الدرس في تفسير سورة الذاريات من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن العبر والعظات من قصص الأنبياء والأمم السابقة. يبين كيف أن الله جعل في هذه القصص آيات وعبرا لمن يخافون العذاب الأليم.
يتناول ركن الأنبياء والرسل في القرآن وكيف أن أهل الباطل يلجأون إلى التهم الباطلة عند ضياع الحجج. يضرب أمثلة بتكذيب فرعون لموسى وقوم عاد.
يشرح كيف عاقب الله الأمم السابقة مثل فرعون وقوم عاد وثمود وقوم نوح بسبب كفرهم وتكبرهم. يُظهر أنواعًا مختلفة من العذاب مثل الريح والصاعقة والطوفان.
يحتوي على ختام الدرس مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه، وتوجيه الشكر المتكرر للمشاهدين.
السلام عليكم. في ذكرى نعم انتهينا بقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، اتفضل، انتهينا بقصة إبراهيم. وفي عاد ذي رسلنا عليه بذليها العقيم ما تذر شيء لتتعليه إلا جعلته كالرميم. وفي ثمود إذ قيل له تمتعوا حتى أخيه فاعتوا عن أمر ربيهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون. فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين. وقوم نوح من قبلهم، وهم كانوا قوما ظالمين. ﴿وَجَعَلْنَا فِي قَصَصِهِمْ آيَةً﴾. قال المُفَسِر رحمه الله: في بُوسى بعطوه ضعن فيها المعنى. وجعلنا في قصة موسى آية إذ أرسلناه إلى فرعون متلبسا بسلطان مبين. فتولى بركنه أعرض عن الإيمان برهنه مع جنوده، لأنه له كالركن. وقال لموسى: هو ساحر أو مجنون. فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم، فغرقوا. وهو فرعون آت بما يلام عليه لتكذيب الرسل ودعوة الربوبية. وفي إهلاك عاد آية إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم، هي التي لا خير فيها، لأنها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر، وهي الدبور. ما تذر من شيء نفسي أو مال أتت عليه إلا جعلته كالرميم. فالبال المتفتت. وفي إهلاك ثمود آية إذ قيل لهم: تمتعوا ثلاثة أيام. فما في راية فاتبعوا، فالتفتوا إلى النزع آجالكم. فأخذتهم الصاعقة بعد مضي الثلاثة أيام، أي الصيحة المهلكة، وهم ينظرون أيل النهار. فما استطاعوا من قيام، ما قدروا على النهوض إلى نزول العذاب. وما كانوا منتصرين على مهديهم. وقوم نوح من قبل، إنهم كانوا قوما فاسقين. كذلك جعل الله عز وجل آية للذين يخافون العذاب الأليم. قال المُفَسِر رحمه الله: هذه الآيات فيها كذلك كما تقدم من ذكر العبر والعظة بما وقع للأمم السابقة، ما فيه تخويف لقوم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة من عذاب الله عز وجل وعقابه حين كذبوا الرسل عليهم الصلاة والسلام. ومر معنا في قصة موسى ولوط عليهم الصلاة والسلام العبر والعظات. وأتبع سبحانه وتعالى بقصة موسى، وما ذكرها هنا. فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قَصَصِهِمْ آيَةً﴾، كما ذكر المفسر رحمه الله. وفي موسى قال: معطوف على فيها. والمعنى: وجعلنا في قصة موسى آية. يعني لما ذكر الآية في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكذلك لوط عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾، أي وتركنا في إهلاك الكافرين آية، أي علامة على هلاكهم. وهكذا كذلك جعل الله عز وجل آية أخرى في إهلاك قوم موسى الكافرين، من عارضوا الرسول موسى عليه الصلاة والسلام. جعل كذلك في هلاكهم آية. ثم ذكر قصة موسى على وجه الاختصار، لأن هذا المقام كما تقدم معنا في الآيات السابقة هو مقام ذكر الآيات بإهلاك الأمم المكذبة لرسولها عليهم الصلاة والسلام. فقال: إذ أرسلنا إلى فرعون، وذكر فرعون، المراد به هذا الملك الكافر. ففرعون جنس يطلق على ملوك مصر، فالمراد به فرعون موسى خاصة الذي أهلكه الله وجعل بهلاكه آية ومن معه من قومه. وقوله: متلبسا، يعني أن الله عز وجل أرسل موسى إلى فرعون، وما كان من فرعون إلا الكفر والعناد والإصرار والتلبس بالباطل الذي كان عليه، فادعى الألوهية وظلم وفجر وبغى حتى كان رقوبة الله سبحانه وتعالى بإهلاكه وإغراقه ومن معه. وقوله: بسلطان مبين، يعني كما قال: بحجة واضحة. والسلطان أبلغ من الحجة، فالسلطان هي أقوى الحجج