شرح خمسون حديثا في العقيدة 4

شرح خمسون حديثا في العقيدة 4

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح أحاديث النبي حول الجهاد والرزق

يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك بشرح حديث "بعثت بين يدي الساعة بالسيف" موضحاً أهمية الجهاد في سبيل الله. كما يبين أن الفاصل الذي يعصم الدم ليس مجرد نطق الشهادة بل عدم الشرك بالله.

أهمية الجهاد في سبيل الله والعقوبة على مخالفة أمر النبي

يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الجهاد والرزق، ويبين أن الرزق يأتي تحت ظل الرمح، وأن مخالفة أمر النبي تؤدي إلى الذل. الجهاد في سبيل الله هو وسيلة للرزق والعزة.

التحذير من التشبه بالكفار وضرورة الوسطية في التعامل معهم

النبي صلى الله عليه وسلم حذر من مشابهة المشركين وأمر بمخالفتهم. الإسلام يأمر باتباع نهج وسطي في التعامل مع الكفار، فيأخذ بما هو حق ويرفض ما يخالف الشرع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الرابع. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو النضر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال: حدثنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم». وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء رقم 269. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وهذا الحديث وإن كان من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وفيه كلام، وقد قال الحافظ: «صدوق يخطئ وتغير بآخره»، إلا أنه قد توبع كما ذكره الطحاوي رحمه الله في مشكل الآثار من طريق الأوزاعي عن حسان بن عطية إلى آخره. وقد حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الإرواء في الجزء الخامس. هذا الحديث كذلك من الأحاديث العظيمة التي تتناول فصولاً مهمة ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها. وبهذا الحديث أربعة جمل. أما الجملة الأولى: قوله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له». وبهذا دليل على أن الفاصل الذي يعصم الدم ليس التوحيد بقول: لا إله إلا الله فحسب، بل بعدم الشرك بالله سبحانه. فمن قال: لا إله إلا الله، وبقي على الشرك، فإنه لا يعصم دمه، بدليل هذا الحديث وما سبق من أحاديث أخرى. فإذا لابد أن يكون توحيداً حقيقياً، وبما فيه ترك الشرك. «بعث بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له»، أي: لا يكون شركاً، لا يكون شركاً. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «بعث بين يدي الساعة» كذلك فائدة: أن مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قريب من قيام الساعة، وكذلك ظهور الساعة. ومر معنا في دروس ماضية أن هذا القرب هو بالنسبة لما مضى من زمان وعمر هذه الدنيا، ليس هذا القرب بالنسبة لعمر الإنسان، ولكنه بالنسبة لعمر هذه الدنيا، فهو قريب. ولهذا جاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت بين يدي الساعة كهاتين»، وأشار إلى السبابة والتي تليها، يعني: ما بينه وبين الساعة إلا كالفرق بين هاتين الأصبعين. ومعناه: أن ما بينه وبين الساعة قريب بالنسبة لما بين هاتين الأصبعين من أصولهما، فبعد كل أصبع عن أصلها بعيد، لكن ما بين الأصبعين قريب. وهذا معنى كل ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام من أنه «بعث بين يدي الساعة»، أي: قريب بالنسبة لما مضى من زمان، وليس معنى أنه يكون قريباً بالنسبة لعمر نفس الإنسان، وإنما لما مضى من زمان. وبهذا الحديث كذلك، وهذه هي الجملة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما بُعث للناس بالحق والهدى والعلم الذي أنزله الله جل وعلا، فإنه كذلك بُعث إليهم بالسيف، أي: أنه يقاتل من لم يستجب لأمر الله جل وعلا. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخير المشركين بإحدى ثلاث: إما أن يسلموا، وإما الجزية، وإما القتال، إحدى ثلاث كما أمره الله جل وعلا بذلك في عدد من آيات كتابه. وكذلك الجملة الثانية من هذا الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي». وهي أن من أعظم أسباب الرزق لهذه الأمة هو الجهاد في سبيل الله. وقد مر معنا في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه فضائل وفوائد الجهاد في سبيل الله. وهذه الفائدة يشهد لها التاريخ، فمن أعظم أسباب الرزق لهذه الدولة المسلمة أنها تقاتل وتجاهد في سبيل الله. فقد فتح الله على المسلمين بالخير الكثير في أوائل هذا الإسلام، ولا زال كذلك في كل دولة تقاتل في سبيل الله وتجاهد في سبيل الله، الجهاد الحق الذي شرعه الله جل وعلا بشروطه المعروفة بأدلة الكتاب والسنة، فإنه باب عظيم من أبواب الرزق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي»، يعني: بالجهاد في سبيل الله. وهكذا كذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري»، أي: أن كل من خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم يجعل له الذل