تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 1

تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 1

الدرس في تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

سبب نزول سورة التحريم وتفسير الآيات الأولى

سورة التحريم مدنية وتتناول أحكامًا وحكمًا عظيمة للمسلمين، سبب نزولها يختلف فيه أهل العلم بين تحريم النبي لامرأة أو العسل. تفسير الآيات يشمل تحريم ما أحل الله للنبي ووجوب كفارة اليمين.

تحريم النبي لما أحل الله له ووجوب كفارة اليمين

نزلت الآيات في تحريم النبي لما أحل الله له، وتعلمنا أن من حرم على نفسه شيئًا مما أحل الله فعليه كفارة يمين. الآية تشير إلى وجوب الرجوع عن الخطأ وعدم تحريم ما أحل الله.

تفسير معنى التحريم واليمين وفرض الله تحلة الأيمان

يفسر الشيخ الآية الكريمة ويشرح معنى فرض الله تحلة الأيمان، ويبين أن التحريم يعتبر يمينًا ويستوجب كفارة اليمين. كما يبين أن الحلف بالطلاق لا يجوز ويعتبر ظلمًا ويستوجب التوبة وكفارة اليمين.

الدعاء بالفقه في الدين وختام الدرس

المقطع يؤكد علم الله تعالى بما يصلح خلقه، ويدعو الله أن يفقهنا في شرعنا ويدينا. يختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال المفسر -رحمه الله-: سورة التحريم مدنية، 12 آية. بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ من أمتك مارية القبطية، لما وطئها في بيت حفصة، وكانت غائبة، فجاءت وشق عليها كون ذلك في بيتها وعلى فراشها، حيث قالت: «هي حرام علي»، ﴿تَبْتَغِي بِتَحْرِيمِهَا مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ أي رضاهم، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفر لك هذا التحريم. ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ تهليلها بالكفارة المذكورة في سورة المائدة، ومن الأيمان تحريم الأمة. وهل كفر النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال مقاتل: أعتق رقبة في تحريم مارية، وقال الحسن: لم يكفر؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- مغفور له. ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ ناصركم، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. أما بعد، هذه سورة التحريم، سورة مدنية كما ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى-. ويدل سياق الآيات مع أسباب نزولها أنها من السور المدنية. وفي هذه السورة عدد كذلك من الأحكام والحكم العظيمة التي فيها من التعليم والتأديب للمسلمين الشيء الكثير. فأول هذه السورة استفتحت بالبسملة كسائر السور، وقد تقدم الكلام على ذلك، وأن الراجح من أقوال أهل العلم في البسملة أنها آية يستفتح بها السور إلا سورة براءة. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ اختلف أهل العلم بالتفسير في سبب نزول هذه الآية لاختلاف ما روي في سبب نزولها. وقد جاء في البخاري وغيره من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مكث عند زينب وأكل عندها أو شرب عسلًا، فوقع في نفس عائشة وحفصة -رضي الله عنهما- من غيرة النساء التي لا يسلم منها البشر. وجاء في معنى الحديث أن عائشة وحفصة تواصيا -يعني للتنفير من البقاء عند زينب والأخذ من العسل الذي عندها- كأنهم بَخِلوا بهذا الوقت أن يكون لزينب دون الأخريات. فلأجل أن ينفروا من هذا العسل تواطأتا أن يقولا: إنهما وجدا ريحًا كريهة مما أكل أو شرب. وقد علمتا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- شرب عسلًا عند زينب ابنة جحش -رضي الله عنها-. فقالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنا نجد منك ريح مغافير، هل أكلت مغافير؟» وقالت الأخرى مثل ذلك. فأجاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا، بل شربت