الدرس في الفتور 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع أسباب الفتور وطرق علاجه، حيث يشير إلى ضعف العلم الشرعي وعدم الإخلاص والانشغال بالدنيا كأسباب رئيسية. يُؤكد على أهمية التخلص من هذه الأسباب لتحقيق الاستمرار في الطاعات.
يُناقش المقطع أهمية البحث عن سبب الفتور والتخلص منه، واستشعار حاجة الأمة للفرد، ومقارنة نشاط الفرد ببذل وعطاء الكفار والفجرة. يُحفز الفرد على الاستمرار في فعل الخير من خلال هذه المقارنات.
يُنصح بمجالسة الأخيار لأنها تعين على طاعة الله وتدفع الفتور، حيث يؤثر الأصحاب في بعضهم البعض إيجابًا أو سلبًا. يُشدد على أهمية صحبة الصالحين في زيادة الخير ودفع الكسل.
يتضمن المقطع دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في مثل هذه المقامات نتذاكر وإياكم حول موضوع مهم، ما من أحد إلا وهو يحتاج إليه؛ لأنه معرض له، ألا وهو مسألة الفتور، ومر معنى ما يتعلق بهذا الباب من أحاديث ومسائل، والفقرة الأخيرة المتعلقة بهذا الدرس، إخواني في الله، ما يتعلق بالعلاج، ما هو العلاج لهذه الظاهرة؟ والأسف تجد أنه قد مر ذلك معنى أن كثيرًا ممن يصاب بمرض الفتور تجد أنه لا يبادر إلى علاجه، لا يبادر إلى علاجه. ذكر العلماء أن من آفات الفتور، وخاصة في حق من استمر على هذه الظاهرة، أنه لربما أداه ذلك إلى الانحراف، ونعم، الفتور ليس بانحراف، لكن هو بوابة للانحراف، بوابة ومؤدى، فإذا استسهل المرء مسألة الفتور، ووجد من نفسه القصور في دين الله جل وعلا، واسترسل في هذا الباب، فما يشعر إلا ولجى ودخل إلى باب الانحراف، حتى يتجرأ، بعدما تهاون في فعل النوافل والمستحبات، إذ به يتقاعس عن فعل الطاعات والواجبات، وما كان من أمره من الاستسهال في فعل المكروهات، لربما جره ذلك إلى التهاون في فعل المحرمات. وهنا قال علماء: فمن آفات الفتور والاستمرار به أنه لربما أدى إلى انحراف المرء، وهنا مصيبة، وهذه مصيبة، فإذا علم المرء هذه الظاهرة، وهذا من آفاتها، عجل في العلاج، خاص لمن علم من نفسه أن الفتور قد دب إليه، ومن أعظم علاجات الفتور، كما يقول علماء، هو التخلص من أسبابه. الفتور لربما لحقك يا عبد الله بسبب من الأسباب تلبست بسبب، كان هذا السبب من مؤداه أن أصابك بالفتور، فتش ما هو الذي أداك إلى هذه الحالة من التدني، سواء كان في العبادة أو كان في العلم أو كان في التعبد أو كان في فعل الخيرات إلى آخر ذلك، فتش يا عبد الله عن السبب الذي أدى إلى تقليل نشاطك الخيري. الأسباب كثيرة، من بعضها يرجع إلى ضعف العلم الشرعي، وخاصة ما يتعلق بفضائل الأعمال، تجد أن شخصًا ما لربما كان يتعبد إلا بعبادات، إلا أن هذه العبادات ما كان في تصوره حكم الشرع لها، ما مدى الأجر الذي يعطى صاحبها؟ ما عنده هذا الشيء، لكن يرى الناس مثلاً أقبلوا على القرآن، فأقبل على القرآن، يرى أن هذه من مواسم قراءة القرآن فقط، لا يستشعر الفضيلة، لا يستشعر الأجر الذي سيجنيه من قراءة القرآن. وهكذا نبهنا في درس الفجر من حضر ما يتعلق بذكر الله عز وجل، بعضنا ربما يشغل وقته بذكر الله على أنه ذكر الله، لكن ما يستشعر الفضل، الفضل والأجر الذي يجناه من ذكر الله عز وجل، وفي الحديث: «من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة»، انظر ما أيسر العمل، وانظر إلى عظم الجزاء والأجر، من قال سبحان الله وبحمده نخلة، سبحان الله وبحمده نخلة، سبحان الله وهكذا، وأين النخلة؟ هذه ليست من نخل الدنيا، وإنما نخلة الآخرة التي لا يتصورها عقل بشري لعظمتها وأبهتها، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. إذا كان هذا في هذا القول، فما ظنك بالتهليل؟ ما ظنك بالتكبير؟ ما ظنك بالاستغفار؟ إلى غير ذلك من باب الأذكار الكثيرة الواردة في الكتاب والسنة. الحاصل: الشخص إذا عنده نوع من علم في فضائل الأعمال، تجده يستميت على الفعل، ما يتقاعس عنه، قد مهما ألمت به الظروف، وتراكمت عليه الملابسات، لربما ما فرط في هذا العمل، يتمسك به لعلمه فضل هذا الأجر، وفضل تلك العبادة. فلذلك، إخواني في الله، لا تجد أن من يفتر في بعض مسائل الدين، إنما لحقه الفتور لقلة العلم الشرعي بهذا الباب، أي في باب فضائل الأعمال. كذلك من أسباب الفتور: إذن ما هو العلاج؟ العلاج أن يتعلم هذا الفعل الذي تركه، ما هو الأجر الذي قد جعله الشرع له؟ فإذا تفقه وتفهم فضل هذه العبادة، وفضل تلك الشعيرة، لربما رجع إلى ما كان عليه، بل أشد؛ لأنه ماذا تلبس بلباس العلم الذي سيزيح عنه الفتور. كذلكم: عدم الإخلاص من أسباب الفتور، تجد أن بعض الناس لربما يكون على حالة من العبادة والتعبّد، لكن تجد أن من شأنه لم يكن من إخلاص، ما كان ذلك الفعل لوجه الله خالصًا، وإنما مثلاً رأى الناس مثلاً قرأ القرآن لما رأى أصحابه يتنافسون على قراءة القرآن والمسابقة إلى ختمه، دخل معهم في هذا المضمار لا لشيء، وإنما للمسابقة، فهذا ما عنده إخلاص أصلاً، وهذا مثل هذا سرعان ما ينكسر، ينكسر، فما يرجع ما كان عليه؛ لأنه لم يشوب عمله بالإخلاص. ومن ثم: إذا كان ذلك، إذن يتعاهد النية، يتعاهد النية، ويجعل أعماله خالصًا لوجه الله سبحانه وتعالى. وهكذا من أسباب الفتور: الانشغال بالدنيا والانكباب عليها، كما قلنا: لربما كان على أحسن حال، ثم إذ به انشغل بالدنيا، فرأى أن هذه الدنيا أثرت عليه في دينه، أثرت عليه في دينه، إذن علم أن سبب الفتور هو الانشغال بالدنيا، إذن خذ من دنياك يا عبد الله ما يتوافق مع الدين، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، لكن لا يكون ذلك على حساب دينه، والإقلال من نشاطه الخيري. وهكذا قل: الانشغال بالأزواج، الانشغال بالأولاد، لو ربما كان عاملاً يعني العوامل المهمة في نشأة الفتور في قلب المرء، إذن يترك الانشغال به. فهذا، إخواني، الموطن الأول لعلاج ظاهرة الفتور، أنك تبحث يا عبد الله عن السبب، السبب الذي أدى إلى فتورك، وذاك ثم تتخلص منه، ثم تتخلص منه. وهذا، إخواني، إعلان على هذا، أوانه، أخ يحتاج إلى فصل دم زائد، بمعنى إيه موجب، فمن كانت عنده فلينفع أخاه، وكما قال نبينا: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل»، فمن كان عنده هذه الفصيلة إيه موجب أو إيه زائد، صاحب الفصيلة موجود، أو الذهاب أو المستشفى، فالله أعلم. فهذا، أخواني، في العلاج الأول، ما يتعلق بماذا؟ ما يتعلق بمعرفة أسباب الفتور، ثم تصفية النفس منه، حتى ترجع إلى ما كنت عليه، عبد الله، من خير وصلاح وفلاح. الأمر الثاني: السبب الثاني من أسباب العلاج، كما يقول العلماء، أن تستشعر حاجة الأمة لك، وخاصة هذا في حق من كانت نشاطه دعوي، نشاطه علمي، رجل كان يعرف بالدعوة، يعين الناس بخطب، محاضرات، دروس عامة، دروس خاصة، إلى غير ذلك، أو رجل كان يعرف عنه منفعة الناس، بذل الإطعام، ومساعدة المساكين، وإطعام الصائمين، وإعطاء المحتاجين والمعوزين، إلى غير ذلك. فمثل هؤلاء الطبقة التي لهم منفعة لغيرهم، هذا إذا قل نشاطه الخيري، فإنه سيؤثر على بقية الناس، سيؤثر على بقية الأمة، والأمة تحتاج إليه، الأمة تحتاج إليه، فليكن هذا يا عبد الله من أعظم الدواعي في دفع الفتور عنك. وكما قال القائل: «قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمج»، فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمج، الناس بحاجة إليك، بحاجة إلى علمك، بحاجة إلى دروسك، بحاجة إلى خطبك، بحاجة إلى مواعظك، بحاجة إلى إرشاداتك ونصائحك، بحاجة يا عبد الله إلى بذلك للخير، بحاجة إلى ما كنت عليه من يد ممدودة بفعل خيرات، من مساعدة الأقربين والأبعدين، والمحتاجين والمساكين والمعوزين. هذا يا عبد الله، إذا استشعرت أن الناس بحاجة إليك، هذا يكون دافع لك، دافع لك يا عبد الله أن تستمر على الخير الذي كنت فيه. وأيضا يا عبد الله، من الدوافع لتدفع عنك الفتور، أنك تستشعر أيضا ما عليه الكفرة، ما عليه الفجرة من بذل وعطاء، هذا لربما يعين في دفع الفتور، تجد الواحد لربما كان على خير في تعبد وعبادة، من صلاة وصلاح وفلاح، وقيام ودعوة، وزكاة وصيام، كان على خير، فإذا به فتر في هذه المرحلة، يا عبد الله استشعر أو انظر ما عليه الكفار من بذل وعطاء. كافر، رجل من أهل النار، نصراني، بوذي، هندوسي، يهودي، ملحد، وهو على هذا الإلحاد والكفر والشرك، إلا أنه يبذل، يبذل من نفسه، يبذل من وقته، يبذل حتى من ماله، كم أخبرنا عن بعض الكنائس، الكنائس لربما تصام بمشكلة مالية، إذ بهم إعلان فقط أن الكنيسة الفلانية تحتاج إلى كذا كذا مال لدفع رواتب الكاثوليك، أو رواتب الطلاب في هذا الدار، أو في تلك الأديرة، فما هي إلا ساعات أو أيام، والله، حتى أخبرت أن بعضها لو ربما تدفق عليه ملايين الدولارات، ملايين الدولارات على هذه الكنيسة بسبب إعلان فقط، وهم كفر، وهم نصارى، هذا في بذل المال. وأما في النشاط الدعوي، حدث ولا حرج، اذهب يا عبد الله، وسلّم من كان له نشاط في الدعوة، اسأل عن من ذهب إلى أدغال أفريقيا، تلكم الأدغال الموحشة التي يقطنها أولئك بشر همج، لهم حول التطور، بل هم أبعد عن الإنسانية، أفكارهم ضعيفة، نفوس متوحشة، وكذلك بيئة غليظة، وتجد في أوساطهم من يأتي من النصارى، لا أقول رجال، بل نساء، والله، نساء، نسوة، إمرأة كاثوليكية، أو من أرثوذكس، من نصارى، تأتي من بيئة أوروبا، من بيئة الجمال والجلال والهيبة والراحة والأنس، ثم تترك هذا، ثم تأتي إلى أدغال أفريقيا، لا لشيء إلا لدعوة النصرانية، دعوة الناس إلى النصرانية، إخراجهم من الملل إلى دين النصرانية، إلى عبادة اليسوع كما يدعون ويزعمون. هذا يدافع، عبد الله، تفطن إلى أذاال الكفر، بل حتى تفطن إلى أحوال أهل البدع، إلى أهل البدع، إلى أهل البدع، من أهل الضلال والانحراف والزيغ والهوى، كيف هم يبذلون من أموالهم، من أوقاتهم، من أعمارهم. ثم تنظر في نفسك