والصغار. والصغار يعني: أنه يصغر أمره، والذل معناه: أنه يهبط ويخضع، فيحصل له المهانة بسبب مخالفته لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى الضد من ذلك كذلك: أنه إذا وافق أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون له العزة ويكون له الرفعة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله». وهذا الظهور ليس هو ظهور السلطان، ولا ظهور كذلك المناصب، ولكنه ظهور الحجة والبرهان. فقد يكون مخالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام من أهل السلطان ومن أهل الجاه ومن أهل المراتب العلية والأموال الكثيرة، لكنه من جهة الحجة والبرهان فإنه ذليل. يذله الله جل وعلا بمخالفته لأمر النبي عليه الصلاة والسلام، صغير يجعل الله عز وجل له الصغار لمخالفته أمر النبي عليه الصلاة والسلام. ولا يزال صاحب الحق في عزة وفي رفعة ما دام معتصماً بأمر النبي عليه الصلاة والسلام. هذا هو المعيار الذي يعرف به أمر الرفعة وأمر الذلة وأمر كذلك الصغار وأمر العزة. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن تشبه بقوم فهو منهم» في أصل عظيم بمخالفة جميع الكفار بأصنافهم من مشركين ومنافقين وكذلك أهل الكتاب. ولحديث في هذا الباب كثيرة جداً عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي: في مخالفة جميع الكفار. بل قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، ونحوها من الآيات بهذا المعنى. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تتبعون سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قالوا: «اليهود والنصارى يا رسول الله؟» قال: «فمن هم إلا هم؟» وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن المسلم والمشرك لا ترى ناراهما»، «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين». فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من مشابهة المشركين في كل شيء حتى في الصلاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التشبه بهم حتى كذلك في الملبس وفي المظهر. قال: «اعفوا اللحى، خالفوا اليهود». حديث ابن عمر في البخاري. وهكذا كذلك قال عليه الصلاة والسلام: «صلوا في نعالكم خالفوا اليهود». وقال صلى الله عليه وسلم كذلك لعبد الله بن عمر حين لبس الثياب الحمر المعصفرة نهى عن ذلك، وقال: «هذا لبس من لا خلاق له». وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي فيها النهي عن التشبه بأفعال المشركين. وقال كذلك: «لا يشبه الزي الزي حتى تشبه القلوب القلوب»، «ومن تشبه بقوم فهو منهم». وهو حديث حسن. وهذه الأحاديث كلها تدل على هذا الأصل وهو وجوب مخالفة أهل الكتاب والكفار والمنافقين وكل من خالف هذا الدين. قال شيخ الإسلام المجددي رحمه الله تعالى في ذكر العلة: أن العلة من هذا التحريم هو أن هذا التشبه في الظاهر يورث التآلف في الباطن. فإن للظاهر أثراً على الباطن. وهذا الحديث قال عنه رحمه الله تعالى: أن ظاهره يدل على كفر من فعل هذا الفعل، لقوله: «فهو منهم». ولولا ما ورد في بعض الأحاديث فقيل: بماذا يكفر فاعل ذلك؟ ففاعل ذلك على خطر عظيم يخشى عليه. فإنه لو فعل ذلك على وجه المحبة الشركية التي نهى عنها ربنا جل وعلا لكانت كفراً. فمثلاً على سبيل المثال: لو أن رجلاً حلق لحيته وهو يعلم أنه عاصي لله عز وجل، مقصر في أمر الله ورسوله، ليس حاله كحال من يحلق لحيته تعظيماً لحلق اللحية، يعني: مستهزئاً، مستصغراً، جاحداً لأمر إعفاء اللحية. فإن هذا الثاني هو يكون كافراً، لأنه جحد حكماً شرعياً واستصغر واستهزأ بحكم من أحكام الله جل وعلا، يقع في الكفر وهو لا يدري. فإذا التشبه بالكفار أمر خطير، ولهذا نهى عنه ربنا جل وعلا في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. وهذا التشبه عام في كل شيء لأن الحديث عام، إلا ما كان فيه منفعة دينية أو دنيوية لا يخالف الشرع. فإن الإسلام لا يرد مثل ذلك، فقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم بعض ما يعمله الكفار إذا كان لا يعارض الشرع، مثل ما حضر الخندق وهو ليس من فعل العرب بل هو من فعل أهل فارس، أخذ بمشورة سلمان رضي الله عنه. وهكذا استخدام المنجنون وما كان يعرف العرب. وهكذا أخذه للخاتم وما كان يعرف العرب. وهكذا كذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم في أشياء كثيرة، وبعده خلفاؤه الراشدون والصحابة رضي الله عنهم أجمعين. فهذا عمر ابتدأ كتابة الدواوين واتخذ كذلك الكتاب وغير ذلك مما فعله ولم يفعله الخلفاء من قبله، وذلك لأن في ذلك مصلحة. وكل ما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين ولم يخالف الشرع فإن الإسلام لا يحرمه ولو جاء من عند الكفار. وبهذا يكون الأمر وسط بين غلو الغالين الذين حرموا كل شيء من الكفار ولو كان حقاً، وبين كذلك تفريط المفرطين الذين أخذوا كل شيء ولو خالف الشرع. والوسط هو بين هذين الأمرين. وبهذا قدر نكتفي، الحمد لله رب العالمين.