شرح كتاب الطهارة 17

الدرس في شرح كتاب الطهارة 17، ألقاها

فروض الوضوء الأساسية

فروض الوضوء تشمل غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، مع تفاصيل حول كل فرض. غسل الوجه يشمل المضمضة والاستنشاق.

تفاصيل مسح الرأس وغسل الرجلين

يجب مسح الرأس كله مع الأذنين وغسل الرجلين إلى الكعبين، مع استدلالات من الأحاديث والآيات القرآنية. يُرفض آراء المخالفين في هذه النقاط.

أهمية الترتيب والموالاة في الوضوء

الترتيب والموالاة في الوضوء فرض، حيث يُغسل كل عضو بالترتيب المذكور في الآية ودون تأخير. السنة النبوية تدل على وجوب ذلك.

حكم ترك بعض الأعضاء في الوضوء

إذا تُرك جزء أقل من قدر الدرهم في الوضوء، يكفي غسله ولا يُعيد الوضوء، أما إذا كان قدر الدرهم أو أكثر فيجب إعادة الوضوء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- المسألة الرابعة: فروضه، أي أعضاؤه. وهي ستة: أولا، غسل الوجه بكامله، لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، ومنه المضمضة والاستنشاق؛ لأن الفم والأنف يوجدان في الوجه، فيدخل حكمهما في حكم الوجه. أول فروض الوضوء غسل الوجه بكامله، بقول الله جل وعلا: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾. قوله: غسل الوجه، يدل أن المسح لا يجزئ. لو أن إنسانا مسح وجهه، هذا ما يكفي؛ لأن المأمور به الغسل، لابد من غسل الوجه. والوجه حده -كما قال أهل العلم- من منبت شعر الرأس المعتاد إلى أسفل الذقن طولا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضا، فهذا هو الوجه الذي يجب أن يغسل، ويغسل كاملا كما قال، لقوله جل وعلا: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، فيشمل جميع الوجه. وقوله: منه المضمضة والاستنشاق، قيل: لأن المضمضة والاستنشاق -والأنف والفم يوجدان في الوجه- فيدخل حكمهما في حكم الوجه. وقال بعض أهل العلم: بل لا يجب؛ لأن من توضأ وغسل وجهه من غير أن يتمضمض ويستنشق، فإننا لا نستطيع أن نقول بأن وضوءه باطل. وكما قال الإمام الشافعي -رحمه الله- وسدل بذلك على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق: أن من توضأ ولم يتمضمض ويستنشق، لا يستطاع أن يقال بأن وضوءه باطل. فكون مثلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاستنشاق، قد يقال: هذا واجب، لكن ليس بركن، فيقال: هو واجب، إن تركه صح الوضوء. وهكذا أيضا المضمضة، وكل الأمرين -مضمضة واستنشاق- فيهما خلاف بين أهل العلم في القول بوجوبهما وبفرضيتهما. فمنهم من قال بالوجوب، ومنهم من قال بالاستحباب، ومنهم من فصل، فقال: يجب الاستنشاق ويستحب الوضوء. ولعل هذا القول هو الأقرب، والله أعلم. ومع ذلك، لو تركه وتوضأ ولم يتمضمض أو يستنشق، فوضوؤه صحيح. قال: ثانيا، غسل اليدين إلى المرفقين، لقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾. هذا العضو الثاني من أعضاء الوضوء، ومن فروض الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين. اليد يراد بها من أطراف الأصابع. والأصل في اليد إذا أطلقت يراد بها الكف. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، تقطع يد السارق من نفس الكف، هذا الأصل في اليد. ولذلك قيدها الله عز وجل هنا في الوضوء بقوله: ﴿إلى المرافق﴾، فيدخل في ذلك الكف، ويدخل كذلك الذراع. فإذا غسلت يدك، لابد أن تغسلها من أطراف الأصابع إلى المرافق، وتدخل المرفق في الغسل، حتى تشرع في العضد. فقوله جل وعلا: ﴿إلى المرافق﴾، بمعنى مع المرافق، فلابد من إدخال المرفقين في الوضوء. ويدل على ذلك فعل النبي عليه الصلاة والسلام، أنه كان إذا توضأ غسل يديه حتى شرع في العضد. إذا اليد لابد أن تغسل من أطراف الأصابع إلى المرافق، وربما من الخطأ الذي يقع فيه بعض الناس: أنه إذا غسل يده في الوضوء يغسلها من مفصل الذراع إلى المرفق، ولا يغسل الكف. وإذا