المحاضرة بعنوان الأعمال من أسباب تغير الأحوال، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٣ محرم ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الدرس عن تغير الأحوال في حياة الإنسان بإرادة الله تعالى، مشيرًا إلى تقلب الإنسان بين الصحة والمرض والغنى والفقر. الله سبحانه وتعالى هو الذي يحكم هذه التغيرات.
يشرح الدرس كيف تؤثر الأعمال البشرية على أحوالهم، حيث تقود الأعمال الصالحة إلى التحسن بينما تؤدي الأعمال الفاسدة إلى الأسوأ وتؤثر على مختلف العوالم. يشدد على تأثير الذنوب والمعاصي على الكائنات الأخرى والحيوانات.
يتناول الدرس تأثير الأعمال الفاسدة على مختلف العوالم، بما في ذلك البشر والنباتات والحيوانات، وتسبب تغيرًا في الأحوال. يستعرض تأثير الذنوب على قسوة القلب وسواده والحالة النفسية، وكذلك تأثيرها على العلاقات بين الناس وظهور الأمراض.
يشرح الدرس كيف يبتلي الله العباد بالأمراض وقلة الأرزاق نتيجة لمجاهرتهم بالمعاصي والفواحش، ويبين أن المعاصي تفسد العلاقات وتسبب القطيعة بين الناس وتؤدي إلى ابتلاء الناس بالأمراض.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إخواني في الله، فكما قد قرر وأعلن بأن محاضرة الليلة تدور حول هذا العنوان، والذي موسوم باسم الأعمال من أسباب تغير الأحوال. الأحوال، إخواني في الله، معناها كما ذكر ذلك العلماء هو وصفٌ لما عليه الموصوف، بمعنى ما يتعلق به من حيث الهيئة ومن حيث الطبيعة والواقع الذي يعيشه. هذه حالته، وهذا حاله من صحة أو مرض، من غنى أو فقر، من سعادة أو تعاسة إلى آخره، فالأحوال إخواني في الله بمعنى ما عليه الإنسان. والأحوال إخواني في الله في أصلها أنها متقلبة، أنها متغيرة، لا يمكن لأحد من البشر أن يكون على نمطٍ واحد من الحياة أو على مسلك معين يسير عليه في هذه الدنيا. ولهذا من الأمثال السائرة قولهم: دوام الحال من المحال، دوام الحال من المحال، هذا مستحيل أنك تمضي في هذه الدنيا قدمًا على نمطٍ وعلى حالة واحدة. فالإنسان إخواني في الله عرضة للتغيرات وعرضة للتقلبات، وإن الله عز وجل قد أخبر بهذه الحقيقة، فقال جل في علاه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾. جاء في التفسير من طريق علي بن أبي طلحة، علي بن عباس رضي الله تعالى عنه، في تفسير طبقًا عن طبق، قال: أي حالًا بعد حال، أي حالًا بعد حال. أتى هذا الإخبار من ربنا سبحانه وتعالى على صيغة قسم، أقسم ربنا جل وعلا بما سمعتم بالشفق وبالقمر إذا اتسق، أقسم بماذا؟ بهذه الأشياء على ماذا؟ على أن الإنسان في هذه الدنيا يتقلب في الأحوال. تركبن طبقًا عن طبق، أي حال بعد حال، وهذا التفسير أثر كذلك عن جمع من العلماء كعكرمة ومجاهد والحسن البصري وغير واحد، ذهبوا إلى هذا القول. ونعني إخواني في الله بالأحوال التي يكون فيها التغيرات، كل ما يدخل في باب الأحوال، قال العلماء: ويدخل في هذا الباب الأحوال أحوال الزمان وأحوال المكان وأحوال القلوب وأحوال الأبدان والأجساد. كل هذه الأحوال هي عرضة زمانًا ومكانًا وقلبًا وفؤادًا وذاتًا، كلها عرضة تتقلب في هذه الدنيا. وبعد النظر في أدلة الشرع إخواني في الله، كذلك أدلة الواقع، من تأمل في واقع الناس، بل لو تأمل شخص في نفسه، علم أن الإنسان ما يكاد أن يمكث أو يستقر على حالة