الدرس في تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع الأول تفسير الآيات من سورة التحريم التي نزلت في معاتبة النبي لأزواجه حفصة وعائشة. يشرح سبب نزول الآيات ودلالتها على تأديب المسلمين.
يتناول المقطع الثاني تفسير الآيات في سورة التحريم، خاصة الآية الثالثة، ويشرح سبب نزولها في قصة تتعلق بالنبي محمد وبعض زوجاته. يُفصّل الروايتين ويُظهر صحتهما.
يتناول المقطع الثالث تفسير الآيات التي نزلت في حادثة تحريم النبي لما أحل الله له، ويبرز أهمية التوبة والرجوع إلى الله والتحذير من حظوظ النفس والشيطان.
يشرح المقطع الرابع معنى قوله تعالى ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، ويبين أن الله تعالى ينصر أولياءه وأنبياءه، وأن الظالم لا تكون له عاقبة حسنة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا، فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض، فلما نبأها به قالت: من أنبأك هذا؟ قال: نبأني العليم الخبير، إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما، وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين، والملائكة بعد ذلك ظهير. قال المفسر رحمه الله: واذكر إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه، هي حفصة، حديثًا، هو تحريم مارية، وقال لها: لا تخبري، فلما نبأت به عائشة، ظنًا منها أن لا حرج في ذلك، وأظهره الله - أطلعه عليه - على المنبأ به، عرف بعضه لحفصة، وأعرض عن بعض، تكرمًا منه، فلما نبأها به قالت: من أنبأك هذا؟ قال: نبأني العليم الخبير - أي الله - إن تتوبا - أي حفصة وعائشة - إلى الله فقد صغت قلوبكما، مالت إلى تحريم مارية - أي سركم ذلك - مع كراهة النبي صلى الله عليه وسلم له، وذلك ذنب، وجواب الشرط محذوف - أي تقبلا - وأطلق قلوب على قلبين، ولم يعبر به لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة. وإن تظاهرا - لإدغام التاء الثانية في الأصل في الظاء - وفي قراءة بدونها - تتعاون عليه - أي النبي - فيما يكرهه، فإن الله هو - ضمير فصل - مولاه - ناصره - وجبريل وصالح المؤمنين - أبو بكر وعمر رضي الله عنهما - معطوف على محل اسمي "إن" فيكونون ناصره، والملائكة بعد ذلك - بعد نصر الله والمذكورين - ظهير - أعوان له في نصره عليكم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فما زلنا في هذه الآيات العظيمات المليئة بالحكم والأحكام، وفي هذه الآيات تبع لما قبلها بسبب نزولها، معاتبة وتأديب لمن وقع منه هذا الأمر الذي كان سببًا في تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لما أحله الله. وقد مر معنا أنه رويت روايتان صحيحتان في سبب نزول هذه الآيات، أول هذه الآيات من سورة التحريم، فالسبب الأول كما مر معنا هو تحريمه للعسل الذي شربه في بيت زينب رضي الله عنها وأرضاها، بسبب تواطؤ حفصة وعائشة رضي الله عنهما، مما يقع من غيرة النساء الذي لا يسلم منه أو لا تسلم منه امرأة إلا أن يشاء الله. والرواية الأخرى في تحريمه لمارية أم إبراهيم رضي الله عنها وأرضاها، كذلك في قصة مع حفصة وعائشة رضي الله عن جميع أمهات المؤمنين والصحابة أجمعين، وعلى كلا الروايتين المعنى واحد، وهو المطلوب عدم التواطؤ في المكايدة في الإضرار بأحد. فالمسلم أخو المسلم، وعدم كذلك الإضرار بمنع أحد من حق هو له شرعه الله، وكذلك عدم تحريم ما أحل الله سبحانه وتعالى بسبب الأخبار التي لم يتثبت منها، وكل هذا وما كان بمعناه مقصود في نزول هذه الآيات، فهو تأديب وتربية للمسلمين عمومًا، وهذا هو المقصود من هذه الآيات وهذه السورة. وإيرادها وشرع الله سبحانه وتعالى مليء بالأحكام والحكم والمحاسن ومواضع الجمال والكمال، وهذا