فعل ذلك فوضوؤه غير صحيح. ربما يكتفي بغسل الكفين في أول الوضوء، وغسل الكفين في أول الوضوء -كما سيأتي معنا- مستحب، ليس بواجب. وإنما الواجب غسل اليد كاملة، من طرف الأصابع إلى المرافق. قال: ثالثا، مسح الرأس كله مع الأذنين، لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الأذنان من الرأس»، فلا يجزئ مسح بعض الرأس دون بعضه. هذا العضو الثالث، والركن الثالث من أركان الوضوء، وهو مسح الرأس. قال: مسح الرأس كله مع الأذنين، لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، أمر الله عز وجل بمسح الرأس. والباء في قوله: ﴿برؤوسكم﴾ للإلصاق، يعني بمعنى ملصقين أيديكم برؤوسكم، فهذا يعم الرأس كله. وليست الباء هنا للتبعيض، وإنما هي للإلصاق. ويدل على ذلك فعل النبي عليه الصلاة والسلام، أنه لما توضأ مسح برأسه كله، كما في حديث عبدالله بن زيد: أنه مسح برأسه فأقبل بهما وأدبر، أقبل بهما وأدبر. فلابد من مسح الرأس كله. وأما القول بمسح بعض الرأس -كقول الحنفية والشافعية- فهو خلاف الصواب؛ هذا الذي ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه مسح رأسه كله، فلابد من مسح الرأس كله. وكذلك أيضا مع الأذنين، لقوله عليه الصلاة والسلام: «الأذنان من الرأس»، يعني حكمهما حكم الرأس. وهذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجة، وصححه بعض أهل العلم، وتكلم فيه بعض الحفاظ، وله طرق متعددة ضعيفة. لكن بمجموعها ترتقي إلى الحسن. قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: له طرق ضعيفة، إذا نظر المنصف إلى مجموع هذه الطرق علم أن للحديث أصلا. وقد صححه شيخ الألباني -رحمه الله- في السلسلة الصحيحة. إذن قول عليه الصلاة والسلام: «الأذنان من الرأس»، معناه أنهما يمسحان كما يمسح الرأس. وصفة مسح الأذنين: أن تدخل السبابتين في داخل الأذن، تمسح داخل الأذن بالسبابة، وبالإبهام تمسح خارج الأذن. يكون المسح بعد أن تمسح الرأس مباشرة، تمسح الأذن. تدخل السبابة في داخل الأذن فتمسح في الداخل، والإبهام في خارج الأذن، ويكون مسحهما بماء واحد، مسح الرأس والأذنين بماء واحد. قال: رابعا، غسل الرجلين إلى الكعبين. هذا العضو الرابع من أعضاء الوضوء، غسل الرجلين إلى الكعبين، لقوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾. كذلك أيضا يجب غسل الرجلين، فلا يجزئ مسح الرجلين، فلابد من غسلها، خلافا للرافضة. وكذلك أيضا تغسل إلى الكعبين، والكعبان هما العظمان الناتئان والفاصلان بين القدم والساق، الذان يفصلان بين القدم والساق. فقوله جل وعلا: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، بمعنى مع الكعبين، فالكعبان يدخلان في الغسل. فأنت إذا غسلت قدميك، فإنك تغسل القدم وتشرع شيئا ما في الساق. ويدخل القدم كاملا مع الكعبين. خالف في هذا الرافضة، الشيعة عندهم أن القدم ما تغسل، وإنما تمسح. عندهم أن القدم تمسح فقط. وقالوا: بأن المراد بالكعب العظم الذي فوق القدم، العظم الذي فوق القدم الذي هو محل شراك النعل. قالوا: هذا هو الكعب، فيكفي المسح. واصدروا بقراءة الجر: ﴿وأرجلكم﴾، في قول جل وعلا: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾، قالوا: فالله عز وجل عطف مسح القدم على مسح الرأس، فيكون الحكم في القدم هو المسح. وقولهم هذا باطل، وليس بصحيح. مع قولهم بأنه لا يشرع المسح على الخفين، قالوا: يشرع المسح على القدم، ولا يشرع المسح على الخفين، فخالفوا الكتاب والسنة. فورد عليهم: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغسل قدميه، ولم يؤثر عنه أنه مسحها مرة واحدة. بل أنكر عليه الصلاة والسلام على من تعجل في غسل قدمه ولم يستوعب الغسل، فقال: «ويل للأعقاب من النار»، «ويل للأعقاب من النار». وأما قراءة الجر في قوله جل وعلا: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، فهي قراءة صحيحة، لكن ما المراد بها؟ هل المراد بها مسح القدم؟ الجواب: لا. وإنما المراد بقوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، يراد بها أحد أمرين -كما قال أهل العلم-. الأمر الأول: أن يكون المراد بقراءة الجر المسح على الخفين، ويبين ذلك السنة؛ فإن السنة ثبت فيها من فعل النبي عليه الصلاة والسلام: أنه كان يمسح على خفيه، فكان إذا لبس الخفين مسح عليهما، وإذا لم يلبسهما وكان كاشفا للقدمين غسلهما، فتحمل رواية الجر على مسح الخفين. والأمر الثاني الذي تحمل عليه رواية الجر: أن قوله جل وعلا: ﴿وأرجلكم﴾، جرة للمجاورة. فلما جاورت مسح الرأس -وهو مجرور- جرة قوله جل وعلا: ﴿وأرجلكم﴾ لمجاورتها. وهذا شيء مستعمل في اللغة، أن يجر ما ليس بمجرور لأجل المجاورة. ومن ذلك قولهم: جحر ضب خرب. والأصل أن يقال: جحر ضب خرب؛ لأن هذا الوصف للجحر، والجحر مرفوع، ولكن جرة لمجاورته لقوله: ضب، فجرة للمجاورة. وهذا شيء مستعمل في العربية. فليس في الآية دليل على جواز أو مشروعية المسح على القدمين، بل هذا من الأمور المحدثة والمخالفة لدين الله، ولشرع الله، ولهدي النبي عليه الصلاة والسلام، ولما عليه المسلمون قاطبة. إذن الواجب بالقدمين هو الغسل، أن تغسل وليس أن تمسح. قال: خامسا، الترتيب؛ لأن الله تعالى ذكره مرتبا. الله عز وجل ذكر الوضوء مرتبا، وذكر الممسوح بين المغصولات. والعرب تقول: بأن ذكر الشيء المخالف لما قبله وبعده لا يكون إلا لقصد الترتيب، إلا لقصد فائدة ومقصد، ولا مقصد في ذلك إلا لأجل الترتيب. فذكر الله مسح الرأس بين غسل اليدين وغسل القدمين، يدل هذا على أن المراد بذلك هو ترتيب الأعضاء بهذا الترتيب. قال: وتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتبا، على حسب ما ذكر الله سبحانه: الوجه، فاليدين، فالرأس، فالرجلين، كما ورد ذلك في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم في حديث عبدالله بن زيد وغيره. إذن الترتيب من فروض الوضوء، يجب على من توضأ أن يتوضأ وضوءا مرتبا كما أمر الله. فإن خالف هذا الترتيب، قدم وأخر، فهو في الحقيقة لم يتوضأ كما أمر الله، لم يتوضأ كما أمر الله، فلا يكون وضوءه صحيحا. قال: سادسا، الموالاة؛ بأن يكون غسل العضو عقب الذي قبله مباشرة بدون تأخير، أن يكون غسل العضو عقب الذي قبله مباشرة بدون تأخير. والضابط في ذلك: أنه أن يغسل العضو قبل أن ينشف العضو الذي قبله في الجو المعتدل عادة. فلا عبرة بشدة الحر أو بشدة البرودة. فإذا تأخر مع وجود الجو المعتاد، فمثلا غسل وجهه ثم تأخر حتى نشف الوجه، ثم جاء يغسل يديه، هنا لا يصح الوضوء بسبب عدم الموالاة. لكن إذا غسل وجهه وتأخر شيئا يسيرا، ثم جاء يغسل قدميه، ما زال وجهه مبللا وفيه الماء، فهنا يصح الوضوء. قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ متواليا، يعني لا يؤخر كل عضو عن الآخر، بل يغسل كل عضو بعد الآخر. قال: ولحديث خالد بن معدان أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر درهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء. والحديث رواه أحمد وأبو داود، وصححه العلامة الألباني -رحمه الله-. قال: فلو لم تكن الموالاة شرطا، لأمره بغسل ما فاته، ولم يأمره بإعادة الوضوء كله. يعني لو كان الموالاة غير واجبة، لكفى أن يأمره بغسل الموضع الذي تركه فقط، يقول له: اغسل هذا الموضع الذي تركته، ويكتفى بذلك. لكن أمره عليه الصلاة والسلام أن يعيد الوضوء. قال: واللمعة: الموضع الذي لم يصبه الماء في الوضوء أو الغسل. وذكر بعض العلماء أنه إذا كان الموضع الذي ترك أقل من قدر الدرهم -يعني شيء يسير، نقطة يسيرة- فهذه يكفي أن يغسلها بالماء، ولا يلزمه أن يعيد الوضوء. ويجعل القدر الذي يغسل أو يعاد به الوضوء ما كان قدر الدرهم أو أكثر من ذلك. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على