الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 15، ألقاها
الأصل براءة الذمة من الواجبات وحقوق الخلق حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك. يجب على المدعي تقديم البينة لإثبات حقه.
يناقش المقطع قاعدتين فقهيتين هامتين: الأولى أن الأصل بقاء ما اشتغلت به الذمم حتى يتيقن البراءة والأداء، والثانية أن المشقة تجلب التيسير. يشرح كيفية تطبيق هاتين القاعدتين في مختلف الأحكام الفقهية.
يتناول المقطع أسباب التخفيف في العبادات مثل المرض والجهل والنسيان ونقص العقل، كما يشرح مراتب التخفيف بناءً على شدة المشقة. تنقسم مراتب التخفيف إلى ثلاث درجات.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. ما بعد، قال علام السعدي رحمه الله: والأصل براءة الذمة من الواجبات، ومن حقوق الخلق حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك. الأصل براءة الذمة من الواجبات، يعني الأصل أن الإنسان لا يكلف بشيء من الواجبات أو العبادات أو الطاعات إلا بما ثبت به الدليل، إلا بما ثبت به الدليل. والأصل أن ذمته بريئة من هذا الواجب حتى يثبت. واستدل العلماء بذلك بقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيح: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا»، قال رجل: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت النبي عليه الصلاة والسلام، فأعادها، فقال عليه الصلاة والسلام: «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم». فقول عليه الصلاة والسلام: «لو قلت نعم لوجبت»، معناه لو لم يقل ذلك لما كانت واجبة؛ لأن الأصل هو عدم الوجوب، الأصل عدم الوجوب. فهذا معنى قوله: الأصل براءة الذمة من الواجبات. فمن زعم أو ادعى أن هذه العبادة أو أن هذه الطاعة تلزم الناس أو تجب على الناس، فعليه البينة، وعليه الدليل، وإلا كان مشرعا فيما ليس منه. ولذلك تجد في الحقيقة أن من أشد الناس تشددا هم أهل البدع، أهل البدع والمحدثات؛ لأنهم يلزمون الناس بعبادات ما أنزل الله بها من سلطان، يلزمون الناس بأذكار أو بشيء من العبادات كالمولد مثلا أو غيره، ربما يقولون بأنه يجب الاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام، أو يجب كذا وكذا. ما هو الدليل؟ ما هو البرهان على ذلك من كتاب الله أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام؟ لا دليل، إذن هذا الأمر باطل. وهذا هو التشدد، التشدد أن تجعل الشيء الذي ليس بواجب واجبا، تجعل مثلا المكروه محرما، والمستحب واجبا. هذا تشدد. كيف إذا جعلت البدعة المحدثة التي ليس لها أصل في دين الله سبحانه وتعالى واجبا من واجبات الخلق؟ إذن الأصل براءة الذمم من الواجبات. ولأن الأصل في العبادات الحظر والوقف حتى يثبت الدليل. قال: ومن حقوق الخلق حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، يعني الأصل براءة الذمم من حقوق الخلق. إذا ادعى إنسان على آخر حقا من الحقوق، نقول: الأصل براءة ذمة المدعى عليه حتى يثبت المدعي ماذا؟ قوله بالبينة. ولذلك قضى النبي عليه الصلاة والسلام بأن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. إذا قال محمد لزيد مثلا: يا زيد، أنا أطالبك بعشرة آلاف، نقول لمحمد المدعي: هات البينة، هات البينة أن زيدا أخذ منك عشرة آلاف. لماذا نطالب محمدا بالبينة؟ لأنه مدعي، والأصل براءة ذمة زيد من هذه الدعوة، الأصل براءة ذمته من هذه الدعوة. فلذلك يطالب المدعي بالبينة حتى يثبت أن له حقا، وله ماذا؟ وعنده بينة تثبت صحة قوله؛ لأنه يعارضه الأصل، وهو براءة ذمة المدعى عليه. فإذا لم يأت بالبينة، قيل للمدعى عليه وهو زيد: احلف، ويبرأ من هذه الدعوة، يحلف؛ لأن الأصل براءة ذمته، فلا يثبت هذا الحق إلا بالبينة. هذا معنى قوله: ومن حقوق الخلق، يعني والأصل براءة الذمم من حقوق الخلق حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، يعني على خلاف هذا الأصل، وذلك بثبوت البينة. فحينئذ يكون الحق لهذا المدعي، وإلا فالأصل براءة ذمة المدعى عليه. قال: والأصل بقاء ما اشتغلت به الذمم من حقوق الله وحقوق عباده حتى يتيقن البراءة والأداء. الأصل بقاء ما اشتغلت به الذمم من حقوق الله، الآن شكى إنسان: هل صلى الظهر أو لم يصل صلاة الظهر؟ حق من حقوق الله التي أوجبها الله سبحانه وتعالى وألزم بها الخلق والمسلمين. هو الآن شك: هل أدى هذه العبادة وأدى هذا الحق أم لا؟ نقول: الأصل هو بقاء ما اشتغلت به الذمم، الأصل بقاء ما اشتغلت به الذمم. أنت الآن غير متيقن، فلا تبرأ ذمتك حتى تتيقن القيام والأداء لهذه العبادة. فنقول: عليك أن تصلي، عليك أن تصلي. شك: هل أخرج زكاة ماله أم لا؟ الأصل عدم إخراجها، لابد أن تتيقن إخراجها، فلا تبرأ ذمتك، وتبقى ذمتك معلقة ومطالبة بهذا الواجب. نام عن الصلاة مثلا، وجب عليه أن يصليها إلى أن يذكر، تبقى ذمته معلقة ومطالبة بهذا الواجب. وهكذا قل في سائر حقوق الله. قال: وحقوق عباده أيضا، حقوق العباد. فالأصل بقاء ما اشتغلت به الذمم من حقوق الخلق. مثلا استدان محمد من علي، أخذ منه دينا، فمرت الأيام، فجاء علي يطالب بماله، يطالب بماله من محمد، فمحمد لم يتيقن هل أعطاه دينه أم لا؟ شك، وعلي طالبه. فالأصل أن ذمة محمد معلقة بهذا الدين؛ لأنه لم يتيقن أداءه، فلا تبرأ ذمته حتى يؤدي ما عليه بيقين، ويثبت ذلك بيقين. هذا معنى قوله: والأصل بقاء ما اشتغلت به الذمم من حقوق الله وحقوق عباده حتى يتيقن البراءة والأداء. لابد أن يتيقن أنه أدى هذا الحق. فإن شك، تبقى ذمته معلقة بهذا الحق، تبقى ذمته معلقة بهذا الحق. وهذه كلها فروع عن القاعدة التي ذكرها رحمه الله من القواعد الكلية: اليقين لا يزول بالشك. قال: ومنها، أي من القواعد الفقهية والأصول التي استنبطها العلماء من الكتاب والسنة، قال: أن المشقة تجلب التيسير، وبنوا على هذا جميع رخص السفر والتخفيف في العبادات والمعاملات وغيرها. هذه القاعدة من القواعد الكلية، من القواعد الكلية الخمس التي تعد من القواعد الكبرى: المشقة تجلب التيسير. معناها: إذا أجدت المشقة التي يحصل فيها الضرر، أو كذلك يحصل فيها التعسير على الناس، فهنا يحصل لهم التخفيف والتيسير في الأحكام. فإذا أجدت المشقة، أجد معها التيسير. واستدل العلماء على هذه القاعدة بقول الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وبقوله جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وبقول النبي عليه الصلاة والسلام: «بعثت بالحنيفية السمحة»، رواه أحمد وغيره. وما كان بمعنى هذه الأدلة التي فيها بيان سماحة هذه الشريعة، وأنها جاءت للتيسير والتخفيف، وعدم المشقة على الخلق. قال: المشقة تجلب التيسير. وذكر علماء رحمهم الله أسبابا للتخفيف، منها من أسباب التخفيف: السفر. فالسفر من الأسباب التي توجب التخفيف. ولذلك خفف على المسافر في أحكام الصلاة، بقصر الصلاة، والجمع