شرح كتاب الطهارة 35

الدرس في شرح كتاب الطهارة 35، ألقاها

أحكام الاستحاضة وفرقها عن الحيض

يشرح المقطع أحكام الاستحاضة وفرقها عن الحيض، حيث يبين أن دم الاستحاضة لا يمنع الصلاة والصيام والوطء، على عكس دم الحيض. يستند إلى حديث فاطمة بنت أبي حبيش في توضيح ذلك.

حكم الوضوء للصلاة للمستحاضة وتحديد عادة الحيض

المستحاضة لا يلزمها الوضوء لكل صلاة، ويمكنها أن تتوضأ وضوءًا واحدًا وتصلي به أكثر من فرض. ولها ثلاث حالات لتحديد عادة الحيض منها أن تكون لها عادة معروفة.

تحديد الحيض للمستحاضة بدون عادة معروفة

إذا لم تكن للمرأة عادة معروفة في الحيض، تُرد إلى التمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة. فإن لم تستطع التمييز، تُرد إلى عادة غالب النساء أو أقربائها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف -وفقه الله-: ودم الاستحاضة يخالف دم الحيض في أحكامه وفي صفته، وهو عرق ينفجر في الرحم، سواء كان في أوقات الحيض أو غيرها. عرفنا بعض الصفات التي يفرق بها بين دم الحيض ودم الاستحاضة. قال: وهو لا يمنع الصلاة ولا الصيام ولا الوطء؛ لأنها في حكم الطاهرات. وهذا من الفروق في الأحكام؛ فدم الاستحاضة يخالف دم الحيض بأن دم الحيض يمنع الصلاة والصيام، فالحائض لا تصلي ولا تصوم، لكن المستحاضة تصلي وتصوم؛ كما سيأتي معها تتحفظ وتصلي، وكذلك أيضًا تصوم؛ لأنها في حكم الطاهرة. قال: ولا الوطء؛ الحائض يحرم وطؤها كما مر معنا، يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴿البقرة: ٢٢٢﴾. أما المستحاضة وإن كان هناك خلاف في جواز وطؤها، لكن الصحيح أنه يجوز؛ لأنها طاهر في حكم الطاهر. وكما قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: «الصلاة أعظم» يعني إذا كانت قد جاز لها أن تصلي وهي على هذا الحال، فالوطء من باب أولى؛ فالوطء من باب أولى لأن الصلاة أعظم، بخلاف الحائض كما علمنا فلا يجوز وطؤها. قال: ودليل حديث فاطمة بنت أبي حبيش، قالت: «يا رسول الله إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟» يعني هل أترك الصلاة ولا أصلي؟ قال: «لا، إن ذلك عرق وليس بالحيضة» يعني هذا الدم الذي يستمر بك ليس بحيض، وإنما هو عرق الذي هو عرق العاذل. قال: «وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدع الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي»؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أمرها بالصلاة مع وجود الدم واستمرار الدم، دل أنها تخالف الحائض في هذا الحكم. قال: يجب عليها أن تغتسل عند نهاية حيضتها المعتبرة؛ تغتسل عند نهاية حيضتها المعتبرة، يعني مثلًا استمر بها الدم وهي من عادتها أن يأتيها الحيض في أول الشهر سبعة أيام، فاستمر بها الدم وعرفت أن هذا الدم ليس بدم حيض -إما بصبته مثلًا- كون اختلف في الأيام الأولى كان على صفة دم الحيض أسود له رائحة كريهة ونحو ذلك، ثم تغير، فهنا تغتسل وتكون الأيام الأولى التي مضت هي أيام حيضها، وما بعد ذلك هي أيام استحاضة. وهل يلزمها أن تغتسل لكل صلاة أو أن تغتسل للصلاتين؟ ورد في ذلك بعض الأحاديث وبعض العلماء يصححها وبعضهم يضعفها؛ بعض العلماء يضعف هذه الأحاديث فيها أمر المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة. والجمهور من العلماء على أنه لا يلزمها أن تغتسل لكل صلاة، وإنما يلزمها أن تغتسل عند انتهاء حيضها؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش، فهو أصح؛ فهو في الصحيحين، وتلك الأحاديث في السنن وفيها خلاف تصحيحها؛ فالذي يلزمها أن تغتسل عند انقضاء حيضها، ولا يلزمها أن تغتسل لكل صلاة أو أن تجمع بين الصلاتين بغسل بين الظهر والعصر بغسل، وبين المغرب والعشاء بغسل؛ فالصواب أنه لا يلزمها ذلك. قال: وعند الاستحاضة تغسل فرجها وتجعل في المخرج قطنًا ونحوه يمنع الخارج وتشد عليه ما يمسكه عن السقوط -يعني من خرقة ونحو ذلك- ويغني عن ذلك الحفائظ الصحية في هذا الوقت؛ يا حفاظ النسائية التي تستعملها النساء، فإن أدت هذا الغرض تستعملها حتى لا يسقط الدم وينتشر في جسدها. قال: ثم تتوضأ عند دخول وقت كل صلاة؛ تتوضأ عند دخول وقت كل صلاة، يعني معنى ذلك أنها إذا صلت الظهر بوضوء ثم أرادت أن تصلي العصر فلابد أن تتوضأ ولو كانت على طهارة؛ ولو كانت على طهارة. وهذه مسألة خلافية أيضًا بين أهل العلم؛ هل يلزم المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة أو أنه يكفيها أن تتوضأ وضوءًا واحدًا ولا يضرها استمرار الدم أو نزول الدم ولا يعد ذلك حدثًا ينقض وضوءها؟ فلها أن تصلي به أكثر من فرض؛ الصحيح أنه لا يلزمها أن تتوضأ لكل صلاة؛ لا يلزمها أن تتوضأ لكل صلاة. ورد في بعض الأحاديث إلزامها بذلك أن تتوضأ لكل صلاة، لكن هذه الزيادة ليست من قول النبي -عليه الصلاة والسلام- وإنما من قول عروة؛ قال البيهقي -رحمه الله-: «توضأ لكل صلاة» من قول عروة، ليس من قول النبي -عليه الصلاة والسلام-. قال: وفي حديث فاطمة بنت أبي حبيش توضأ؛ أمرها بالوضوء ولم يلزمها بالوضوء لكل صلاة. قال مسلم: زاد حماد حرفًا تركنا ذكره -يعني متعمدًا- ذكر ترك ماذا؟ الأمر بالوضوء لكل صلاة؛ لم يذكره مسلم -رحمه الله- بصحيحه. وقد ضعف هذه الزيادة البيهقي و«الام» عبد البر؛ لهذا فالصحيح أنه لا يلزمها أن تتوضأ لكل صلاة، لكن إن فعلت هذا -إن فعلت هذا احتياطًا- فلا بأس؛ من باب أيضًا استحباب الوضوء وتجديد الوضوء لكل صلاة؛ فأمر حسن. وأما على سبيل الإلزام فلا؛ لا يلزمها ذلك. قال: والمستحاضة لها ثلاث حالات؛ الحالة الأولى أن تكون لها عادة معروفة بأن تكون مدة الحيض معلومة لديها قبل الاستحاضة؛ يعني امرأة عادتها أن يأتيها الحيض في وسط الشهر سبعة أيام، هذه لها عادة مستمرة في كل شهر، فما درت إلا والدم من أول الشهر فاستمر بها وأتت أيام الحيض وبعد الحيض والدم مستمر؛ فهذه التي لها عادة معروفة تجلس قدر عادتها. قال: فهذه تجلس قدر عادتها وتدع الصلاة والصيام وتعد حائضًا، فإذا انتهت عادتها اغتسلت وصلت وعدت الدم الخارج دم استحاضة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- لأم حبيبة: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي». هذه الآن التي لها عادة؛ الأيام التي تعتاد مجيء الحيض فيها تعتبر نفسها حائض؛ الآن استمر بها الدم من أول الشهر، الأيام الأولى هذه تكون مستحاضة تصلي وتصوم، فإذا بدأت أيام عادتها المعروفة في كل شهر -طيب مثلًا يأتيها الحيض في اليوم الثامن مثلًا أو العاشر مثلًا- تجلس سبعة أيام تحسب من اليوم العاشر إلى السابع عشر؛ هذه تعتبر فيها حائضًا تترك الصلاة والصيام، إذا انتهت هذه الأيام تغتسل وتصلي وتكون في حكم المستحاضة فيما بعد ذلك. فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال لأم حبيبة: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك» يعني انظر إلى عادتك كم كانت تحبسك عادتك إذا جاءك الحيض ستة أيام سبعة أيام على حسب العادة المعروفة عندها؛ تجلس فيها وتعتبر نفسها حائضًا. قال: «ثم اغتسلي وصلي» بعد انقضاء هذه الأيام تغتسل وتصلي وتكون في حكم الطاهرات؛ هذه الحالة الأولى أن تكون لها عادة معروفة؛ فتعمل بهذه العادة تعتبر نفسها حائضًا في أيام عادتها المعروفة. الحالة الثانية: إذا لم تكن لها عادة معروفة؛ امرأة يعني عادتها مضطربة مرة يأتيها الحيض في أول الشهر ومرة يأتيها في وسط الشهر ومرة يأتيها في آخر الشهر؛ ليس لها عادة معروفة في كل شهر، ثم استمر بها الدم؛ استمر بها الدم جاء في أول الشهر واستمر لم ينقطع. قال: إذا لم تكن لها عادة معروفة لكن دمها متميز؛ بعضه يحمل صفة الحيض بأن يكون أسود أو ثخينًا أو له رائحة، والباقي يحمل صفة الاستحاضة؛ دم أحمر ليس له رائحة. ففي هذه الحالة ترد إلى العمل بالتمييز؛ تنظر في الدم إذا ما عندها عادة لكن عندها تمييز تميز الدم؛ فترى الدم مثلًا يأتي في أول الشهر أحمر رقيق ليس له رائحة؛ هذا دم استحاضة تصلي وتصوم، فإذا جاء وسط الشهر تغير الدم وإذ به أسود له رائحة كريهة؛ هذا تعتبره دم حيض تترك الصلاة والصيام، فإذا تغير بعد ذلك جعلته استحاضة؛ فهنا إذا لم يكن لها عادة معروفة فإنها تعمل بالتمييز ما دامت أنها تميز الدم؛ فإذا رأت علامات دم الحيض اعتبرته حيضًا وصارت في حكم الحائض تترك الصلاة والصيام في هذه الأيام، ثم بعد ذلك تغتسل وتكون في حكم الطاهرات. قال: قوله -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف» يعني تعرفه النساء بصفته، وقيل: يعني له رائحة له رائحة. قال: «فأمسكي عن الصلاة» يعني إذا كان الدم على هذا الوصف؛ فإذا كان الآخر يعني الدم الأحمر الذي ليس بأسود. قال: «فتوضئي وصلي؛ فإنما هو عرق»؛ الحديث رواه أبو داود والحاكم وصححه الألباني -رحمه الله- وبعض العلماء يضعف هذا الحديث، ومع ذلك فقد عمل به بعض العلماء بالنسبة لإرد المستحاضة إلى التمييز إذا لم يكن لها عادة. قال: الحالة الثالثة: إذا لم تكن لها عادة ولا صفة تمييز بها الحيض من غيره؛ امرأة ليس لها عادة معروفة في الحيض وفي نفس الوقت لا تميزه؛ تقول: ما أعرف الدم ما أستطيع أن أميزه؛ يعني خلال يوم يتغير أسود أحمر ما تستطيع أن تميزه؛ أو يكون على صفة واحدة في كل الأيام؛ يكون على صفة واحدة في كل الأيام؛ فهنا ترجع إلى عادة غالب النساء. قال: فهذه تجلس غالب الحيض ستة أو سبعة أيام؛ لأن هذه عادة غالب النساء، وما بعد هذه الأيام من الدم يكون دم استحاضة؛ تغتسل ثم تصلي وتصوم. بعض العلم يقول: تنظر إلى عادة أقرب النساء إليها؛ إلى أخواتها وإلى أمها ونحوها من أقاربها؛ فتأخذ بعادتهم؛ كذا كان مثلًا عادتهم أن يأتيهن الحيض سبعة أيام أو ثمانية أيام أو ستة أيام؛ فتجلس ستة أيام أو ثمانية أيام؛ تجلس ستة أيام تعتبر نفسها حائضًا ثم تغتسل وتكون في حكم المستحاضة. قال: قوله -صلى الله عليه وسلم- لحمنة بنت جحش: «فإنما هي ركضة من الشيطان؛ فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام ثم اغتسلي»؛ تحيضي يعني تجلسي ستة أيام تكون فيها في حكم الحائض؛ ثم اغتسلي بعد انقضاء هذه الأيام؛ اغتسلي فإذا استنقأت فصلي وصومي؛ فإن ذلك يجزئك؛ رواه أبو داود والترمذي وحسنه الألباني -رحمه الله-. قال: ومعنى «ركضة من الشيطان» يعني دفعة؛ أي إن الشيطان هو الذي حرك هذا الدم؛ يعني أنه سبب سيلان الدم حتى يلبس عليها في أمر دينها وصلاتها وطهرها. إذن المستحاضة على هذه الثلاث الحالات؛ الحالة الأولى أن تكون لها عادة معروفة؛ فترجع إليها. والحالة الثانية: ليس لها عادة لكن لها تمييز تميز الدم؛ فالأيام التي ترى فيها صفة دم الحيض تعتبر حائضًا وغيرها من الأيام تكون في حكم المستحاضة. والحالة الثالثة: ليس لها عادة ولا تمييز؛ فإنها تجلس عادة غالب النساء ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر؛ تكون فيها حائضًا ثم تغتسل وتصلي وتكون في حكم المستحاضة.

شاركنا على