واحدة. تارة صحة، وتارة مرض، وتارة غنى، وتارة فقر، وتارة ضلالة، وتارة هداية، وتارة نشاط، وتارة كسل وخذلان وتخاذل إلى آخره. وكم حدثتنا كتب التاريخ والسير عن أقوام وعن أشخاص وعن أمم وعن دول، كيف أن الله سبحانه وتعالى بدل أحوالهم حالًا من بعد حال. كمن كانت له صولة وجولة، فما هي إلا برهة من الزمن حتى أصبح في ذل ومهانة، أهانه الله عز وجل بعد عز، تحول حول الله سبحانه وتعالى حاله من بعد حال. فالتغير إخواني في الله الذي يكون في الأحوال إنما هو يكون بإرادة الله جل في علاه، فإن الأمور كلها وأزمة الأمور بيد المولى سبحانه وتعالى يحركها كيف شاء. قال ربنا جل في علاه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فربنا سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء في تغيير أحوال العباد والبلاد في صغيرها وكبيرها، على مستوى الأفراد والجماعات. ومن هنا إخواني في الله حتى ترسخ هذه العقيدة في قلوب الخلق، وخاصة في قلوب أهل الإسلام، جعلت هذه العقيدة في ذكر من أعظم الأذكار الذي ينشره المسلم، ذكر عظيم، ومن عظمة هذا الذكر أن الله سبحانه وتعالى جعل له من الأجر ما تهف إليه النفوس. جعله ربنا عز وجل كنز من كنوز الجنة، ذكر كلما ذكرت الله جل وعلا به، جعل لك ربك عز وجل كنز من كنوز الجنة. طيب ما السر في هذا الذكر؟ السر أن في هذه العقيدة أن تعلم يا عبد الله أن تحول العباد حالًا من بعد حال إنما هو بيد الله. أتدري ما هو هذا الذكر؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز الجنة، استشعر يا عبد الله بهذا الذكر، إلزم به في ليلك ونهارك، صبحك ومسك، حتى ترسخ على هذه العقيدة. فما كان من تغير فيك أو في غيرك، اعلم أن ذلك بحول من الله، هو الذي قدر وهو الذي شاء. قال ابن رجب رحمه الله تعالى، شارحًا هذا الحديث ومبينًا من مراد بهذا الذكر، قال رحمه الله تعالى: والمعنى أنه لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله. أنه لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، فلهذا كان من الذكر: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا من أساليب الحصر، ومن أعظم أسباب الحصر، وأنبه إخواني في الله على ما يقوم به بعض العامة، شعروا بهذا أو لم يشعروا، أنهم إذا تلفظوا بهذا الذكر، كان من عجلتهم في الإتيان به أن يخلوا باللفظ، ومن ثم كان الإخلال بالمعنى. تجد أن بعضهم إذا سمع أمرًا ما، قال: لا حول الله، لا حول إلا بالله، الحديث، الذكر الوارد إنما فيه إثبات أن التحول بيد الله، هذا المراد بالحديث. أما أنت إذا قلت: لا حول لله، بمعنى أن الله لا يقدر على أن يحول أحوال العباد، وهل أنت تريد هذا؟ لا شك ولا ريب أنك فما تريد هذا المعنى الفاسد، وهذا المعنى الباطل الذي فيه إظهار لعجز الله، وحاش للمسلم أن يعتقد هذه العقيدة. لكن العجل في الذكر، العجل في الذكر، والاعتياد على هذه الأوراد، فتأمل يا عبد الله، وتنبه عند ذكرك لهذا الذكر العظيم أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا أردت الإختصار: لا حول إلا بالله. والأفضل والأكمل حتى تنال الأجر أن تأتي بكماله وتمامه. بعد هذا الباب إخواني في الله، إذا علمنا أن التغير في أحوال العباد هو حاصل لا محالة، وعلمنا إخواني في الله أن التغير هو بيد الله جل في علاه، تأتي