القواعد والأصول الجامعة 39

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 39، الدرس التاسع والثلاثون : فيه من قوله ( القاعدة الخامسة عشر ... فأمره صلى الله عليه وسلم بالإحسان حتى في إزهاق النفوس ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح القاعدة 'لا ضرر ولا ضرار'

شرح القاعدة الخامسة عشر 'لا ضرر ولا ضرار' من الحديث النبوي، موضحًا نفي الضرر شرعًا وعدم جواز الإضرار بالمسلم. التفريق بين الضرر والضرار وتطبيقاتها اليومية.

تحريم الإضرار بالآخرين وتطبيقاته

تحريم الإضرار بالآخرين في مختلف السياقات مثل الجار والزوجة والوالدين، مستندًا إلى الآيات والأحاديث. يحرم الإضرار في الطرق والأسواق والشهادة والإرث.

الإحسان وعدم الإضرار كجزء من الإيمان

يناقش مفهوم الإحسان وعدم الإضرار بالآخرين، ويحث على الإحسان في جميع الأمور. كما يبين شمول الإيمان لأعمال مثل إماطة الأذى عن الطريق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة الخامسة عشر «لا ضرر ولا ضرار». قال: وهذا رفض قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رواه أحمد بن ماجة من حديث ابن عباس، والحديث جاء عن عدد من الصحابة، وفي أكثر طرق هذا الحديث ضعف، بل تقريبًا ما من طريق منها إلا وفيه ضعف، لكن بمجموع طرقه هو حديث حسن أو صحيح، ولهذا ذكره الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في «الصحيحة». قال رحمه الله تعالى: فالضرر منفي شرعًا، فلا يحل لمسلم أن يضر أخاه المسلم بقول أو فعل أو سبب بغير حق. وخرج بغير حق ما كان بحق، مثل القصاص. قال: وسواء كان له بذلك نوع منفعة أم لا، أن بعضهم فرق بين الضرر والضرار، فقال: الضرر ما كان له فيه منفعة، والضرار ما ليس له فيه منفعة. مثاله: السرقة نوع من الضرر، أليس كذلك؟ الجواب: بلى، وهو فيه منفعة. وإحراق مال الغير، هل فيه منفعة؟ ما فيه منفعة للذي أحرق، وفيه ضرر على المحروق، فهذا ضرار. على تفسير آخر في التفريق بين الضرر والضرار. وقيل: التفريق بين الضرر والضرار أن الضرر ما كان... لا ضرر ولا ضرار، ذكر التفسيرات منها قالوا: «لا ضرر» أي لا لا ضرر يقع على الشخص، ولا ضرار يقع على الآخرين، بأن تدخل عليه سبب الضرر. فكأن المؤلف رحمه الله ذكر الأول وذكر الثاني كإلماح وإشارة إلى بعض ما ذكره في التفريق بين الضرر والضرار، وكل ذلك منفي بالشرع، بالحديث وبالآيات الكثيرة في القرآن العامة والخاصة، وسيأتي ذكر بعض ذلك إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: وهذا عام بكل أحد، كل أحد لا يجوز الضراره ولا الضربه. قالوا: أخص منه أعظم جرمًا إضرار من يجب على الإنسان صلته والإحسان إليه، كالقريب والجار والصاحب ونحوهم، والوالدين ونحوهم. ولهذا كان الإضرار بالأقرب أشد إثمًا. قال: ولهذا قال العلماء: حرم على الجار أن يحدث بملكه ما يضر بجاره. قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من أعظم الدمان أن يزني الرجل بحليلة جاره. الزنا حرام كله، لكنه بحليلة الجار أعظم؛ لأن الجار يتخذك مأمنًا، يتخذك مأمنًا يظن أنك لأجل جوارك له ستكون له كالأخ، وستكون له كالدرع الذي يحميه من أي ضر، وهو كذلك يفعل معك يخلص لك وأنت تخونه ولا تخلص له، فهو يحتمي بك من الأعداء وأنت بعد ذلك تخونه، ولهذا كان الذنب فيه أعظم. قال رحمه الله: ولهذا قال العلماء: حرم على الجار أن يحدث بملكه ما يضر بجاره، يعني حتى لو كان ملكك أنت، لا يجوز لك أن تضر بجارك. يعني مثلًا عندك بيت تريد أن تضرب فيه مسمارًا، ضربت حديدة كبيرة حتى أضررت بجارك. ومر معنا الحديث: حديث «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره»، صح لا يجوز للجار أن يمنع جاره من أن ينتفع بجدار مشترك بينك وبين الجار. بينك وبين جارك جدار مشترك، تريد تضرب مسمارًا، سمعت صوت المسمار فدق عليه الباب، انتبه لا تضرب أي مسمار في الباب في الجدار، أو يريد أن يضرب خشبة، كأنهم من قبل يعلقون أمتعتهم على الخشب، يحفر قليلًا في البيوت من طين، يحفر قليلًا ويغرز خشبة ويعلق عليها ما يحتاج من مصباح أو أمتعة أو ثياب أو أي شيء. لكن إذا كانت هذه الخشبة فيها إضرار بجاره، جدار ضعيف هزيل وهو يعلق خشبة لأشياء ثقيلة، فهذا لا شك أنه من الإضرار بالجار، ولو كان البيت بيته والملك ملكه، فإنه لا يجوز الإضرار بجاره ولو في ملكه. قال: ويحرم أن يجعل في طرق المسلمين وأسواقهم ما يضر بهم من أحجار وأخشاب أو حفر أو غيرها، إلا ما كان فيه مصلحة لهم. وفي الحديث الصحيح: «من ضار مسلمًا ضاره الله». وأنا ما أعرف بهذا اللغة، لكن معناه صحيح. معناه صحيح. أحد عنده تعليق في الحديث؟ قالوا: «من ضار مسلمًا ضاره الله»، طيب وهو هذا اللغة ضعيف فيه ضعفين. قالوا: من أشد أنواع الضرر مضارة الزوجة والتضييق عليها لتفتدي منه بغير حق. معنى تفتدي منه يعني تطلب الطلاق وتطلب الخروج من هذا النكاح وهو لا يطلقها. إيش المقصود من هذا؟ المقصود من هذا أن ترد له المهر، هو لا يريد المرأة تذهب من دون أن ترد له المهر، إذن يضيق عليها ينكد عليها في حياتها حتى تكرهه فتطلب منه الطلاق ولا يطلق إلا أن ترد له مهره. قال: كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ بأي نوع من أنواع مضارة. وإنما الأعمال بالنيات. وأما أن تقول المرأة مثلًا إذا أمرها بالحجاب ونهاها عن الأعراس المحرمة ونهاها عن الاختلاط بأن هذا يضر بي وهذا يفعل بي ما يكرهني فيه، فهذه حجة غير صحيحة. فالعبرة بالشرع، الضر يوزن بالشرع، يميز الضرر من غير الضرر بالشرع والعرف. قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ يعني إذا ما لك حاجة في زوجتك وهي لا تريدك فطلقها، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. أما أن تمسكها للإضرار بها حتى تفتدي فهذا لا يجوز. طيب متى يجوز الافتداء؟ إذا كان لا يجوز أن تطلق لا يجوز أن تمسك بل يجب أن تطلق ولا تضر بزوجتك إذا أرادت الطلاق. فمتى يجوز الافتداء؟ يجوز الافتداء إذا كانت المرأة طلبت الطلاق في غير ما ضرر تضرها به أنت، ترى نفسك ما ضررتها بشيء أبدًا وهي طلبة الطلاق وأنت تريدها لا تريد أن تطلق وأبت إلا أن تطلق وأنت أردت أن تبقيها لعل الله يشرح صدرها للبقاء. أو كذلك إذا كانت هي التي أضرت بالزوج كلفته مهرًا كثيرًا ثم بعد ذلك أرادت الطلاق لغير ما بأس ظاهر أو لأمر مشتبه فيجوز له أن يأخذ حقه. قال: ومضارة أحد الوالدين للآخر من جهة الولد كذلك لا يجوز أن يضر الأب بالأم ولا الأم بالأب لأجل الولد. قال: كما قال تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ يعني لا يجوز حصول الضرر، لا أحد يضر الآخر لأجل الولد. فهذه الأدلة تدل على نفي الضرر في الشرع. قال: وقال تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. قال: يحتمل أن الفعل مبني للفاعل فيكون الكاتب والشهيد منهيين عن مضارتهما لصاحب الحق بأي ضرر يكون، مذل أن يكذبا. الكاتب والشهيد لا يجوز لهما أن يدخلا