منهم، فإن أهل الإسلام لم يتركوا تتلاعب بهم عواطفهم ويجرهم الشيطان إلى ما يشتهون، بل أدب الله عز وجل عباده المؤمنين بهذا الشرع الحكيم. فلم يغفل عن صغير ولا كبير مما يحتاجه الناس مما يكون به كمال عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم ومنهاجهم وأخلاقهم وسلوكهم، إلا وأنزل لهم سبحانه وتعالى أحكامًا حكيمة فيها من التشريع المتين، وكذلك الأحكام المتقنة الكفيلة بإصلاح هذا الإنسان في دنياه وفي آخرته، ومن ذلك هذه الآيات. وقوله سبحانه وتعالى في الآية الثالثة من سورة التحريم: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾، قال المفسر رحمه الله: حفصة، على ما جاء في رواية قصة مارية أم إبراهيم، رضي الله عن جميع أمهات المؤمنين والصحابة أجمعين، وعلى الرواية الأخرى أنها عائشة، وعلى كل الروايتين تكون القصة نزلت أو الآيات نزلت في القصتين. والروايتين جميعًا، ولا تعارض في ذلك أن تكون وقعت قصة فلم ينزل الله عز وجل شيء، ثم وقعت القصة الثانية فأنزل الله عز وجل هذه الآيات في القصتين جميعًا، وهذا هو الراجح، وترجيح أكثر أهل العلم في سبب نزول هذه الآيات، أي أن الآيات نزلت في القصتين جميعًا، وكل القصتين والروايتين صحيحة، فيكون قوله: يا حفصة، على أحد الروايتين، وعلى الرواية الأخرى عائشة. ولهذا لم يذكر أكثر المفسرين التعيين، فقالوا: وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا، قالوا: عائشة أو حفصة، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾، كذلك على كل الروايتين، إما عائشة وإما حفصة، فقوله: عائشة، أخذ بأحد الروايتين وترك الرواية الأخرى، والصحيح أن كل الروايتين صحيح ويعمل بهما جميعًا. وقوله رحمه الله: ظنًا منها ألا حرج في ذلك، يعني إذ أسرت هذا الكلام ولم تظن أنها فعلت شيئًا خطأ، فأنزل الله عز وجل هذا القرآن ليكون به تربية المسلمين عمومًا، ومن وقعت منه القصة خصوصًا على ما فيه الحق والهدى. وأظهره الله، قال: أطلعه، واختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فإن مبنى أظهر أبلغ وأعلى من أطلع، فالإظهار معناه إخراج الشيء من الخفاء، وليس إخراجه فقط، بل على وجه فيه زيادة في البيان والوضوح، وهذا هو الإظهار، فهو إطلاع بشيء من زيادة الإيضاح والبيان. ولهذا لم تقتصر هذه القصة على ما وقع على من وقع فيه، بل ظهر لكل المؤمنين، وصار يتلى إلى يوم الدين، ففيه آية وعظة وعبرة، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، قال: على المنبأ به، وهذا أحد التفسيرين، والتفسير الآخر أنه أظهره الله للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فيكون إما المعنى لمن ظلم وخضم أظهر الله عز وجل له حقه، وعلى الرواية الثانية وعلى التفسير الآخر النبي صلى الله عليه وسلم الذي حرم بسبب خبر غير صحيح، وهكذا كذلك ما بعده في قوله: ﴿عَرَفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾، عرف كذلك قال لحفصة، وهذا كذلك على الروايتين كما تقدم. وأعرض عن بعض كذلك، هذا البعض قد يكون حفصة أو عائشة، وقوله: تكرمًا منه، أي أنه لم يؤد بالمعاتبة، فاكتفى بإخبار واحدة ولم يخبر الثانية، وهذا من أدبه عليه الصلاة والسلام ورفقه صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل القرآن ليظهر بذلك خطأ الاثنتين جميعًا. قال: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾، يعني استغربت كونه شيء حصل فيه إسرار، ومع ذلك بلغ النبي صلى الله عليه وسلم، وهي على يقين أن صاحبتها لا يمكن أن تخرج هذا الخبر، لأن الضرر سيكون عليهم جميعًا. فقال: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾، أي الله سبحانه وتعالى، وإيراد اسم العليم