المسألة الثالثة. وهي أن ما يعتري الإنسان من التحول، سواء كان تحولًا في الأزمان والأماكن، وتحولًا في الأبدان والأجساد، إلى آخر ما ذكره العلماء من التقاسيم في هذا الباب. أن التحول إخواني في الله لا يكون إلا عن طريق أسباب، على إثرها يقع هذا التغير. وللأسف أن نجد أن الكثير من الناس يجعلون ما يتعلق بتحول الإنسان من حالة إلى حالة أخرى، وخاصة إلى حالة رديئة، حالة رزية، أنهم يرجعون أسباب التحول إلى أسباب مادية بحتة. كمن يفسر ما عليه حصول فشل، مثلًا فشل في أحوال بعض الناس، فيرجعون هذا الفشل إلى ماذا؟ إلى أسباب مادية، كمن يقول: إنما كان ذلك لعدم الإصابة في التنظير، وعدم الإصابة في التخطيط. أو يقولون في تحول الإنسان من حالة إلى حالة أخرى: لعل هذا إنما جاء من عدم الوعي والإدراك، أو يقولون: أن ذلك لعدم الأخذ بالفرص المتاحة، إلى آخر هذه التصورات التي لا تخرجهم عن التفكير المادي. إلا إخواني في الله، فعلينا أن نعلم علم اليقين أن تحول الإنسان من حالة إلى حالة، من أعظم الأسباب المؤدية إلى ذلك الأسباب الشرعية، الأسباب الشرعية. وأعني وأخص بالأسباب الشرعية الأعمال، ما يقوم به العبد من عمل، الأعمال إخواني في الله هي التي تؤثر حقيقة في حالك وتؤثر في أحوالك. ونعني بالأعمال ما يشمل الاعتقادات، ما يشمل الأقوال والأفعال، لأن الأعمال لفظة عامة، ومن في الحديث: إنما الأعمال بالنيات، ما المقصود بالعمل؟ الاعتقادات والأقوال والعبادات والأفعال تدخل ذلك كلها في باب العمل. وهذا الذي نعنيه، وهذا الذي نعنيه العمل الذي تقوم به يا عبد الله هو الذي يحدد لك الحال. ومن هنا كان الإطلاق في عنوان المحاضرة أن كانت تسمية الأعمال مطلقة، لماذا أطلقت الأعمال؟ لأن الأعمال إنما تكمن في الأحوال. فإذا كان التحول يا عبد الله، إذا أردت التحول إلى الأحسن والأفضل، إنما يكون ذلك بالعمل الصالح، بالعمل الصالح، ضابطه الذي يرضاه الرب ويرضى عنه. وأما يا عبد الله إن ابتليت بأعمال فاسدة، أعمال كاسدة، مثل كفريات وشركيات ومنكرات وموبقات وحرمات ومحرمات إلى غير ذلك، وضابطه مما لا يرضاه الله سبحانه وتعالى. إن ابتليت يا عبد الله بهذه الأعمال، هذا الذي يجرك إلى أسوأ الأحوال، إلى أسوأ الأحوال وإلى أرذلها. وسيأتي هذا معنا بإذن الله وإن شاء الله، إخواني في الله نحن في هذا المقام بهذا الصدد سنبين إخواني في الله من حي من بذكر النصوص الشرعية الدالة على أن العمل يا عبد الله الذي تقوم به هو الذي يؤثر في حالتك ويؤثر في أحوالك. وبهذا ونريد بهذا إخواني في إزالة الغفلة التي ابتلي بها الكثير من المسلمين، إذ نجدهم أنهم يستبعدون هذا، تجد أن بعض فئة الآن مصر إلى أن الأعمال الذي يقوم بها من أخلاق من آداب من صالحات من طالحات، أعمال كاسدة، أقوال سديدة سليمة، هذه الأعمال الشرعية لا يرى أنها لها ضبع أو لها تدخل أو لها تأثير بحالته ونمط حياته. لا يا عبد الله، بل ستسمع ما هو أعجب من ذلك، الأعمال يا عبد الله ليس فقط هي مسلطة على حالتك، بل ربما حتى على بقية العوالم، بقية العوالم تتأثر يا عبد الله بعملك. ونعني وخاصة بالأعمال الفاسدة، الأعمال الكاسدة مما لا يرضاها الرب من ذنوب ومعاصي وموبقات ومخالفات، هذا يعضى تأثيره عظيم، تؤثر كما قلنا حتى على بقية العوالم ممن لا علاقة لهم بعملك. مع