الضرر على أصحاب الحق. وكذلك قد يكون العكس. قال: ويحتمل أن يكون مبنيًا للمجهول فيكون صاحب الحق منهيا عن مضارته لأحدهما. وكل ذلك صحيح، يعني لا يجوز لصاحب الحق أن يضر بالكاتب والشهيد لأجل أن يغير وبدل شهادته أو يكتم ما كتب ونحو ذلك لا يجوز هذا. وأكثر هذه الأمثلة تدخل فيما سبق مما يدخل في القاعدة الكلية العامة «الضرر يزال». قال: ومن ذلك إضرار مورث لبعض ورثته أو إضرار الموصي في وصيته. مثال إضرار المورث لبعض ورثته: كان يطلق في مرض الموت يريد بذلك حرمان الزوجة من الإرث. والقول الصحيح من أقوال أهل العلم أن الزوجة ولو طلقت إذا طلقت مع وجود قرينة ومضنة أن الميت أراد أن يحرمها من الإرث، الصحيح أنها ترد، يعامل بخلاف قصده لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات»، ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك: «ليس للقاتل من الميراث شيء». فالقاتل كما أنه ليس من الميراث شيء، فالشرع لا يفرق بين مجتمع، فكذلك قال العلماء: يقاس عليه إذا طلق الرجل زوجته ودلت القرينة أنه يريد الإضرار بها ومنعها من الإرث، فالصحيح أن الإرث يقع. قال: أو إضرار الموصي في وصيته كذلك. مثال إضرار الموصي في وصيته، والأمثلة كثيرة من الأول والثاني. مثال إضرار الموصي في وصيته أن يوصي بأكثر من الثلث أو يوصي لبعض الورثة، فهذا لا يجوز، وقد نص الشرع على إبطال هذا النوع من الوصية «لا وصية لوارث»، وهكذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الثلث والثلث كثير». قال: كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرِ مُضَارٍ﴾. قال: فكل ضرر أوصله إلى مسلم بغير حق فكل ضرر أوصله -هذه كلمة واحدة عندي مفصلة- أو صلة أو بعيد من صلة، أنا عندي كذا لكنه خطأ في الصواب. فكل ضرر أوصله إلى مسلم بغير حق ومحرم داخل في هذا الأصل. قال: وكما أن الإنسان منهي عن الإضرار فإنه مأمور ومرغب في الإحسان بجميع أنواعه. كما قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة». حتى القاتل المعتدي الظالم إذا أريد القصاص منه فيقتل بقتلة حسنة، لا يشنع بقتله، بل يقتل قتلة حسنة، يعني يعجل بقتله. وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، ذبيحة ستأكلها لا تعبث بها ولا تعيبها. حتى تروي عن بعض السلف ابن عباس أن من تعذيبها أن تريها السكين، فقال بعضهم: أتريد أن تميتها ميتتين، يعني تريد أن تجعلها تموت مرتين، المرة الأولى ترى السكين وترى أختها تذبح أمامها، ثم تذبحها بعد ذلك. فمن الإحسان إليها أن لا تريها السكين، لا ترهبها ولا تخيفها ولا تذبح أختها أمامها، بل تستر أختها ذبح، فهذا من الإحسان. قال: «وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته»، ليس من الإحسان أن تذبح بسكين ليست حادة، بل تذبح بسكين حادة. وليرح ذبيحته يعني في الذبيحة لا تجعلها تتألم كثيرًا. قال: رواه مسلم من حديث شداد بن أوس. فأمر صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالإحسان حتى في إزهاق النفوس، حتى في إزهاق النفوس بحق أمرنا بالإحسان بذلك. وهذا الباب واسع وكثير، ومر من كلام المؤلف رحمه الله ما يدل على هذا المعنى، فمثلًا منه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلى قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». حتى إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، ومن الإحسان الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم.