المقامات الحسان من دروس رمضان  7

المقامات الحسان من دروس رمضان 7

الدرس في المقامات الحسان من دروس رمضان 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقام التقوى وأهمية الصيام

يتناول هذا الفصل أهمية مقام التقوى في رمضان والصيام كوسيلة لتحصيل التقوى، مشيرًا إلى أن الغاية من الصيام تتجاوز الامتناع عن الطعام والشراب إلى الكف عن الذنوب والمعاصي. يشير إلى آراء العلماء حول قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

حقيقة الصيام والكف عن الذنوب

يفصل هذا الفصل حقيقة الصيام التي لا تقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل تتعداه إلى الكف عن الذنوب والمعاصي، ويستشهد بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وبعض السلف الصالح في ذلك. يبين أهمية ترك الأقوال والأفعال السيئة أثناء الصيام.

آثار الصيام على النفس والروحانية

يشرح هذا الفصل كيف يساعد الصيام على تقوى الله والابتعاد عن الشهوات والمعاصي، ويبين أن الصيام يضيق مجاري الشيطان في النفس، مما يقلل الوسوسة ويزيد من الروحانية والتعبد. يشدد على أهمية تجاوز الصيام لكونه مجرد امتناع جسدي.

الدعاء والصلاة على النبي في ختام الدرس

يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن القول، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبرًا عن الختام الروحاني للدرس.

