الدرس في شرح المنظومة البيقونية 6، ألقاها
يستهل المتحدث الجلسة بالثناء على الله والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه. تُعد هذه الافتتاحية تمهيداً علمياً وروحانياً للدرس.
يعرّف الناظم الحديث المنقطع بأنه كل حديث لم يتصل إسناده، ويشمل المعلق والمنقطع والمعضل والمرسل. يوضح الفرق بينها ويبين أنها جميعاً من قسم الضعيف.
يشرح مفهوم المعضل بسقوط راويين متوالين من السند، مميزاً إياه عن المنقطع الذي يسقط فيه راوٍ أو أكثر غير متوالين. يذكر نوعي التدليس: تدليس التسوية وتدليس الشيوخ.
يبين أن التدليس محرم لكونه غشاً، ويزداد تحريماً إذا قصد إظهار الضعيف ثقة، مع مثال بقيّة بن الوليد. يشترط في رواية المدلس بـ «عن» التصريح بالسماع لقبولها.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال النظم رحمه الله: «وكل ما لم يتصل بحالي إسناده، منقطع الأوصال». وكل ما لم يتصل بحالي، يعني: كل حديث لم يتصل إسناده بأي حال من الأحوال، فهو المنقطع. وهذا التعريف يدخل فيه أنواع متعددة من أنواع الانقطاع. فقوله: «كل ما لم يتصل بحالي إسناده، منقطع الأوصال»، يدخل فيه المعلق، والمعضل، والمنقطع، والمرسل. فهذه الأنواع الأربعة كلها لم يتصل إسنادها. فالمعلق: أن يحذف المصنف شيخه أو من فوقه، فيعلق الحديث، يسمى معلقاً. والمنقطع: ما سقط من أثناء سنده راويان أو أكثر على غير التوالي. والمعضل: ما سقط من أثناء سنده راويان أو أكثر على التوالي. والمرسل: ما سقط من آخر سنده، يعني: راويان أو أكثر غير الصحابي. فقوله: «كل ما لم يتصل بحالي إسناده، منقطع الأوصال»، هذا على جهة العموم: كل ما لم يتصل إسناده فهو منقطع. لكن على التفصيل، كما ذكرنا، يفرق بين المنقطع، وبين المعضل، والمعلق، والمرسل. قد تجتمع بعض الأنواع، قد تجتمع بعض الأنواع. نعم، مثلا: قد يكون الحديث مرسلاً ومعضلاً، إذا كان المحذوف راويان على التوالي من آخر السند، فهو مرسل أو معضل. نعم، قد يكون مرسلاً أيضاً ومعلقاً: معلق من حيث أول السند، هنا يحذف المصنف شيخه، وهو في آخره مرسل، مما رواه التابعي أو من دونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وكل هذه الأنواع من قسم الضعيف. الحديث الذي انقطع إسناده ولم يتصل، فهو من قسم الضعيف. قال: «والمعضل الساقط منه اثنان، وما أتى مدلساً نوعان». والمعضل الساقط منه اثنان، يعني: الحديث المعضل ما سقط منه اثنان، لكن يقيد كما قلنا: في أثناء السند، ما سقط منه اثنان في أثناء السند، لإخراج المعلق، وإخراج المرسل. فالمعضل يسقط اثنان متواليان، والمنقطع يسقط واحد أو أكثر على غير التوالي. يعني مثلا: الحديث مروي عن ستة، طيب، قال المصنف مثلا: حدثنا محمد عن علي، علي سقط، ثم روى عن سعيد، وسعيد يروي عن سالم، سقط، طيب، فلان سقط، اثنان لكن على غير التوالي، هذا يسمى منقطعاً. وإذا سقط اثنان على التوالي فهو المعضل. والمعضل الساقط منه اثنان، وهو أيضاً من قسم الضعيف. وما أتى مدلساً نوعان، يعني: أنواع التدليس نوعان. قال: الأول: إسقاط الشيخ، وأن ينقل عن من فوقه بـ «عن» و «أن». هذا النوع الأول، وهو يسمى بتدليس التسوية: أن يسقط شيخه، وينقل عن من فوقه بـ «عن» و «أن»، يعني: بالألفاظ التي تحتمل اللقاء والسماع، فيكون فيسوي السند بالثقات. مثلا: يكون شيخه ضعيفاً، طيب، فيحذفه، ويروي عن من فوقه، عن شيخ شيخه، بعنوان: «أن فلاناً قال»، أو «عن فلان»، فيجعل ظاهر السند أنه كله ثقات. هذا يسمى تدليس التسوية، يسوي السند بالثقات، فهو إسقاط ضعيف بين ثقتين، سُمّي أحدهما من الآخر. وكثيراً ما يفعل ذلك الوليد بن مسلم، كان كثيراً ما يدلس تدليس التسوية. قال: والثاني: لا يسقطه، لكن يصف أوصافه بما به لا يُعرف. وهذا تدليس الشيوخ: ما يسقطه، لكن يصفه بأوصاف لا يعرف بها. يعني: مثلا، إذا كان شيخه مشهوراً باسمه، فيأتي فيكنيه بكنية ما يعرفه أحد بها، أو العكس: إذا كان مشهوراً بالكنية، يأتي يسميه باسمه، أو غير مشهور باسمه، أو يصفه بوصف ما يعرفه به أحد، فيعمي عليه الوقوف عليه بهذه الأوصاف. وهذا كثير ما كان يفعله بقيّة بن الوليد، كان يدلس تدليس الشيوخ. وهذا النوع الثاني من أنواع التدليس. وحكم التدليس: أنهم يعني محرم، لا يجوز، هذا الأصل في حكمه، لأنه غش، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من غشنا فليس منا». وإذا كان مقصوده هو التعمية على الوقوف على الضعيف، كون شيخي مثلا ضعيفاً فيسقطه، أو يصفه بشيء لا يعرف حتى لا يرد حديثه، أو نحو ذلك، فهذا لا شك أنه محرم، فيه إظهار الحديث الضعيف بصورة الحديث الصحيح، حتى يغتر به ويعمل به. بمثل هذا الفعل لا يجوز. وإن كان لبعض السلف قد دلسوا، نعم، لكن ليس على هذا المقصد، من مقصد... ماذا؟ تصحيح الحديث الضعيف، أو توثيق، أو إظهار من كان ضعيفاً على أنه ثقة. لكن لمقاصد أخرى. وإن كانت الأولى هو ترك ذلك، وعدم التدليس في الأحاديث والأسانيد. ولهذا، المدلس إذا عرف عنه أنه يدلس، فإنه يتوقف في حديثه حتى يصرح بالتحديث، حتى يصرح بالتحديث. وعنعنته غير مقبولة، إذا روى بصيغة «عنه» لم تقبل، إلا إذا صرح بالسماع، بسبب التدليس، لأنه يحتمل أن يكون ما سمعه منه، إنما سمعه من غيره، فيأتي فيدلس، فيروي عنه، ويظن أنه سمعه منه، فيقال: لا، ما نقبل حديثه حتى يصرح بالسماع. طيب، طيب الله هنا، صلى الله عليه وسلم، نبينا محمد، وصحبه أجمعين.