شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 26

الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 26، ألقاها

دلالة النفي في العبادات والمعاملات

يناقش دلالة النفي في الشريعة الإسلامية على فساد العبادات والمعاملات. يشرح أن نفي الشارع لعبادة أو معاملة يدل على فسادها.

تقسيم المسائل الفقهية والإجماع

المسائل الفقهية تنقسم إلى مجمع عليها ومختلف فيها. يُشترط في الإجماع أن يكون صحيحًا وخاليًا من المخالفة.

الاجتهاد والتقليد وحكمهما

يشرح الفرق بين الاجتهاد والتقليد، حيث يُعتبر الاجتهاد بذل الجهد في نيل حكم شرعي عملي. أما التقليد المذموم فهو قبول قول الغير بدون دليل.

ختام الرسالة المباركة والدعاء

يختم الرسالة المباركة ويشير إلى أهمية العمل بمقتضاء الدليل. يتضمن صيغة الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله: وإذا نفى الشارع عبادة أو معاملة، فهو لفسادها، أو نفى بعض ما يلزم فيها، فلا تنفي لنفي بعض مستحباتها، أو فلا تنفى لنفي بعض مستحباتها. يقول: إذا نفى الشارع عبادة، يعني أتى بلفظ النفي، أو معاملة، فهو لفسادها، يعني لفساد هذه المعاملة أو العبادة. مثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، هذا الآن نفي قبول الصلاة بلا وضوء، فيدل على فساد الصلاة، يدل على فساد الصلاة إذا صلى الإنسان بلا وضوء؛ لأن الشارع هنا نفى ماذا؟ قبول هذه العبادة إذا وقعت بلا وضوء، فيدل على فسادها. وهكذا أيضا في المعاملة، قول النبي صلى الله عليه وسلم مثلا في نكاح المحرم: «لا ينكح المحرم ولا ينكح»، يعني لا يزوج ولا يزوج غيره إذا كان محرما، هذا النفي يدل على الفساد، يدل على فساد النكاح إذا وقعه في حال الإحرام. والنفي أدل على النهي من صيغة النهي، النفي يدل على النهي وزيادة. فقول النبي صلى الله عليه وسلم مثلا: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، هذا يدل على النهي عن الصلاة بلا وضوء، ويدل كذلك على بطلان الصلاة إن وقعت بلا وضوء، فهو أبلغ في نفي العبادة من مجرد النهي. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم مثلا: «لا عدوى ولا طيرة»، هذا نفي لتأثير العدوى بنفسها كما كان يعتقد أهل الجاهلية، هذا النفي يدل على نفي وجود العدوى أو تأثير العدوى بنفسها، وأنه لا تأثير لها في ذلك، نهي عن اعتقاد هذا الاعتقاد أن العدوى تؤثر بنفسها، بل هي في الحقيقة لا تأثير لها، كأنها يعني غير موجودة، فلهذا نفاها الشرع، «لا عدوى» يعني مؤثرة بنفسها. قال: أو نفى بعض ما يلزم فيها، فلا تنفى لنفي بعض مستحباتها، يعني إذا نفى الشرع بعض ما يلزم فيها، قال: فلا تنفى لنفي بعض مستحباتها، لو نفى شرطا من شروطها مثلا يدل على فسادها، مثل الحديث المذكور: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، هذا نفي لشرط من شروط الصلاة، وهو الوضوء، أنه إذا صلى بلا وضوء، والوضوء جزء من جزئيات الصلاة، وشرط من شروطها، ومع ذلك إذا انتفى انتفت العبادة. لكن لو كان النفي لبعض مستحباتها، إذا كان لبعض مستحباتها، فلا تنتفي العبادة، فلا تنتفي العبادة. قال: تنعقد العقود وتنفسخ بكل ما دل على ذلك من قول أو فعل، تنعقد العقود وتنفسخ بكل ما دل على ذلك من قول أو فعل، يعني مما تعارف عليه الناس في الاستعمال والعرف في إنشاء العقود أو في فسخها، فإنه يحصل بها إبرام العقود، ويحصل بها فسخ العقود. مثلا في البيع، تعارف الناس إذا أراد الإنسان يشتري شيئا يدفع الثمن ويعطي البائع السلعة للمشتري، هذا يأخذ السلعة، وهذا يدفع الثمن، ربما من غير قول، مجرد فعل، مجرد فعل، ويقع بذلك البيع، هذا شيء يعني صار عادة وعرفا، فيصح به عقد البيع، يصح به عقد البيع. وهكذا أيضا في الفسخ في فسخ البيع، إذا مثلا اشترى شيئا ثم رجع وقال للبائع: أنا ما أريد هذه السلعة، قال: هات، أخذها ورد لها الثمن، حصل الفسخ، حصل الفسخ، لا يشترط في صحة البيع ووقوعه لفظ معين، يقول مثلا: بعت، وهذا يقول: اشتريت، ما يشترط، لو حصل التراضي بأي فعل أو قول يؤدي هذا المعنى، صحة العقد. وكذلك أيضا صحة الفسخ، الفسخ، إلا أن العلماء في باب النكاح اشترطوا الإيجاب والقبول، قالوا: ما يصح النكاح إلا بالإيجاب والقبول، لابد من وجود الولي، ويقال للزوج: زوجتك مثلا ابنتي أو أختي، ويقول الزوج: قبلت، لابد، صيانة للأعراض وحفظا للفروج. وأما غيرها من البيوع ونحوها، فإنها تقع بما تعرف عليه من الأقوال والأفعال. قال: المسائل قسمان: مجمع عليها، فتحتاج إلى تصور وتصوير، وإلى إقامة الدليل عليها، ثم يحكم عليها بعد التصوير والاستدلال. وقسم فيها خلاف، فتحتاج مع ذلك إلى الجواب عن دليل المنازع. هذا في حق المجتهد والمستدل، وأما المقلد فوظيفته السؤال لأهل العلم. يقول: المسائل قسمان، المسائل جمع مسألة، والمسألة هي القضية التي تحتاج إلى جواب، إنسان يسأل: ما حكم مثلا أكل الثعلب؟ هذه مسألة تحتاج إلى جواب، ما حكم مثلا أكل الميتة عند الضرورة؟ مسألة تحتاج إلى جواب، وهكذا في غيرها من المسائل. والدليل هو الحجة التي يسدل بها على هذه المسألة، الحجة التي يسدل بها على هذه المسألة في بيان حكمها. فيقول: المسائل قسمان: مجمع عليها، يعني مسائل وقع فيها الإجماع وأجمع عليها العلماء. قال: فتحتاج إلى تصور وتصوير، تصور لهذه المسألة، ثم إقامة الدليل عليها، أي على هذه المسألة التي أجمع عليها العلماء. مثلا مسألة تحريم الخمر، قال إنسان: ما حكم الخمر؟ شرب الخمر؟ يقال: هذه المسألة أجمع العلماء على تحريم شرب الخمر، والدليل: قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، هنا الآن أتى بهذه المسألة التي أجمع عليها العلماء، وتصور عليها الإجماع، ثم ذكر الدليل الدال على ذلك، ثم حكم عليها بعد التصوير والاستدلال. ولابد في تصور وتصوير المسألة أن يتأكد من صحة الإجماع؛ لأن هناك إجماعات صحيحة، وهناك إجماعات غير صحيحة، تنقل في بعض المسائل الإجماع، وهذا الإجماع منخرم، يعني يوجد هناك من خالف، فهنا لا يصح أن يستدل بالإجماع، لوجود الخلاف، والإجماع الصحيح كما قال الشافعي: إذا قال أجمع، لم تجد أحدا يخالفك، فإذا كان الإجماع على هذه الصورة فيستدل به، وهو حجة. وإذا كان هناك خلاف، فهنا ينتقل إلى المرتبة الثانية. قال: وقسم فيها خلاف، فتحتاج مع ذلك إلى الجواب عن دليل