التفريغ النصي الكامل

الصغار وممن لا يعقل، فضلا عن من لا يحسن التعبد، فلا حاجة في وجوده، فلا حاجة لوجوده، أو تجد أن أهله يرسلونه يلزم من باب الحفاظ على ابنهم دون الحرص على الحفاظ على حال المعتكفين، فيكون الاعتكاف إخوانا في الله لأهل الرشد من البالغين ولمن كان على عقل ودراية. قال: ثم التنبيه الرابع، ومن يرغب من الصغار فالمسجد مفتوح، ولا يسمح لهم الدخول داخل المعتكف، لأن المعتكف عبارة عن شراع أو عن حجرة ستبنى كالمعتاد، فهذه محلها محل الذي يلازم الاعتكاف، أما الصغار إن أراد أن يبقى في المسجد فليبق في المسجد في ضاحيته، في فنائه أو أروقته، أما أن يدخل إلى داخل المعتكف الذي يوجد فيه الحاجيات الشخصية للناس فلا، وهذا كذلك مما ينبغي أن يراعى، وإلا ومن علم من الصغار أنه ليس أهلا للبقاء في المسجد فلا يبق. أثير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه كان في يوم الجمعة، فإذا بصبي في المسجد فسأله، قال: أتجلس حتى يصعد الإمام على المنبر؟ قال: نعم، قال: نعم، قال: فأجلس، فأبو هريرة استثبت من هذا الصبي إن كان هذا الصبي بهذا الفهم بأنه سيبقى في المسجد بحيث يحضر الخطبة ويستمع، فلا بأس، أما إن كان همه اللعب والجري هنا وهناك، فتجد الصبي له من أهل الصيام، وله من أهل القيام، وله من أهل قراءة القرآن، إذا ما بقي له في المسجد اللهم إلا الضجيج واللعب وإزعاج المصلين، هذا لا ما ينبغي، بل هذه أذية لعباد الله، هذه أذية لعباد الله. الصبي إن أحب أن يحضر ويلتزم بآداب المسجد العامة فليبق في المسجد، وليس له رخصة في الدخول إلى المعتكف. التنبيه الخامس قال: فتح المجال لمن أراد أن يعتكف في أرض الدعوة من الكبار والصغار، والخدمات متوفرة، أي كذلك هذا فتح المجال لمن أحب أن يبتعد أكثر وأكثر عن الصخب فيلتجئ إلى أرض الدعوة، فالمجال مفتوح هناك، وكما قيل وكما ذكر أن الخدمات متوفرة من حيث السحور، من حيث الإفطار، وكذلك توفر الماء والخدمات الأساسية موجودة هنالك، فمن أحب أن يذهب إلى هنالك ويعتكف في الأمور ميسرة، وكذلك الأمور هنا ميسرة، وكل ينظر إلى نفسه، وكل ينظر إلى نفسه وما يقربه إلى ربه سبحانه وتعالى. هذه هي التنبيهات التي ذكرت في هذه الورقة. مواصل إخواني في الله حول المقامات الحسان، فإن من العبادات التي يستفيدها المسلم في نهار رمضان وفي شهر الصيام مقام عظيم، ألا وهو مقام التقوى، مقام التقوى، بل ربما هذا المقام هو الأس، وهو الأصل الأصيل في الحكمة من شرعية الصيام، وهو أن العبد يتحصل على مقام التقوى. قال سبحانه وتعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أي أن الله سبحانه وتعالى ما فرض الصيام إلا للتقوى، واختلفت أقوال العلماء في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ على قولين اثنين، ذهب جماعة من العلماء أن معنى قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي تتقوا الطعام والشراب والجماع، وهذا الذي رجحه الطبري رحمه الله تعالى ونقله عن السدي. وذهب الكثير من المفسرين، وهو الراجح لدلالة الدليل على هذا المعنى، أن معنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي تتحصلون على مقام التقوى، تتحصلون على مقام التقوى، وهذا المعنى كما سيأتي دلت عليه الدلة العامة والخاصة في أن الله سبحانه وتعالى إنما شرع الصيام، وكانت الغاية من شرعية الصيام وفرضية رمضان أن المسلم يتحصل على مقام التقوى، ومن ذلك الكف عن الذنوب، الكف عن المعاصي. لا تظن يا عبد الله أن الغاية من رمضان هو أنك تغلق الفم عن الطعام والشراب، وهذا الظن للأسف الكثير من الناس من يعتقده، من يعتقد أن الهدف من الصيام، وأن الغاية العظمى من الصيام أنك تمسك عن الطعام والشراب، حتى تجد أن بعض الناس إذا خرج رمضان وهو ما أفطر يوما قط، لربما افتخر على أقرانه، وظن