يا عبد الله، يا صاحب دعوة الحق، يا من علمت أن الله وفقك لهذا السبيل، سبيل السنة والجماعة، ثم إذ بك أنت يا عبد الله ترتمي من زاوية إلى زاوية، وتضع رجل على رجل، وتتثاءب لكثرة ما دب فيك من الفتور، لا، يا عبد الله، اجعل هذا وازعًا، اجعل هذا رادعًا، كلما دب إليك الفتور، تذكر، تذكر ما عليه أعداء الدين. ولهذا يقول عمر رضي الله تعالى عنه: «اللهم إني أبرأ إليك من جلد الكافر وعز المؤمن»، اللهم إني أبرأ إليك، أو في رواية: «اللهم إني أشكو إليك من جلد الكافر وعز المؤمن»، تجد كافر، وهو كافر، عنده جلادة، جلادة، يعطي، يبذل، لربما يقاتل، لربما قاتل في سبيل لماذا؟ في سبيل الأصنام، في سبيل الأوثان، في سبيل عبادة النار، من المجوس، وغير من الأديان. وبالمقابل تجد الكافر على جلادة، والمقابل تجد أن المؤمن على عز، على ضعف، على وهن، لربما ما استطاع أن يقوم بأن يؤدي العبادات التي يحبها الله، فضلا أن ينفع غيره. فهذا، إخواني في الله، يعتبر من أعظم الروادع الذي تردع عن داء الفتور، أنك تستذكر ما عليه الكفر من بذل وعطاء. وكذلك، إخواني في الله، من الأمور التي تعين على دفع الفتور: مجالسة الإخوان، مجالسة الأصحاب، وأعني بهم الأخيار، الذي يعينونك على طاعة الله، والأدلة كثيرة تدل على أن هذا الباب من أعظم الأبواب الداعية إلى الجد والاجتهاد، وهي من أعظم الروادع الذي تردع عن الفتور، متى ما رأيت من نفسك الفتور، ودخلك الكسل والخمول، فاذهب يا عبد الله إلى صحبة الأخيار، صاحب الأخيار. وقد أرشد إلى ذلك نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، فقال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء، حامل المسك ونافخ الكير»، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، أو أن تجد منه ريحا طيبة. فأنت في كل أحوالك يا عبد الله، ملازمتك مع الصحبة الطيبة، أنت معهم في منفعة، أنت معهم في منفعة، حامل المسك، والذي معهم المسك، فإما أن يعطيك، وإما أنك تبتاع منه، تشتري منه، وإما إن كان ما أعطاك، وإما ما اشتريت منه، فلا أقل أن تجد منه ريحا طيبة، وهذا كفيك في انشراح الصدر، وراحة البال. وهكذا أنت يا عبد الله مع الأخيار، لن تعدم من خير، لن تعدم من خير، فهم إما أن يعطونك شيئا مما أعطاهم الله من الأخلاق والعبادات، فتأتس بهم، وإما أنك ترى منهم ما يسر البال، ما ترى منهم ما يسر البال. فمماشاة الأخيار يا عبد الله دافع مما يدفع الفتور، فالأخيار متى ما رأوك قد كسلت، نشطوك، نسيت، ذكروك، جهلت، علموك، فهم لا زالوا بك، لا زالوا بك يدفعون عنك الفتور. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، فأنت على دين صاحبك، على ما كان عليهم من منهاج، فإن كان من منهاجه النشاط والحرص والاندفاع لدين الله، فإنك سرعان ما تجد من نفسك أنك منهم، وإن مشيت يا عبد الله مع صحبة ليس هم بذاك، فتجد نفسك في الركود والانتكاسة. ولهذا قال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: «انظروا إلى هامان، انظروا إلى فرعون معه هامان، وانظروا إلى الحجاج معه يزيد بن أبي مسلم، وانظروا إلى سليمان بن عبد الملك، صاحبه رجاء بن حيوة»، قال: «فقومه وسدده»، ما الذي أراد سفيان؟ سفيان رحمه الله تعالى أعطاك نماذج من أناس، تجد أن من أثر عليهم فيما هم عليه من صلاح أو فساد، ما هم به من صحبة. فقال سفيان: «انظروا إلى فرعون، من معه هامان، وما ذرك بهم من أخبث عباد الله كافر»، فقال: «انظروا إلى فرعون معه هامان، وانظروا إلى الحجاج والظالم السفاح معه يزيد بن أبي مسلم، هو لا يقل عنه ظلما، وانظروا إلى سليمان بن عبد الملك، من كان معه وزيره، كان معه رجاء بن حيوة»، قال: «فقومه وسدده»، فهذا إشارة من سفيان رحمه الله تعالى إلى أن الصاحب يؤثر في صاحبه، يؤثر في صاحبه. فإذا أنت يا عبد الله عندك بطانة من الأخيار، من طلاب علم، من أهل عبادة وتعبد، من أهل القرآن، من أهل ذكر الله، فهؤلاء سرعان ما يؤثرون فيك. يقول موسى بن عقبة رحمه الله تعالى: «إني لألقى أخا من إخواني، فأقيم أيامًا عاقلًا»، إني لألقى أخا من إخواني من أصحابي، فأقيم أيامًا، وفي رواية سفيان: «فأقيم شهرًا عاقلًا»، بلقاء يعني جلسة مع بعض إخواني، تجعلني عاقلًا لمدة شهر كامل، لكثرة ما يكتسب من هذه الجلسة، ومن هذه المجالسة، يكتسب من الخير ما يعطيه دافعًا أن يستمر أيامًا، بل أشهرًا، وهو على خير حال. يجلس معه، يذكره بالله، يعظه بمواعظ الله، فتؤثر عليه في نفسه. ولهذا كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إذا خرج على أصحابه، قال: «أنتم جلاء حزني»، أنتم جلاء حزني. لكن من هؤلاء، إخواني في الله؟ الأخيار، من الأخيار الذين هم على دين الله، على عبادة وتقى. وهكذا سمعت هذه الكلمة، ثم تذهب على أصحابك الذين يضحكون، والذي يمازحون، والذي أشغالهم كلها في قيل وقال، ليس المقصود بالصحبة هذه الصحبة، وإنما الصحبة التي تعينك على ذكر الله. وانظر، إخواني في الله، في قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، فأراد أن يتوب وينيب، وأن يكون على خير حال، فأرشده ذلك العالم إلى هذه المسألة، إلى مصاحبة الأخيار، قال: «اذهب إلى قوم كذا وكذا، فإن به قومًا يعبدون الله»، إذن علم هذا العالم أن من أعظم الأسباب في إعانة هذا الرجل في توبته، والأخذ بيده إلى الصلاح والخير، أنك تماشي الأخيار. قال: «اذهب إلى القرية الفلانية، فإن بها قومًا يعبدون الله»، لكن انظر لتتمة الحديث، قال: «فاعبد الله معهم»، إخواني، فلا قد يوفق إلى مماشاة الأخيار، قد يوفق إلى مصاحبة الأخيار، لكن لا يعمل من عبادتهم بشيء، وإنما وين تروح يا فلان؟ والله أروح إلى أصحاب المسجد الفلاني، ما شاء الله، إيش معهم؟ والله معهم باراة، وين تروح؟ والله معهم رحلة، ليس هذا صحيح، أنت وفقت إلى مماشاة الأخيار، لكن لا تماشيهم في الملهيات، لا تماشيهم فقط تجعلهم في الرحلات، لا، هذا ليس الأصل. وإنما إذا ماشيت الأخيار، خذ من عبادتهم، ولهذا قال هذا العالم: «فإن بها قومًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم»، اعبد الله. وفقت يا عبد الله إلى أناس من طلبة العلم، فكن حاملا للعلم، وفقت يا عبد الله إلى أناس من أهل الوعظ، من أهل الدعوة، فيكون لك النصيب من الدعوة، تبلغ دين الله، عزيزي، معهم، وكن لهم عونًا في ذلك. وهكذا، قس، يا عبد الله، على سائر الأعمال، فهذه، إخواني في الله، مما يذكر من أسباب التي يعالج بها الفتور. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.