أن الأصل أنك أنت يا صاحب العمل، أنت الذي تبتلى بتغير الأحوال، لكن أحيانًا يكون من شؤم عملك، من شؤم عملك أنه يدور على من حولك. مثلًا يا عبد الله ما يعتري الكائنات والحيوانات ما يعتري الدواب، قال ربنا جل في علاه: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: قال: أراد جميع الحيوانات مما دب ودرج، أي لا تظن أن الدابة هي التي تدب على الأرض لا، أراد مسعود أن يبين لك أن الله عز وجل لو عاقب العباد بما كسبوا بما اخترفوا لكان لربما من جزاء ظلمهم أن الله أهلك الأرض ومن فيها من دابة. وما فيها من حيوانات، وما فيها من حيوانات، قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه كما ذكر ذلك البيهقي في شعب الإيمان، قال: والذي نفسي بيده، إن الحبار لتموت في أوكارها بظلم الظالم. إن الحبار طيور، نوع من أنواع الطيور، إن الحبار لتموت في أوكارها في أماكنها بما ماتت، قال: بظلم الظالم، هو يظلم في هذه البلدة وفي تلك القرية، لكن من شعب ظلمه أنه يلف على من حوله من الدواب والحيوانات والحشرات والطيور حتى يهلكها. وغصاها، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال: كاد الجعل كاد الجعل أن يعذب في جحره بسبب ذنب ابن آدم، كاد الجعل، الجعل من فصيل الحشرات وهو كشبيه الخنفساء. هذا الداب السوداء تسير، الخنفساء وهكذا الجعل بمثله، حشر الداب حشر تدب على وجه الأرض، يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كاد الجعل، أي هذا الحشرة، قال: لا تعذب في جحرها بسبب ذنب ابن آدم. ذنبك يا عبد الله، أتدري إلى أين وصل؟ أتدري إلى أين بلغ؟ بلغ إلى مساكن الحيوانات، إلى جحور الحشرات، وهذا الأثر صحيح، ذكره الحاكم في مستدركه وصححه الذهبي، وهكذا الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. قال: وقد صح هذا موقوفًا عن ابن مسعود كما ذكر ذلك في صحيح الترغيب والترهيب، الكائنات يا عبد الله تعذب، الحشرات تعذب، بل ربما ماتت وهلكت. بل حتى بعض العلماء عند هذه الآية قالوا: أن الله عز وجل ما أهلك الأرض في زمن نوح إلا بما كان من ذنوب العباد، أهلك الله جميع من في الأرض، ما ترك على ظهرها من دابة إلا من كان على السفينة. أهلك الله جميع الأرض كما ثبت ذلك عن قتادة رحمه الله تعالى استدلالًا بهذه الآية: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. سبحانه وتعالى، ومن هنا إخواني في الله لشدة وطأة الظلمة والفجرة، ومن كان على أعمال فاسدة، أنهم عكروا على الحيوانات والحشرات والدواب معيشتهم. حق لهذه الحيوانات أن تفرح، أن تفرح بموت من بموت الفاجر، بموت الظالم، لأنهم كما إذا علمنا أن هذه الحيوانات إنما ابتليت في أرزاقها وابتليت في بيوتها لشدة شؤم هذا الفاجر. فإذا مات خفف هذا عن وطأتهم، يفرحون، ولها ثبت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: وإن العبد الفاجر ليستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب. إن العبد الفاجر، من الفاجر المنبعث بفجوره الذي يقوم بالأعمال الفاسدة الذي نحن بصدده، هذا العبد إذا مات، من الذي يستريح؟ تدري يا عبد الله؟ جميع العوالم، عالم البشر وعالم النباتات وعالم الحيوانات. قال: إن العبد الفاجر ليستريح منه، أي بموته، الدواب، العباد، البلاد، الشجر، والدواب، حتى النباتات، لما يا عبد الله؟ لأن هؤلاء الظلم والفجر، ومن كان على أعمال فاسدة، هم والذين عكروا على هذه العوالم عيشتهم. بل يا عبد الله لربما كانت هذه الأعمال التي هي من فعل الآدمي، من المخالفات والمحرمات والمعاصي والذنوب، لربما حتى أثرت على المشاعر المقدسة، أثرت على المشاعر المقدسة. يؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد في مسنده، وحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى، من حديث ابن عباس، قال: قال عليه الصلاة والسلام: نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم. تأمل يا عبد الله، خرج هذا الحجر الأسود، ما كان أسود، كان أبيض ناصع البياض، قال: وهو أشد بياضًا من اللبن، ما الذي تغير؟ ما الذي غير حاله؟ ما الذي غير لونه؟ الأعمال، الأعمال يا عبد الله. الأعمال الفاسدة من أخلاق رديئة وفعال رزية، من سب وشتم ولعن، من موبقات ومحرمات وإعراب عن شرع الله، هذا كله أثر على الحجر الأسود، قال النبي: فسودته خطايا بني آدم. وقال الشراح: وقال: وهذا الحديث على حقيقته، حتى قال بعض الشراح: يذكر أن قبل فترة وقبل حقبة من الزمن، كان في الحجر الأسود نقط بيضاء، كانت لازال ثم سود، ثم سود، بما يا عبد الله؟ سود بما كان من فعل الآدميين. إذا كان هكذا يا عبد الله، بلغت أعمال الآدميين إلى التأثير على المشاعر المقدسة، فما ظنك يا عبد الله بما دون ذلك؟ فما ظنك يا عبد الله بما دون ذلك؟ فحينئذ نعلم إخواني في الله ونجزم بأن الأعمال سبب من أعظم الأسباب في تغير الأحوال. ومن هذه الأحوال إخواني في الله، وبه نشرع، وهي نماذج سريعة، لا يسع المقام إلى التفصيل فيها، لكن نماذج حتى نستوضح هذا العنوان ونستبين ونكون في بيان أمرنا. الأعمال يا عبد الله الفاسدة الكاسدة سبب من أعظم الأسباب في تغير القلوب، قلبك الذي بين جنبيك يتحول، يتغير، يتغير يا عبد الله لدرجة القسوة والشدة والرعونة. كم من من يشتكي من رعونة قلبه وقسوة قلبه؟ لربما تمر عليه مواعظ الله جل وعلا، فعلًا الذي أنزلها ربنا في كتابه، والذي لو أنزل على جبل رأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله. لكن تجد أن بعض القلوب أشد قسوة من الجبال قسوة، أتدري يا عبد الله ما هي الأسباب التي غيرت هذا القلب إلى هذه الفضاضة؟ ما كان من عملك أنت الذي جنيت هذا على نفسك وعلى قلبك؟ ثبت في مسند الإمام أحمد، وجاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: إذا أذنب العبد ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء، نكتة سوداء، من أين جاء هذا السواد؟ بأعمالك، بذنوبك. ثم قال عليه الصلاة والسلام: حتى إذا عاد زادت، أي كلما عدت يا عبد الله إلى الذنوب والمعاصي، وهي الأعمال، كلما عادت هذه النكتة، قال عليه الصلاة والسلام: حتى تعظم على القلب، تعظم، تتكاثر على القلب. فيكون القلب يا عبد الله أسودًا مربدًا، وأسودًا مربدًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، قال عليه الصلاة والسلام: فإن عادت زادت حتى تعظم في القلب، قال: وهذا هو الران الذي ذكره الله بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. نعم يا عبد الله، هذه الأعمال تعمل وتعود إلى قلبك، كلما ولجت في الأعمال السيئة، كلما زاد قلبك سودادًا، فبالله عليك أن لك يا عبد الله أن تتعذب بمواعظ الله؟ بل أن يا عبد الله لأعمال القلوب أن تستقر في خضم قلب أسود حالك، أن لك يا عبد الله بالخشية والخشوع والتوبة والإنابة، وهذه الأعمال الرفيعة العلية من أعمال القلوب. ما يمكن للقلب أن تستقر فيه هذه الإيمانيات يا عبد الله هو كالح اللون، أسود اللون، فاعلم يا عبد الله أن القلب وأن الأعمال تؤثر في القلوب أيضًا. يا عبد الله لربما ارتفعنا درجة فكان من تأثير الأعمال أن تؤثر حتى على النفوس، تؤثر على نفسك، يعتريك ما يعتريك من الهم من الغم من الحزن من الكآبة من الضيق. ولنا عبر إخواني في الله بأحوال الفجرة، بل قل بأحوال الكفرة، بأحوال الكافر، انظر يا عبد الله في دنيا الكفار، بعض الناس من المغفلين ربما يتطلع لما تعيشه بياد الكفر في شرق الدنيا وغربها من الحرية البحتة. ما هنالك دين يصدهم، وما هنالك شريعة تردعهم من الحرمات والنزوات والشهوات، حالهم كحال الدواب والبهائم، بل هم أخس، يتناكحون، يفعلون ما يشاءون، ما لذ وطاب من الحرمات. لكن سل يا عبد الله، هل بلغوا في هذا راحة النفس؟ إذا أردت الإجابة، سل يا عبد الله عن الحالات النفسية، أتدري يا عبد الله أن أكبر معدل للأمراض التي تبتل بها بلاد الكفار هي الحالات النفسية. من حالات الهستيريا وانفصام الشخصية والحالات العصبية، العقاقير والأدوية والحبوب التي توزع على مرضى النفسية، النفسانيين بكثرة، لا تعد، بل هي الرقم القياسي في هذه البلدان، بلدان الشهوات، بلدان الملذات. بل ربما وصل به من الحال إلى أن هذه الأدوية التي تهدئ من نفوسهم، مع أنهم ما هناك شيء الذي يريده في نفسه، ومع ذلك ما ارتاحت نفوسهم حتى بلغ إلى حالة الهلوسة. ليس هذا فحسب، حتى بلغوا إلى أن سجلوا الأرقام القياسية في الانتحار، انظر يا عبد الله في السجلات إلى سجلات المسلمين التي تعتبر من البلاد الفقيرة المتخلفة فيها من الضنك والفقر ما فيها. سل عن الانتحار فيها، تكاد تكون معدومة أو واحد في المية، لكن سل عن الدول الغنية التي آتاها الله ما آتاها من البحبوحة في العيش والرغد والترف، كم نسبة الانتحار؟ تجدها يا عبد الله عالية جدًا. بل ربما حتى أن في بعض الدول أخبرت عنها، هناك سجلات تحسب لهم في الخمس الدقائق الأولى أن بعد كم دقيقة يكون حالة انتحار، بل حتى يقال عن السويد الدولة الأوروبية والتي تعتبر أعلى دولة أعلى دولة في مستوى دخل الفرد. أي في الغنى والثراء، أن هي بنفسها أعلى دولة انتحارًا، أعلى دولة انتحارًا، حتى تعلم يا عبد الله ما هي الحالة يعيشونها الضنك والضيق. العبد كلما دخل في المخالفات والكفريات والشركيات، كلما كان في ضيق وضنك، وهذا مصداقه في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال إمام بن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية: قال: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا، قال: أي في الدنيا، قال: فلا طمأنينة له ولا راحة له. قال: وإن تنعم بالنعم الظاهرة، فأكل ما شاء ولبس ما شاء وسكن ما شاء، مهما تنعم مهما تنعم بالنعم الظاهرة، لكنه معرض عن ذكر الله، معرض عن الطاعات، معرض عن الأعمال الصالحة. فإن الله يبتليه يا عبد الله بما سمعت من الضيق في النفس والهم والغم وهكذا، نجد من بعض المسلمين، نجد من بعض المسلمين ما يعتريه من هذه الأمراض والأهواء. وما ذاك يا عبد الله إلا