أنه قد بلغ الحال القصوى من الصيام، لا يا عبد الله، هذا ليس في الحال القصوى من الصيام. قال ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: «أهون الصيام ترك الطعام والشراب»، هذا الذي نفتخر به، والذي يفتخر به الكثيرون من الناس من أنهم قد أتموا الصيام من أوله إلى آخره، وأنه قد أغلق الفم عن الطعام والشراب، نحن نظنه أنه من أعلى مراتب الصيام، لكن عند سلفنا الصالح ليس هذا حاله، بل يقول الميمون: «أهون الصيام ترك الطعام والشراب»، الصيام مراتب ورتب عالية غالية، وهي تختلف، فمن أدنى مراتب الصيام أن توفق إلى ترك الطعام والشراب، هذا من أدنى مراتب الصيام، فليس هو الغاية يا عبد الله، والغاية من الصيام، فإن المسلم كما أمر بترك الطعام والشراب، عليك أن يترك الآثام والمعاصي والحرمات والمحرمات في أيام الصيام، هذا هو الغاية، كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وقد أشار ربنا سبحانه وتعالى إلى هذا المعنى في كتابه، قال العلماء: إن الله سبحانه وتعالى عندما ذكر أحكام الصيام في سورة البقرة، ثم ختمت هذه الآيات بتلك الأحكام المتعلقة بالاعتكاف إلى غير ذلك، أتبعت آيات الصيام بماذا؟ بالآيات القاضية بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، قد يقول بعض الناس: ما علاقة الربط؟ ما علاقة الربط بعدما انتهى ربنا من ذكر أحكام الصيام أردف إلى ذكر هذه المسألة؟ وجه الرأي من ذلك، قال علماء: أي أن ذلك إشارة من الله سبحانه وتعالى أنه من امتثل الصيام، فإن ذلك يظهر على سلوكه، ومن هذا السلوك أنه لا يخوض في حقوق المسلمين بغير حق، فلا يخوض في أموالهم، ولا يخوض في أعراضهم، الذي جعل ترتيب القرآن يأتي على هذا المنوال أن آيات التحريم أكل أموال الناس أردفت بعد آيات الصيام، أي أن المسلم من كان صائما حقا يظهر ذلك في سلوكه، يظهر ذلك في علاقته مع الله، وكذلك مع عباد الله سبحانه وتعالى. النبي صلوات ربي وسلامه عليه كذلك أشار إلى هذا المقام، وبين أن المسلم ليس فقط يكن في حسبانه أن يكف عن المفطرات من الطعام والشراب، بل كذلك أنت ملزم يا عبد الله بالكف عن الذنوب وعن سائر الآثام. روى الإمام البخاري في صحيحه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، قوله صلوات ربي وسلامه عليه: «من لم يدع قول الزور»، الزور من الإزورار، وهو الميل والانحراف، هذا معنى الزور، أصله من الإزورار، وهو الميل والانحراف، فمعنى «من لم يدع قول الزور»: قول الزور هو كل قول مائل عن الحق، كل قول مائل عن الحق، يدخل في ذلك السب والشتم واللعن والغيبة والنميمة إلى آخر ذلك من الأقوال السيئة الفاسدة، وهكذا والعمل بالزور، وكل عمل مائل عن الحق، يدخل في ذلك الفواحش والمنكرات، من ترك الصلاة، وهكذا من الزنا والربا، ومن قتل الأنفس، ومن إزهاق الأرواح إلى غير ذلك من الأعمال الفاسدة الكاسدة. فيقول نبينا صلواته ربي وسلامه عليه: «من لم يدع قول الزور، ومن لم يترك الأقوال الباطلة والعمل به، ومن لم يترك الأعمال الفاسدة، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، إذا كان صيامك يا عبد الله ما جعلك ترعوي عن ترك الذنوب وعن ترك المعاصي، من الأقوال السيئة والأعمال الفاسدة، فما الذي ترجوه من الله؟ ما الذي ترجوه من الله بعدما أمسكت عن الطعام والشراب، ولم تمسك عن الأعمال المحرمة وعن أقوال السيئة؟ «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، فلا ترجو من الله شيئا يا عبد الله وأنت على هذه الحال. ويؤيد هذا المعنى كذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر»، وهذا الحديث وإن كان فيه مقال من طريق أسامة بن زيد، إلا أن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى يحسنه لشواهده كما في المشكاة وفي صحيح الجامع. فهذا الحديث يؤيد هذا المعنى، «رب صائم»، رجل ربما يدخل عليه نهار رمضان فيصوم هذه الساعات الطوال، الساعات الطوال في فصل الصيف كهذه الأيام، ثم يكون حظه من الصوم ماذا؟ الأجر لا، الفضل لا، الثواب لا، ماذا؟ لا يستفيد من صومه الجوع، استفاد الجوع، استفاد المخمصة، استفاد الضمأ، لماذا؟ لأن الله لم يجازيه على صومه بشيء، لماذا؟ لأنه لم يقم بحقيقة الصوم. فحقيقة الصوم يا عبد الله ليس فقط أن تكف عن الطعام والشراب، وإنما كذلك احرص يا عبد الله على أنك تكف عن الذنوب وعن المصائب وعن المعاصي وعن الآثام والمنكرات وهكذا عن الموبقات والحرمات والمحرمات. وعلى هذا الأمر فهم السلف الصالح هذه الحقيقة، فكم جاءت الآثار عنهم مبينة وتعريف الناس بحقيقة الصيام. قال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، ما رواه ذلك ابن أبي شيبة بإسناد صحيح في مصنفه، قال جابر: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب وعن المحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار يوم صومك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء»، هذا الأثر العظيم من الآثار المأثورة عن سلفنا الصالح تحكي لنا الواقع الذي ينبغي أن يكون عليه الصائم في نهار رمضان. قال: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك»، هذه الأعضاء كذلك تبع لها صيام، لا تظن أن الصيام صيام الفم وصيام المعدة، لا، أنها تكف كذلك سائر الأعضاء عن الكف، قال: «فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن ماذا؟ عن الكذب وعن المحارم»، تصم هذه الجوارح وهذه الأعضاء عما لا يرضي الله سبحانه وتعالى من كل قول باطل، ومن كل عمل فحتى من أدب خاسر ما ينبغي عبد الله أن تتحلى بالآداب الخسيسة، أو هكذا بالأعمال السيئة وأنت في حال صومك. قال: «فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار»، وقد مر ذلك، معنى أن من الأهداف التي يهدف إليها شريعة رمضان أن المسلم يتحلى بمكارم الأخلاق، ويظهر ذلك في تعامله مع الناس، ومن هذا عدم أذية الجار، قال: «ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار يوم صومك»، ثم قال جابر رضي الله تعالى عنه: «ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء»، لا تجعل الأيام التي عشتها قبل رمضان هي هي الأيام التي تعيشها في رمضان، لا تجعل شوال مثل رمضان، ولا تجعل شعبان مثل رمضان، قال: «ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء»، اجعل هناك يا عبد الله فرقا، واجعل هناك بونا شاسعا بين يوم فطرك وبين يوم صومك، في يوم صومك يظهر ذلك على تعابير وجهك، وعلى فلتات لسانك، وذلك بإقبالك على ربك سبحانه وتعالى. وجاء عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ليس الصيام عن الطعام والشراب، وإنما الصيام عن الباطل واللغو»، وإنما الصيام عن الباطل واللغو، هذه حقيقة الصيام يا عبد الله التي غفل عنها الكثير والكثير من الناس، تجد أن من الناس من يرفع راية الصيام، وهو سباب، وهو شتام، وهو لعان، وهو قاطع لأرحامه، وهو تارك للصلاة، وهو فاعل الفواحش، سبحان الله، أين هذا؟ أين حقيقة الصيام يا عبد الله؟ هذا ليست حقيقة الصيام. ثم يقول: «أنا صائم»، بحجة أنه ما أدخل قطرة ما في جوفه، هل هذه حقيقة الصيام؟ لا يا عبد الله، شبه العلماء حال الصائم الذي يصوم في رمضان عن الطعام والشراب، ولا يمسك عن الآثام والمعاصي، أن حاله كحال الذي يترك الفرائض ويقبل على النوافل، هذا حاله، هذا حاله. تخيل رجل تدخل عليه الفريضة فيبقى في بيته ما يصلي، لكن ثم يدخل في نافلة ويصلي النافلة البعدية أو النافلة القبلية، شديد الحرص على النوافل، بينما هو في الفرائض لا يرفع لها رأسا، أهذا عاقل؟ لا والله ليس بعاقل، وهكذا العلماء شبهوا، قالوا: حال الذي يأتي المعاصي والذنوب في نهار رمضان، ويمسك عن الطعام والشراب، قال: حاله كحال هذا الرجل ممن يترك الفرائض ويقبل على النوافل، لأن الطعام والشراب الذي أنت ملزم بالكف عنه ما حكمه؟ هو مباح، الطعام والشراب أصله الإباحة، ومع ذلك أمرت بتركه، لكن عندما تأتي الذنوب والمعاصي ما حكمه؟ محرمة، وأنت ملزم بتركها آكد وآكد، فكيف تأتي إلى مباحات وتلتزم بتركها، وتأتي إلى محرمات ولا تلتزم بتركها؟ هذا هو التناقض بعينه، هذا هو التناقض بعينه. ولهذا إخواني في الله، كان من شأن أهل العرفان وأهل الإيمان أنهم كما حرصوا على الكف عن الطعام والشراب، فإنهم كذلك حرصوا على الذنوب، حرصوا على ترك ماذا؟ المعاصي، كما قال القائل: «صوم أهل الخصوص، صومهم صيام صون اللسان عن البهتان والكذب»، هذا أهل الخصوص، أهل الخصوص ليس صومهم فقط أن يصوموا عن الطعام، بل صوم أهل الخصوص، وهم أهل الخاصة الذين قد عرفوا مراد الله من أحكامه، فإنهم كذلك يكفون عن البهتان، يكفون عن الكذب، عن القطيعة، عن الدسيس، عن الخديعة، عن الغش، عن الخداع، عن المعاصي، عن الذنوب، وهكذا. فليكن حالنا إخواني في الله، فإن الله أمر من الناس كافة أنهم يربوا أنفسهم في أيام رمضان على استجلاب التقوى، يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. وأيضا فائدة ثانية استفاد العلماء من هذه الآية، كما أن رمضان شرع لكي يحقق المسلم مقام التقوى، كذلك في هذه الآية بيان على أن من أعظم الأسباب المعينة للأعمال الصالحة الصيام، من أعظم الأسباب المعينة للأعمال الصالحة ولتقوى الله والقرب من الله بشكل عام الصيام. وجه ذلك كما قال علماء: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، يجري، وهذا جريان حقيقي شعرنا به أو لم نشعر، الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا صام الإنسان ضاقت به العروق، ضاقت العروق لقلة الطعام والشراب الذي في الجوف، فإن ذلك يضيق به العروق عروق الدم، وهذا بالضرورة يرجع على ماذا؟ يرجع على الشيطان، الشيطان إذا جرى مجرى الدم، فإذا ضاقت مجاري الدم، ضغط ذلك على الشيطان، فما الذي أثر؟ أثر على حركته، شلت حركة الشيطان، فأصبح تحرك الشيطان في مجاري الدم قليل، وقليل جدا، تشل حركته، يقل الوسواس الذي يبث بين الناس. ولهذا تجد أن الصائم يجد في نهار صيامه من الحيوية ومن النشاط ومن التعبد ما لا يجده في أي زمن آخر، في فترة الصيام خاصة، لماذا؟ لأنك يا عبد الله بإقلال الطعام والشراب قلت العروق، فضغطت على الشيطان، فتعطلت حركة الشيطان، فما استطاع أن يجري ذاك الجري الذي كان عليه. ومن هنا كان الصائم يجد من الروحانية ومن التعبد لله ما لا يجده في غيره، يقبل على القرآن، يقبل على النوافل، يقبل على الخير. ولهذا كان الصيام الأسباب المعينة على تقوى الله سبحانه وتعالى. وأيضا في هذا المعنى أمر نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، من كانت عنده شهوة جامحة جانحة، وما استطاع للنكاح سبيلا أو للزواج سبيلا، فلا أقل من الصيام، قال عليه الصلاة والسلام: «فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»، أي أن الصيام يكسر الششهوة، الصيام يكسر الشهوة. وغيب في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «والصوم جنة»، جنة بضم الجيم، بمعنى الوقاية والستر، واختلف العلماء: ما معنى «الصوم جنة»؟ جنة أي وقاية من ماذا؟ ذهب جماعة من العلماء إلى أن الصوم وقاية من النار، كما جزم بذلك ابن عبد البر رحمه الله تعالى، أي أن الصيام يقيك من عذاب الله. وذهب الكثير من العلماء إلى أن الصيام جنة بمعنى وقاية من الشهوات، وقاية من الشهوات، وهذا يؤيده الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أي أن الصائم يجد في صومه الكف عن الذنوب والكف عن المعاصي. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.