وأوضحها وأقواها وأملكها. قال: فتولى بركنه، قال: أعرض عن الإيمان. المراد فرعون وقومه أعرضوا عن الإيمان بموسى وما جاء به عليه الصلاة والسلام. وقال: بركنه مع جنوده، لأنهم له كالركن. والظاهر والله أعلم أن المراد ما هو أعظم من الجند، بل كل ما تقوى به فرعون من الملك والسلطان والجنود، وكذلك السحرة وغيرهم ممن استعان بهم في حربه لموسى عليه الصلاة والسلام. فركنه الذي ركن إليه، جعله الله عز وجل هباء منثورا، ولم ينتفع فرعون بالركن الذي ركن إليه. وأما ركن الأنبياء والرسل فهو شديد وقوي، لأنه مرتبط بالله القوي العظيم الذي بيده كل شيء. وقوله: وقال لموسى، أي فرعون، وقال لموسى عليه الصلاة والسلام: ساحر أو مجنون. وهذا حال أهل الباطل إذا ضاعت عنهم الحجج، لم يبق معهم إلا التهم الباطلة والكذب والإفك والافتراء، كما وقع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وكأنه يقال لمشركي أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين كذبوه: ما أشبه ليلتكم بالبارحة. فما تقولونه اليوم لمحمد صلى الله عليه وسلم قد قاله الكفار والمشركون من قبل لعدد من الأنبياء والرسل، ومنهم قوم موسى عليه الصلاة والسلام. فما نفعهم ذلك التكذيب، وما كان إلا سببا في معاجلة الله عز وجل بعقابهم وعقوبتهم. وهذه لا شك أنها وعظات قوية يكون فيها التخويف والزجر لمن كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من الكافرين المكذبين والمشركين الأفاكين. فافتروا على النبي صلى الله عليه وسلم أنواع التهم، فهوفهم والله نصيبهم ما أصاب من سبقهم من الأمم. وقوله: فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم، قال رحمه الله: طرحناهم. وكما مر معنا القاعدة: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فالطرح قد يكون فيه شيء من الرفق والليونة، وأما النبذ فما يكون فيه إلا الشدة والخشونة. ومعناه: أن الله عز وجل أخذ فرعون وجنوده أخذا شديدا فيه من العقاب والعذاب ما وصف بهذه الكلمة فيها خشونة وشدة. في اليم قال: البحر. فغرقوا. وقد اختلف أهل العلم من المفسرين وغيرهم: هل الماء الذي أهلك فرعون ومعه هو ماء نهر النيل أو ماء البحر الأحمر؟ والصحيح أنه ماء البحر الأحمر. فقد كان موسى عليه الصلاة والسلام فارا من جهة مصر إلى جهة المشرق يريد أن يصل إلى بيت المقدس. وكان مروره بالقناة التي تسمى اليوم بقناة السويس في هذا الموضع. وكانت القناة في ذاك الزمان غير مكتملة، لكنها كالرجل ممدودة في الماء في أرض سيناء. وهي الأرض التي وقعت فيها الملاحم بين موسى وفرعون ومن معه. فأراد أن يفر من فرعون وقومه من أرض مصر إلى أرض الشام، فقابله البحر أمامه، وهو البحر الأحمر. فكان ما كان من آية الله عز وجل أن أوحى إليه أن يضرب بعصاه البحر، فانفلق كل فرق كالطود العظيم. فمر هو وقومه في اثني عشر طريقا، لكل قوم طريق يبس. كما أخبر الله عز وجل فمروا سالمين. فلما دخل في وسط الماء فرعون ومن معه من جنوده وأتباعه، أغرقهم الله عز وجل. فتلاطم الماء عليهم ونبذوا في هذا الماء. وهذا هو قوله: فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم. وهو مليم. وقيل: مليم، أي آت بما يلام عليه من تكذيب الرسل ودعوة الربوبية. أي فعل الأشياء التي يلام عليها من الكفر والشرك والدعوة إلى الربوبية والظلم والبغي والقتل وغيره مما فعله بموسى وقومه. فكان هذا قليل من كثير من عقوبة من فعل هذا الظلم والبغي والعدوان والشرك والكفر والطغيان. وقيل: مليم، أي وصف لهذا العذاب الذي وقع عليهم. فقيل وصف لفرعون وقومه، وقيل وصف للعذاب الذي وقع. فهو عقوبة لما كان من فرعون وقومه. والمعنى الأول أقوى من المعنى الثاني، ولهذا ذكره أكثر المفسرين واكتفوا به. وقوله رحمه الله: وفي عاد، قال: أي إهلاك عاد. يعني كذلك آية كما تقدم معنى في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾. أي ما وقع للأمم السابقة من العذاب والعقاب، ومن ذلك ما وقع لقوم عاد. وقوم عاد كانوا في جنوب جزيرة العرب في جهة اليمن. عذبهم الله وعاقبهم بالريح العقيم. بألطف شيء، وكانوا هم أقوى الناس وأشدهم. حتى قالوا: من أشد منا قوة؟ ومع ذلك عذبهم الله بالهواء اللطيف الذي ما يظن الإنسان أن الهواء يكون به العذاب. وهكذا حكمة الله سبحانه وتعالى وعقابه. لما قال فرعون: ﴿هَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ مغترا متعاليا، جعلها الله تجري من فوقه، وعذبه وعاقبه وجعله آية لذاك التعالي والكبر. ولما كان قوم عاد تعالوا بالقوة والشدة، عذبهم الله بألطف شيء لا يتوقع منه العذاب، وهو الهواء الذي فيه من النسيم والليونة والرطوبة ما لا يتوقع منه العذاب. فأهلكهم الله عز وجل بالريح. وهذا هو قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. وقال: هي التي لا خير فيها، لأنها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر، وهي الدبور. وقوله: وهي الدبور، هكذا جاء في البخاري ومسلم من حديث ابن عباس، كما أشار بالتعليق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور». والدبور هي الريح التي تأتي من الجنوب. ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله خير هذه الريح وخير ما فيها إذا هبت. والغالب أن الرياح التي تهب من الجنوب تكون رياحا عاتية مهلكة. قال: ما تذر من شيء، يعني قال: نفس أو مال. وهذه النكرة الأصل أنها تفيد الإطلاق، ولكن يستثن منها ما لم يقصد بالسياق. لأن المقصود هو العقوبة والعذاب، والعقوبة والعذاب تقع في النفس والأولاد والأهل والمال. وهذا هو الذي وقع أن الله عز وجل لم يبقي منهم شيئا ولا لمن بعدهم من ينتفع به. وهذا قوله: أتت عليه إلا جعلته كالرميم، يعني كالرفات البالي المتفتت الذي لا يمكن أن ينتفع منه بشيء. وقوله: في ثمود، كذلك يعني من قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾. كذلك هذه الآية ما أهلك الله عز وجل به قوم ثمود، وما وقع لهم من عقوبة الله عز وجل بهذه الصيحة. وقوله: إذ قيل لهم: تمتعوا، قال: أي إلى انقضاء آجالكم. كما في آية: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. أي أن الله عز وجل أوحى إلى نبيه ورسوله أن يمهلهم ثلاثة أيام بعد أن كفروا وأصروا على الكفر وعاندوا. فعتوا، يعني لم يبالوا بهذا الإمهال ولم يرجعوا، بل استهزأوا بهذه المدة. فعاجلهم الله عز وجل بالعقوبة. فهذا هو قوله: فأخذتهم الصاعقة، قال: بعد مضي الثلاثة أيام، أي الصيحة المهلكة. والصاعقة هي الصيحة المهلكة التي ارتجفت منها الأرض، فكان بها إهلاك قوم ثمود. وكان قوم ثمود في جهة الشمال، وهو ما يسمى اليوم بالحجر. وكذلك طريقهم معروفة، مر بها النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمر بطريقه إلى تبوك. وهي معروفة اليوم ديار ثمود في طريق السائر إلى جهة تبوك، ويسمى اليوم العلا. قوله: وهم ينظرون، يعني بالنهار. قال: أي بالنهار. يعني أن هذا الإهلاك كان فيه آية أخرى، وهو أنه كان في النهار. فما استطاعوا من قيام، قال: أي ما قدروا على النهوض حين نزول العذاب. يعني ما استطاعوا يفروا من هذا العذاب. وما كانوا منتصرين، يعني على من أهلكهم. ومعناه: أنه كان مبهتا له يرونه بأعينهم، ولا يستطيعون الفرار منه. لا يستطيعون الفرار منه، ولا كذلك دفعه والانتصار. ثم ختم بقصة نوح عليه الصلاة والسلام. وقوم نوح من قبل، إنهم كانوا قوما فاسقين. كذلك أي في قوم نوح ترك الله عز وجل فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم. فقوم نوح كذلك عذبهم الله بكفرهم ومعاندتهم وتكبرهم على نبيهم. فكان هذا العذاب. وهذا هو العطف لما قال: وقوم نوح من قبل، عطف على ثمود. أي في الإهلاك. وبالنصب، قال: وأهلكنا قوم نوح. والمعنى بالآيتين أو بالوجهين في القراءتين: أن قوم نوح أشبه ما يكون بما أصاب قوم ثمود. فجمع لقوم نوح العذاب بالماء والعذاب بالصيحة والصاعقة. وهذا هو الواقع. قوم نوح وقع فيه إعصار لا يعرف في تاريخ البشرية مثله. ففاض الماء وارتجت الأرض حتى هلك كل من في الأرض. فهو عذاب شديد كبير عظيم. وهذا هو قوله سبحانه: ﴿قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. أي أهلكهم عذبهم بسبب عصيانهم. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. السلام. شكرا للمشاهد. شكرا للمشاهد. شكرا للمشاهد. شكرا للمشاهد.