بأعمالك، هي التي جنت عليك، ما فعلت، وما كذلك ما أصبت به من أمور إخواني في الله التي تدل على أن الأعمال تغير من الأحوال. ما يكون من أحوالك مع الخلق، ما يكون مع أحوالك من الخلق، أحيانًا تجد أنك يا عبد الله في حالتك، تجد تغيرًا، تغيرًا من تعامل الناس معك، نفرة، ينفرون منك، يبتعدون عنك. تجد تغيرًا فيهم، تبحث عن سبب، تنظر في العلاقة الظاهرة: أنا ما صنعنا شيئًا، أنا ما أخطأت في حقهم، أنا والله ما أفعل شيء معهم، ما زلت لساني عليهم قط، يتذكر يتذكر. لكن فاته أمر، فاته أمر واحد، وهو: هل علاقتك مع الله على أحسن ما تكون؟ أو أنك يا عبد الله وقعت في معاصي، وقعت في ذنوب؟ قد يقول: وهل هذه الأعمال تؤثر في علاقة مع الناس؟ نعم يا عبد الله، أما سمعت قبل قليل أن أعمالك تؤثر في العوالم الأخرى من الحيوانات والحشرات، بل في المشاعر المقدسة؟ أما تؤثر في قلوب الخلق فيتعكرون ويتغيرون من جهتك؟ قال بعض السلف: قال: إني لأعص الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وخادمي، إني لأعص الله، يقع في معصية، يعترف أنه وقع في هفوة وزلة فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى. لكن سرعان ما يعرف مغبة هذه الزلة، أين يجدها؟ في خادمه، يجدها في دابته، تجد أن الخادم يعصيه، تجد أن الخادم ما يأتي إليه، تجد أن الدابة التي كان من عادته التي يسوسها بكل أريحية أن تتعنت عليه. يعرف أن ما هذا التغير في أحوال الخدم والحشم ومن كان تحت يده، بل حتى الدواب، ما تأثر هذا إلا بسبب عمله ومعصيته لله سبحانه وتعالى. ويؤيد هذا المعنى في السنة ما جاء كذلك في السنة من حديث أبي هريرة، ويحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى كما في صحيح الجامع، قال عليه الصلاة والسلام: ما تواد اثنان في الله، ما تواد اثنان في الله ففرق بينهما إلا بذنب، إلا بذنب يحدثه أحدهما. أحد الطرفين، ما تواد اثنان في الله، محبة في الله ولله، نشأت على طاعة الله، لكن سرعان ما يصيبها الفتور، بل القطيعة، تنقطع، تنقطع هذه العلاقة. قال عليه الصلاة والسلام: ما تواد اثنان في الله فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما، معصية، هناك مخالفة، هناك عمل يا عبد الله فاسد وقع، إما من هذا الطرف أو من ذاك الطرف. فأصبحت العلاقة متوترة إلى درجة القطيعة والافتراق، ومن هنا نبه العلماء على هذا الباب حتى قال إمام المزني رحمه الله تعالى: قال: إذا رأيت من إخوانك جفاء فتب إلى الله، فتب إلى الله، فإنما هو ذنب أصبته، ذنب قد أصبته يا عبد الله. تب إلى الله، لا تجد بعض الناس يجد أن الناس قد تغيروا، يجد أنه في عزلة، يجد أن طبيعة الناس، نظرات الناس، تعامل الناس، فإيش الذي فعلت؟ إذا ما رأيت يا عبد الله سببًا ظاهرًا، انظر إلى ما بينك وبين الله. فقال المزني رحمه الله تعالى: إذا رأيت من إخوانك جفاء فتب إلى الله، فإنما هو ذنب قد أصبته، ذنب بينك، إذا هذا، فأخواني في الأقل لا يكون فقط مع إخوانك، بل حتى مع سائر الناس، حتى مع أهلك، مع زوجتك، مع أولادك. لو ربما تجد من أولادك نصور في باب التربية، عدم الطواعية، عدم الطواعية فيما تأمر وفيما تنهى، لعل هذا يا عبد الله فيما كان بينك وبين الله عز وجل. وقد كانت من أمثال السائر لسلفنا الصالح أحسن فيما بينك وبين الله، يحسن الله