكل ما يملكون. ولقد وصفهم ربنا عز وجل في كتابه بقوله: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾. قل لي بالله عليك أخي المسلم: أين تجد ذلك في غير صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ لما آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، أتى سعد بن الربيع إلى عبد الرحمن بن عوف وقال له: «هذا نصف مالي أُشاطرك فيه، وإن لي زوجتين فاختر أيتهما شئت، أنزل عنها فإذا حلت تزوجتها». انظروا يا عباد الله إلى هذا المثل العظيم الذي سطره لنا التاريخ، ولم يُسطر في أمة غير أمة الإسلام، ولا في عصر غير عصر صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كل ذلك نصرةً لدين الله وحبًّا لعلو كلمة الله سبحانه وتعالى. وهكذا يقول الله عز وجل في تلكم الآية التي افتتحنا بها خطبتنا: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾، أي لا تتناصروا على الباطل، ولا تتعاونوا على المآثم والمحارم، كما قال الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله. فاحذر أخي المسلم أن تكون عونًا على الباطل، احذر أخي المسلم أن تكون عونًا على زعزعة الأمن في البلاد، أو تكون عونًا على قتل الأبرياء، أو تكون عونًا على الفساد والإفساد، أو تكون عونًا على كذلك تدمير وتخريب الممتلكات التي ينتفع بها عامة المسلمين. ينبغي علينا عباد الله إن أردنا بلوغ أمانينا في هذه الدنيا أن نحافظ على ثرواتنا، وأن نتعاون في حفظها وفي استمرارها، وأن نقوم قومة رجل واحد في كل من أراد أن يخرب البلاد، وأن ينتهك الأعراض، وأن يقتل الأبرياء من المسلمين. ينبغي علينا عباد الله ألا نكون مكتوفي الأيدي، وكل واحد لا يهمه إلا نفسه، بل ينبغي علينا أن نبادر إلى التعاون في كل شيء فيه عز للإسلام والمسلمين، وفيه مصلحة للبلاد والعباد، وأن نقف وقفة رجل واحد في وجه كل من أراد خراب هذه البلاد، أو كذلك تدمير ممتلكاتها، وكذلك مؤسساتها، وما ينتفع الناس به. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، فقالوا: يا رسول الله، علمنا كيف ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تحجزه عن الظلم»، أي تمنعه عن الظلم، فذلك نصرك إياه، فذلك نصرك إياه. فينبغي علينا معاشر أهل الإسلام أن نمتثل أمر الله، وأن نقوم بما أمر الله سبحانه وتعالى به. وفي هذا الزمان، إن خير باب ينبغي أن نتعاون فيه هو باب العلم والتعليم والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ولذلك ذكر الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله عند تفسيره للآية المتقدمة: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾، ذكر بعض الأحاديث التي تدل على معنى التعاون على العلم والتعليم والدعوة إلى الله ونفع الناس، وكذلك الفقه في دين الله سبحانه وتعالى. فذكر حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم». فإذا خالطت الناس فصبرت على جاهلهم، وعلمت جاهلهم، واحتسبت الأجر لله سبحانه وتعالى، فإنك خير من ذاك الذي لم يصبر، والذي كذلك لم يدعُ إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا ذكر حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عند الإمام أحمد وحسنه العلامة الألباني أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الدال على الخير كفاعله، الدال على الخير كفاعله». فإذا دللت شخصًا على خير، على استقامة، على عبادة، فإن فعلها، فإن لك أجر فاعلها. ويدل على ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا». وهكذا غيرها من الأحاديث التي تدل على فضل التعاون على نشر العلم والتعليم والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، كل بقدر استطاعته: صاحب العلم بعلمه، صاحب الخطابة بخطابته، صاحب الوعظ بوعظه، وهكذا صاحب المال بماله، وصاحب الجاه بجاهه، وصاحب السيارة بسيارته. فكلُّكم مطالب عباد الله بنصرة دين الله سبحانه وتعالى. وإن أعظم باب من أبواب نصرة دين الله سبحانه وتعالى هو العلم والتعليم، فإن المجتمعات تعيش في جهل عظيم، فلا يعزها الله عز وجل إلا إذا رجعت إلى ما كان عليه الصحابة الكرام والقرون المفضلة من العقيدة الصحيحة، ومن الحرص على العمل بالسنة، ومن نبذ كل ما يخالف دين الله عز وجل من الحزبيات المقيدة، ومن العقائد الفاسدة كعقيدة الرفض، عقيدة الرفض من عبادة القبور والتمسح بها، ومن سب صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن كذلك الطعن في الخلفاء وفي خلافتهم، وإلى غير ذلك. فإن بعض الناس ربما لجهله يؤيد أو يناصر أو يقف مع هؤلاء كالحوثيين في هذا الزمان الذين سعوا في الأرض بالفساد والإفساد، فكيف يقف عاقل معهم أو يناصرهم أو يؤيدهم أو يفرح بأعمالهم، وهم سبّابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فتعاون مع أهل الحق، تعاون مع أهل الخير، تعاون مع أهل السنة الذين يدعون من زمن قديم إلى التمسك بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يدعون إلى القتل والقتال، ولا إلى التفجيرات، ولا إلى حرق الآثار، ولا إلى غير ذلك من المظالم والمخالفات التي نص ديننا على تحريمها. فإن نصر الله عز وجل لا يتم إلا بالاستقامة على دينه: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾. فإن خالفنا دين الله، وإن تمردنا على شرع الله، فأنى ينصرنا ربنا سبحانه وتعالى؟ أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا متعاونين متناصرين متآزرين على البر والتقوى، وأن يبعدنا عن الشر والفساد والإفساد، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.