والخبير في هذا الموضع لبيان سعة علمه سبحانه وتعالى، فله الأسماء الحسنى والصفات العلى سبحانه وتعالى، والخبير لما خفي من العلم. والمعنى لم يخف على الله عز وجل هذا الأمر الذي حصل به الإسرار، فأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم، وما هو الواجب التوبة إلى الله والرجوع إليه، لأنه لا يخفى عليه شيء، والواجب الاستجابة لأمره والوقوف عند حدود شرعه. ولهذا أتبعت الآية بقوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، أي حفصة وعائشة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل من وقع أو همت نفسه أن يقع في مثل هذه القصة ومعناها، فينبغي أن يتذكر أن الله مراقب له. وأن الله لا يخفى عليه من أمر الناس شيء، ولو كان سرًا، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا سبحانه وتعالى، وقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، قال: مالت إلى تحريم مارية. والمقصود أن الشيطان جر من فعل هذا الفعل أو يريد أن يفعل مثل هذا الفعل إلى هوى النفس وحظها الذي حذرنا الله عز وجل منه، فالنفس أمارة بالسوء، ففيه التوبة من حظوظ النفس وهمومها التي تدفع إلى السوء. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَتُظَاهَرَا﴾، قال: بإدغام التاء الثانية في الأصل في الظاء، يعني تظاهر، وتظاهر حصل فيه إدغام، والقاعدة عند أهل الصرف إذا تقارب المبنى في الحرف الواحد المخرج في الحرف الواحد أضغم أحدهما في الآخر، وحول الآخر من جنس الأول، وهذا كثير. ومنه هذا الموضع، ومنه قوله: تتعاون - أي تفسير لتفسير لمعنى تظاهر - والتظاهر تعاون مع الحرص على الغلبة، وهذا أكثر ما يقع بين الضرائر والشركاء والخلطاء، حتى بين الإخوة والأخوات مما ينزغ به الشيطان. والمقصود أن في هذا تنبيه إلى العلة التي لأجلها وقع الإنسان في مثل هذا الذنب أو يقع الإنسان في مثل هذا الذنب، إذن احرص على كسر ما في قلبك ونفسك من حب الظهور، كما قيل: حب الظهور يقسم الظهور، فهذا هو السبب كونهما تريدان أن تحظيا بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من المرأتين الأخرين. فهذا الذي أوقع، إذن حذر الله عز وجل من هذا السبب وهذا الفعل، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، قال: ضمير فصل، وكما مر معنا أن ضمير الفصل له فوائد بالإتيان به، ومن فوائده يفيد الحصر، وفيه تأكيد وصف المبتدأ بالخبر. وقوله: مولاه ناصره، وهذا تفسير ببعض المعنى، لأن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالأصل أن المولى أعظم فيه معنى النصرة والزيادة، وقوله: وجبريل وصالح المؤمنين، مر معنا أن جبريل قرئ بقراءتين: جبريل وجبرائيل، فحمزة والكسائي وخلف في كل القرآن قرأوا جبرائيل، وقرأ الباقون جبريل. وصالح المؤمنين، قال: أبو بكر وعمر، وفيه قصة رواها الإمام أحمد، قيلة من حديث ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه، كذلك توضح ما في نزول هذه الآيات، وخلاصتها تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه، وحين وقع أن بعض نسائه يهجرن النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذن من طباع نساء المدينة ما لم يكن من نساء مكة، والقصة فيها طول، والخلاصة أن آيات نزلت فيها تأكيد التوبة مما فيه تعدي على الحقوق، ومن ذلك الجفاء مما يقوم من المرأة مع الزوج. وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، يعني كذلك أعوان، كما قال رحمه الله في نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرة الحق، ولذلك تجد الظالم لا تكون له عاقبة حسنة، بل عاقبة سيئة في الدنيا وفي الآخرة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.