بين الصلاتين، وسقوط الجمعة، وغيرها من الأحكام. كذلك المرض من أسباب التخفيف، المرض. فالمريض له أن يتخلف عن الجمعة وعن الجماعة، وله أن يجمع بين الصلاتين، وله أن يتيمم مع وجود الماء لمشقة استعماله، إلى آخر ذلك من الأحكام. كذلك أيضا من أسباب التخفيف: الجهل. إذا كان الإنسان جاهلا بالحكم، ففعل ما يبطل العبادة جهلا، فإنها لا تبطل بسبب جهله، كمن تكلم مثلا في الصلاة جاهلا، فلا تبطل صلاته، بل تصح كما في قصة معاوية بن الحكم رضي الله عنه. كذلك أيضا النسيان من أسباب التخفيف، النسيان. ينسى العبادة أو ينسى الطاعة، فخفف عليه بأنه يؤديها متى ذكر، هذا من التخفيف والتيسير. كذلك أيضا النقص، نقص العقل. ولذلك لم يكلف الصبي والمجنون لما عندهم من نقص. كذلك المرأة لم تكلف بكثير من التكاليف التي كلف بها الرجال، للنقص الذي فيها، من حضور الجمع والجماعات، وغير ذلك من الأحكام. وذكر علماء رحمهم الله أنواعا للتخفيف، فمن أنواع التخفيف: الإسقاط، إسقاط العبادة، كسقوط الجمعة والجماعة عن المريض. كذلك أيضا من أنواع التخفيف: الإبدال، أن تبدل العبادة بعبادة أخرى، كإبدال التيمم عن الوضوء في حق من كان عادما للماء، أو كذلك في حق المريض الذي يشق عليه استعمال الماء، فإنه يعدل إلى التيمم إذا أراد الوضوء أو الغسل. ومن أنواع التخفيف كذلك: النقص، وهذا في حق المسافر، فإنه يقصر الصلاة الرباعية التي تصلى أربعا في الحضر، فإنها تنقص في السفر، فيصليها ركعتين. أيضا من أنواع التخفيف: التقديم والتأخير، تقديم العبادة، كتقديم الجمع بين الصلاتين في السفر، أو كذلك أيضا في حال المرض، أو التأخير، تأخير كذلك العبادة، كجمع التأخير بين الصلاتين. هذه كلها من أنواع التخفيف. وهل كل مشقة تجلب التيسير؟ في هذه المسألة تفصيل. من المشاق ما لا توجب تخفيفا، وهي المشقة المعتادة، المشقة المعتادة التي يستطيعها الإنسان ولا تشق عليه، كالبرد مثلا عند استعمال الماء في الوضوء والغسل الذي لا يشق، فإن مثل ذلك لا يوجب التخفيف. كذلك الصيام في شدة الحر، الصيام في شدة الحر أو مع طول النهار، فإن مثل ذلك لا يوجب التخفيف. وأما بعض أنواع المشاق، كالمشقة الشديدة التي لا يطيقها الإنسان، وتكون في الإتيان بها ضرر عليه، ضرر عليه، فمثل هذه توجب التخفيف. مشقة عظيمة توجب عليه الضرر في ماله أو في نفسه أو في عقله، إلى آخر ذلك من الضرورات، فإنها توجب التخفيف. وهناك مشقة يسيرة لا يشق على الإنسان الإتيان بالعبادة مع وجودها، كالوجع اليسير، كوجع الضرس اليسير، أو الصداع اليسير، فمثل هذه لا توجب التخفيف. وتبقى حالة هي وسط بين الحالتين، حالة وسط بين الحالتين، كالحمى مثلا أو ما كان بمعناها. فهذه قال العلماء: تلحق بأقرب الحالتين. يعني مثلا هناك حمى خفيفة يستطيع الإنسان أن يقوم ويؤدي العبادة ويأتي بالطاعة، فمثل هذا تلحق بالحالة الثانية من المشقة اليسيرة التي يطيقها الإنسان، فيجب عليه أن يأتي بالعبادة ولا يتخفف بها. وإن كانت حمى شديدة ربما يسقط على الفراش ولا يستطيع التحرك، فتلحق بالحالة التي قبلها، وهي من أنواع المشاق التي يترخص بها الإنسان. فتكون أنواع التخفيف أو المشاق على هذه ثلاث مراتب: ما كان شديدا وقويا لا يطيقه الإنسان، فله الترخص. وما كان يسيرا لا يشق عليه، فلا يترخص فيه. وما كان وسطا بين الحالتين، فيلحق بأقربهما، ويأخذ حكمهما. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.