المنازع، يعني إذا قلت بأحد القولين، هناك قول يخالف قولك، هنا تبين حجة هذا القول الثاني الذي ينازعك فيما ذهبت إليه، فتبين ضعف الاستدلال أو ضعف الدليل الذي استدل به المنازع. وهذا في حق المجتهد والمستدل، يعني من عنده أهلية الاجتهاد، المجتهد أو الاجتهاد كما قال العلماء: هو بذل الجهد في نيل حكم شرعي عملي، بذل الجهد يعني إنسان يجتهد ويبذل وسعه وطاقته في نيل والوصول إلى هذا الحكم الشرعي العملي. قال: وأما المقلد فوظيفته السؤال لأهل العلم، الذي ما عنده رتبة الاجتهاد، عليه السؤال، يسأل أهل العلم، وهذا في الحقيقة ليس بتقليد، وإن سمي تقليدا، وإنما هو عمل بالحجة؛ لأن الله أمر بذلك: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، الله أمر بسؤال أهل العلم لمن لا يعلم ولا يعرف الحكم، فهو بهذا يكون متبعا للحجة. وحقق ذلك الإمام القيم رحمه الله في كتابه «إعلام الموقعين». قال: والتقليد قبول قول الغير من غير دليل، التقليد قبول قول الغير من غير دليل، تقبل قول غيرك من غير دليل: افعل كذا، لا تفعل، حلال، حرام، ما هو الدليل؟ بدون دليل، هذا التقليد، هذا هو التقليد المذموم. وقوله: قبول قول الغير، هذا إذا كان قوله ليس بحجة، وأما إن كان قوله حجة، فليس بتقليد، فقول النبي عليه الصلاة والسلام حجة، بنفسه ما يقال لابد من الدليل، هو بنفسه دليل، هو بنفسه دليل. ومن الخطأ أن يقال: ما نقبل قول النبي صلى الله عليه وسلم إلا بدليل، وصل الحد ببعض المتعصبة بسبب تعصبه وهواه أن قال: ما نقبل قول أحد إلا بدليل، حتى النبي صلى الله عليه وسلم ما نقبل قوله إلا بدليل، النبي صلى الله عليه وسلم قوله بنفسه دليل، هو بنفسه دليل وحجة، كيف ما يقبل إلا بدليل؟ هذا من الجهل والعمى. لكن قول غير النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقبل إلا بدليل وحجة. قال: فالقادر على الاستدلال عليه الاجتهاد والاستدلال، الذي عنده قدرة على البحث والنظر في الأدلة والترجيح بينها، فهذا الذي عليه ينظر فيها، والذي ليس عنده قدرة على ذلك فإنه يسأل أهل العلم. قال: والعاجز عن ذلك عليه التقليد والسؤال، كما ذكر الله الأمرين في قوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فالله جل وعلا قسم الناس لقسمين: عالم وجاهل، سائل ومسؤول، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أي أهل العلم الذين عندهم علم بالذكر الذي أنزله الله، للقرآن والسنة. فهذا الذي لا يعلم ولا يستطيع أن يبحث ويتفقه، يسأل أهل العلم ويأخذ بقولهم. وقد يكون تقليدا في حق من لا يفقه الدليل، يعني إنسان ما يعرف لو قيل له الدليل، قوله الله كذا، وقوله الله كذا، ما يفهم، إنسان مثلا في غاية من الجهل، يريد فقط يعرف هل هو حلال أو ليس بحلال، حرام أو حلال، يعني يجوز أو لا يجوز، فهذا يكفيه أن يعرف الحكم ويعمل به. وأما من يفقه الدليل، فإنه يذكر له الدليل ويعمل بمقتضاء الدليل. قال: والله أعلم، وصلى الله على محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. وبهذا نكون انتهينا من هذه الرسالة المباركة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على