فيما بينك وبين عباد الله، الجزاء من جنس العمل. وهكذا إخواني في الله من تغير الأحوال التي تقع من باب الأعمال، وأيضًا إخواني في الله من الأحوال التي تتغير بسبب أعمالنا ما يكون من حالة الأمراض والأسقام. الأمراض والأسقام قد تطرأ فينا، الأمراض غريبة، أسقام أوجاع، أضمت الأطباء عن حصول ووصول إلى دواء عاجل ناجح، ناجح في حل هذا الداء العضال. فتجد يا عبد الله أن من تغير أحوال الناس من الصحة إلى هذا المرض العضال، لربما كان من جراء أعمالهم، من جراء أعمالهم هي التي أودت بهم إلى هذه المهلكة العظيمة. أن أسابهم الله جل في علاه أمراضًا وأسقامًا وآفات وأوجاعًا، دليل ذلك ما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام كما رواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه. قال: قال عليه الصلاة والسلام: يا معشر المهاجرين، خصال الخمس أعوذ بالله أن تدركوهن، إن ابتليتم بهن، ومنها: ولم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين قد مضوا. ولم يظهر قوم الفاحشة، ولم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، فاحشة رذيلة من الرذائل الخلقية، ينتشر في أوساط بعض الناس، فيذيعون بها، ويعلم بها القاص والداني. بل ربما أباحوا بها ونشروها على القنوات الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية، من غير حياء من الله ولا من خلقه، إذا وصل الحال بالناس إلى هذا الحال بأن جاهروا الله بهذه الأعمال. حين يغيرون الله حالًا من بعد حال، يأتيهم ربنا عز وجل من حيث لم يحتسبوا بأن يغرقوا الله في أوساط من الأمراض مما لم يكن يعرف من ذي قبل. إلا فشا فيهم الطاعون، هذا المرض الفتاك الذي كان إذا ذكر ذكر الموت، الذي كان ما يحصد إلا بالمئات الآلاف، يحصد قرى بأكملها، ما ينجو منها أحد قط إلا من وفقه الله. بل حتى الشريعة أن من ابتلي بالطاعون فليمكث ولا يخرج، لا يخرج، يبقى، يرضى بحكم الله فيه، لشدة ما يصيب به العباد. فأخبر ربنا عز وجل أن هذا المرض إنما جاء جراء لأعمال العباد، عندما أظهروا الفواحش، وهكذا الأوجاع تظهر فيهم، الأوجاع، الأمراض، الأسقام، الآفات، العاهات التي لم تكن تعرف. وقد حصل هذا، كان فترة من الزمن ظهرت أمراض غريبة عجيبة، مثل مرض الهربس ومرض الزهري، هذه الأمراض التي تصيب أصحاب الأحوال الجنسية ممن يبتلى بالشذوذ واللواط إلى غير ذلك من الفواحش. ثم وجدوا لها حلًا حتى أصبحت من الأمراض السارية المعروفة، لكن ما هي فترة من الزمن حتى ابتلاهم الله بالإيدز الذي كان في حقبة زمنية يسير، أباد الملايين، لم يكن يعرف منذ قبل، ولا زالوا فيه إلى الآن في صراع. لكن آية جعلها الله إذا استمر العباد بهذه الأحوال وعلى هذه الأعمال من أنهم يجاهرون الله بمعاصيهم بالفواحش والمنكرات، فإن الله عز وجل يبتليهم بالأمراض والأسقام. وهكذا إخواني في الله مما يعتل العباد كذلك من تغير الأحوال ما يكون من قلة الأرزاق، لو ربما يا عبد الله تبتلى بقلة الرزق أو بنفاده، بنفاده وقلته أو بذهاب بركته. تذهب بركة العمل، تعمل في ليل ونهار، تكد في عملك أو في شغلك، تجد يا عبد الله أنك قد وفرت ما تريد أن توفره، لكنه في واقع الحال يذهب عليك هباءً منثورًا. يمحق الله جل وعلاه البركة، من أين هذا يا عبد الله؟ من أين ذهاب هذه الأرزاق ونفادها ونحلالها