عسلًا عند زينب». ولما تواطأتا على هذا الكلام حرم على نفسه أن يشرب من هذا العسل. والمغافير: المغافير نوع من الأشجار إذا أكلته النحل جعل عسلها فيه رائحة كريهة. فلما حرم على نفسه ذلك نزلت هذه الآية. وفي حديث آخر خارج الصحيح من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنهما- بأسانيد يشد بعضها بعضًا وترتقي إلى الحسن: أن الآيات الأولى في سورة التحريم نزلت في تحريم النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته مارية القبطية أم إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-. وقد اختلفت الروايات في سبب ذلك، لكن اتفقت الروايات أن الآيات نزلت في تحريم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأسر بذلك لبعض نسائه ولم يخبر البعض الآخر. وسبب ذلك كذلك اختلف فيه. فمن تلك الأسباب ما ذكر المفسر -رحمه الله- هنا: أنه وطئ أمته في بيت بعض نسائه، فوقع في نفسهن، فذكروا له شيئًا ينفره من مارية -رضي الله عن جميع صحابة المؤمنين، صحابة النبي عليه الصلاة والسلام-. فكان بعد ذلك أن نزلت هذه الآيات التي فيها تعليم لهذه الأمة بتعليم النبي -صلى الله عليه وسلم- أولًا بعدم تحريم ما أحل الله، وثانيًا: أن من وقع في شيء من ذلك وكان الصواب عدم تحريم ذلك؛ لأنه مما أحله الله إباحته، فيرجع بتكفير كفارة اليمين. وهذا ما أشار إليه -رحمه الله- بقوله بعد ذلك: بأن المذكورة في سورة المائدة، يعني قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ثم ذكر بعدها حكم كفارة اليمين، فدل على أن من حرم على نفسه شيئًا فإنه يكفر كفارة يمين. وهنا كذلك: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فسمى التحريم يمينًا. والله مولاكم، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. فعلي بذلك أن من حرم على نفسه شيئًا فيكفر كفارة يمين. فلو قال الإنسان وقت غضب: «والله ما أدخل بيت فلان»، فإنه يكفر كفارة يمين ويدخل بيت فلان ما دام أن هذا من القطيعة التي لا يحبها الله. أو قال: «حرمت على نفسي أن أدخل بيت فلان»، كذلك حكمها مثل قوله: «والله لو قال حرمت أن أدخل بيت فلان»، فيكفر كفارة يمين؛ لأن هذا من تحريم ما أحل الله، بل ما يحب الله؛ فالله لا يحب قطيعة الرحم ويحب صلة الأرحام. وهكذا لو أن إنسانًا قال: «والله لا أكل من هذا الطعام»، أو قال: «حرمت على نفسي هذا الطعام»، اللفظان مختلفان والمعنى واحد. ففي كلا اللفظين كفارة يمين بنص هذه الآيات والأحاديث التي جاءت بسبب نزولها. وهكذا كذلك آية سورة المائدة. وقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ فيه إشارة إلى أن هذا تعليم للنبي -صلى الله عليه وسلم- والأمة من باب أولى؛ والأمة من باب أولى. فإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقر على هذا الفعل، وهو أتقى الناس وأحب الناس إلى الله سبحانه وتعالى، فهو خليل الرحمن، فكيف بمن دونه؟ ومعناه: أن الإنسان إذا أخطأ فقال في وقت غضب واندفاع العواطف شيئًا فيه تحريم لما أحله الله، فإنه ينبغي عليه أن يرجع عن هذا الخطأ ويرجع إلى الصواب الذي يحبه الله، وهو عدم تحريم شيء أحله الله، خصوصًا إذا تعلق به حقوق الآخرين، مثل قطيعة رحم أو بعد عن زوجة أو نحو ذلك. وقوله سبحانه: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ يعني بهذا التحريم يرضي بعض الأزواج، وذلك كما جاء في حديث عائشة في البخاري وغيره: أنهن تواطأتا على تلك الجملة، فلأجل أن لا يؤذي أزواجه -أي في الحديث حفصة وعائشة على الرواية البخاري- فتأذيا من رائحة المغافير، وكان الحقيقة أنه ليس في العسل مغافير. وكذلك في القصة الأخرى في تحريمه لوطء مارية، فكذلك هو من هذا المعنى. وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ الرَّحِيمُ﴾ يعني لما مضى، وهذا عام لكل من وقع في هذا الفعل -بشر- أن يرجع عما حرم الله. وقوله سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ﴾، قال: شرع، فرض تأتي بمعاني، ومن معانيها الشرعية، ومن معانيها الوجود. وقالها هنا شرع؛ لأن تحلة اليمين ليس على كل حال واجبة. فلو حرم الإنسان على نفسه شيء يضره، فهل يجب عليه أن يرجع عن هذا التحريم؟ الجواب: لا. لكن إذا كان في شيء لا يضره بل العكس يضره غيره، فهنا نقول: يرجع، بل قد يجب عليه أن يرجع عن هذا التحريم. فإذا التعبير بواجب هو المناسب في هذا الموضع، أو الشرعية؛ الشرعية معناه: أن الله شرع لكم فيمن حرم شيئًا أن يحل هذا التحريم بكفارة اليمين. ثم هو بحسب هذا التحريم، فمنه ما يكون محرمًا، ومنه ما يكون واجبًا، ومنه ما يكون مكروهًا أو مستحبًا أو مباحًا. مثال المحرم: أن يكون التحريم في شيء من الفروج الواجبة، كزوجة أو قطيعة رحم أو نحو ذلك. ومثال الواجب: أن يكون التحريم لشيء محرم، مثلًا الإنسان حرم على نفسه الدخان، فمن حرم على نفسه الدخان فقد حرم شيئًا حرامًا، ولا يجوز له أن يرجع إليه. وهكذا قل في باقي الأحكام. وقوله سبحانه: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فيه دليل على تسمية التحريم يمينًا. وقد استدل جمهور أهل العلم بهذه الآية على تسمية التحريم يمينًا. ولهذا من قال: «حرام علي زوجتي» أو «أهلي أنك تأكل» أو «حرام علي أنك ما تذهب» أو «ما تفعل»، هذا التحريم الأصل فيه كفارة اليمين. لكن إذا نوى معه الطلاق فيكون ماذا طلاقًا، وهذا من الكنايات بالطلاق. أو جرى العرف في بعض البلاد أنه يسمى طلاقًا مثل هذا التعبير، فيكون كذلك طلاقًا. وهكذا كذلك الحلف بالطلاق، الحلف بالطلاق، وهذا أعظم ولا يجوز وظلم. ما ذنب المرأة المسكينة في البيت التي تقوم بحقوقك أن تطلقها لأجل أن تنافس في إظهار مرجلتك وكرمك في ضيافك؟ «والله ما تدفع حرام»، طلاق ما تدفع. وهكذا طلق زوجته على ألف ريال ولا على ألفين ريال، وهذا ظلم كبير لا يجوز. والغالب أن مثل هذا يخرج مخرج التأكيد ولا يخرج مخرج الطلاق. فيقال لأمثال هؤلاء: يكفر كفارة يمين، وعليه التوبة من هذا الذنب والكبيرة التي فعلها، وإنه الطلاق وقع طلاقًا، ويزجر ويؤدب على هذا الفعل؛ لأنه ظلم المرأة في شيء لا تستحق أن تجازى عليه، تكرمه وتقوم بأولاده ويجازيها بأن يطلقها لأجل أغراضه الخاصة. وقوله -رحمه الله-: «ومن الأيمان تحريم الأمة»، ثم قال: «وهل كفر -صلى الله عليه وسلم-؟» قال المقاتل: «أعتق رقبة في تحريم مارية»، وقال الحسن: «لم يكفر؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- مغفور له». والصحيح: أن عدم النقل ليس نقلًا للعدم، الأصل أن الآية خطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- لتحلة اليمين، وتحلة اليمين بايش؟ بالكفارة. والآية واضحة صريحة بأنها خطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم-. والأصل هو هذا العمل بنص الكتاب. ومن ادعى غير ذلك فعليه بالدليل، ولا يوجد شيء صحيح صريح ينفي وقوع ماذا؟ الكفارة. وكونه لم ينقل لا يعني أنه لم يقع؛ على القاعدة: عدم النقل ليس نقلًا للعدم. وهذا هو الصحيح بهذه المسألة. وقوله -رحمه الله-: «والله مولاكم»، قال: ناصركم، والمعنى: استجيبوا لأوامره، وقفوا عند حدوده، واعملوا بأحكامه وشرعه، ومن ذلك في هذه المسألة. وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ختم هذه الآية بهذين الاسمين العظيمين من أسمائه الحسنى المتضمنة لصفاته العليا؛ للتذكير بأن ما شرعه سبحانه وتعالى عن علم وحكمة. وأن الله عز وجل الذي خلق الخلق يعلم ما يصلحهم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا بمور شرعنا، وأن يبصرنا بمور بديننا. وإلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.