الدرس في كتاب الجنائز 18، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل تحريم زخرفة القبور وتسريجها، مبينا أنها منهي عنها شرعا لما فيها من الإفتتان وتعظيم القبور وتشبه باليهود والنصارى. كما يشرح وجه الدلالة من الأحاديث النبوية في النهي عن تشييد المساجد وتزيين القبور.
يتناول هذا الفصل تحريم إيذاء القبور والأموات وسبهم، ويستدل بالأحاديث النبوية على ذلك. كما يشرح معنى التعزية المشروعة للمصاب وطرقها الحسنة.
يناقش هذا الفصل التعزية وأحكامها الشرعية، ويشير إلى أن بعض الممارسات الشائعة في التعزية مخالفة للسنة النبوية وتشبه عادات الجاهلية. كما يوضح كيفية التعزية المشروعة عند المصيبة وأهمية الصبر وتوجيه المعزّي للمتألم بما يخفف عنه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: ويحرم اتخاذ القبور مساجد، وهذا قد مر معنا أحاديث في هذا كثيرة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وأنها على أربعة صور. من يذكر هذه الصور الأربعة؟ هيا، لقمان. نعم، اتخاذ القبور مساجد صوره: صور اتخاذ القبور مساجد في المسجد، أو فوق القبر. نعم، اثنين. الثالث: يسجد إليه. نعم. الرابع: اتخاذ عبادة عنده بأي نوع من أنواع العبادات. فهذه أربع صور من اتخاذها مساجد. طيب، وقال رحمه الله تعالى: وزخرفتها وتسريجها، كذلك مما يحرم. زخرفة القبور وتسريج القبور، وذكر في شرحه رحمه الله تعالى حديث: «لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج»، حديث ابن عباس، وهو ضعيف كما ذكر رحمه الله، في إسناده أبو صالح باذام، وفيه مقال. وبعض أهل العلم حسن الحديث بمجموع طرقه، كما صنع غير واحد، ومنهم الشيخ الألباني رحمه الله، ففي بعض المواضع حكم عليه، على بعض الطرق، بالحسن، وفي بعضها ضعفها. والحديث وإن ضعف سنده، فمعناه صحيح، وتؤيده نصوص كثيرة، من ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أمرت بتشييد المساجد»، حديث عبد الله بن عباس عند أبي داود. وجه الدلالة: من أن المساجد إذا نهي عن تشييدها، وهي الموضع الذي يتخذ للعبادة الصحيحة، فالقبور من باب أولى أنها لا تشيد ولا تزخرف ولا تزين. والوجه الثاني: أن هذه القبور إذا زخرفت وزينت كان سببا للإفتتان بها ولتعظيمها، وهذا هو الواقع، أن هذه الزخرفة التي تقام على القبور تكون سببا للإفتتان بها. وقد علمنا من الأدلة الشرعية الكثيرة التي سبق بعضها أن الشرع جاء لسد الذرائع المفضية للإفتتان بالقبور. وهكذا كذلك الوجه الثالث في منعها وتحريمها: أن هذه الزخرفة في الغالب لا يكون إلا بالبناء عليها، ما يمكن أن تزخر في القبور وهي تراب، هل ممكن؟ الجواب: لا، لابد أن يقام عليها بناء، أو يقام عليها ألوان ونقش وجص، وكل ذلك قد نهي عنه، كما مرت معنا الأحاديث، أو يبنى عليه تابوت أو نحو ذلك، وكل هذا من البناء المنهي عنه. والوجه الرابع: أن تزيين القبور وزخرفتها هو من سنة اليهود والنصارى، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من تشبه بقوم فهو منهم». وقد أمرنا بمخالفة اليهود والنصارى وعدم التشبه بهم، بل جاء صريحا معناه في حديث أم حبيبة حين أخبرت النبي عليه الصلاة والسلام بكنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من التصاوير، فقال: «أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح اتخذوا على قبره مسجدا، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى». فمن سنة اليهود والنصارى اتخاذ الأبنية على القبور وزخرفتها وتزيينها ووضع التصاوير فيها. فإذا زخرفت القبور، فليس هذا محرمًا فحسب، بل هو في قول بعض أهل العلم من الشرك الأصغر، لأنه ذريعة إلى الشرك الأكبر. وقد مر معنا أن للعلماء في تعريف الشرك الأصغر تعريفان. ما هذان التعريفان؟ ها يا إلياس: أنه ما كان ذريعة إلى الشرك الأكبر ويوصل إليه. والتعريف الثاني: ما ضابطه؟ على التعريف الثاني ضابطه: ما سمي شركا ولم يكن من الشرك الأكبر. فمنهم من قال: الشرك الأصغر محصور معدود، فكل ما سمي شركا في الشرع ولم يكن من الأكبر فإنه من الأصغر. ومنهم من قال: بل هو موصوف وليس محدود محصور، فكل ما كان عندهم ذريعة توصل إلى الشرك الأكبر فهو من الشرك الأصغر كذلك. قال رحمه الله تعالى: وزخرفتها وتسريجها، أي مما لا يجوز. أو وزخرفتها إذا كان معطوفا على مرفوع، وتسريجها كذلك. التسريج: وضع السرج عليها، سواء مصابيح أو شمع أو غير ذلك. ووجه تحريمها كذلك: أنه أولا من معنى الزخرف والتزيين الذي سبق. وثانيا: أنه كذلك فيه مدعاة للاجتماع حول هذه القبور، وهذا الاجتماع منهي عنه، أن لا يتخذ أي النهي عن اتخاذ القبور عيدا، لأن هذا سبب للإفتتان بها. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن لا تتبع الجنائز بصوت ولا نار»، كما مر معنا في حديث جابر بن عبد الله. فمن باب أولى كذلك القبور أن يوقد عندها بشيء من السرج أو النار أو نحوه، لأن ذلك مدعاة للإفتتان بها. والحديث كما قلنا مختلف فيه. قال: والقعود عليها. كذلك القعود على القبور لا يجوز، وهو من إيذاء هذه القبور، لما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخرق أو فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر». خير له من أن يجلس على قبر. والحديث صريح، مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وبحديث: «لا نجلس على القبور أو يصلى إليها». وهكذا كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أن كسر عظم الميت ككسره حيا». ومعناه: أن أذية الأموات كأذية الأحياء، فكما أن الحي ليس من توقيره والاحترام القعود عليه، فإنه كذلك في حق الميت. فالميت له حرمة كما أن للحي حرمة، ولهذا جاء الوعيد الشديد في ذلك. وهكذا كذلك ما ذكره رحمه الله من تحريم سب الأموات، كما قال: وسب الأموات، يعني لا يجوز سب الأموات كذلك. ودليله: قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري وغيره من حديث عائشة، وأشار إليه بالشرح: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا»، يعني لا يجوز أن يسب الأموات، ولا يذكروا إلا بخير، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا. وقوله: «لا تسبوا الأموات»، هل معناه أنه لا يذكر عيبه مطلقا؟ فإن كان كذلك فما الجمع في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنتم شهداء الله في أرضه»، حين مرت جنازة فأثنوا عليها خيرا، ومرت جنازة فذكروها بغير ذلك؟ فالجواب: أن ذكرها على وجه التعيين بما فيه السب لا يجوز. وأما ذكرها من غير ذكر تعيين السب، كأن مثلا يذكر إنسان فيقال: غفر الله له، نسأل الله أن يغفر له، يعني لما كان من سيئاته وما كان من خطيئاته ونحو ذلك، بخلاف الذي يحسن فإنه جزاه الله خيرا عن الإسلام والمسلمين، فعلى شيء عظيم، نسأل الله أن يجعله في ميزان حسناته، أو نحو ذلك من الثناء، فهذا معنى، وذاك معنى غير ذلك. فغير ذلك هو عدم الثناء، هو عدم الثناء. أما تتبع العورة فلا تجوز، إذا كان الميت إذا كان الحي لا يجوز أن تذكر عيوبه، فإن ذلك من الغيبة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن كان فيه ما أقول فقد اغتبته، قال: فإن لم يكن قال: فقد بهدته». فالميت كذلك له حرمة كما أن للحي حرمة، بل حرمة الميت أولى لأنه قد أفضى إلى ما قدم، ولا حاجة لذكر ذلك. أما الحي ربما قد تحتاج، ولهذا استثنى العلماء في الحي استثنى العلماء في الحي بعض المواضع في الغيبة لما فيه مصلحة، مثل الفتوى، ومثل كذلك النصيحة، ومثل استخراج كذلك المظالم ونحو ذلك مما استثناه العلماء. أما الميت فلا، فهذا هو الجمع بين الأحاديث الواردة في الباب، والله تعالى أعلم. فقوله رحمه الله كذلك: والتعزية مشروعة. المراد بالتعزية: أي التعزية على الوجه المشروع، وهو أنك تعين هذا المصاب بهذه المصيبة بالقول وبالفعل، بالقول بأن تصبره، بأن تصبره بما يعينه على الصبر على هذه المصيبة. ولهذا جاءت أحاديث في هذا الباب، وأشار إلى بعضها، وإن كان بعضها فيه ضعف، لكن معناها صحيح، تدل عليه العمومات. وهذا من معنى التعاون على الخير والمؤازرة. ومن ذلك أنك تعزيه بالكلمة المشروعة الحسنة، كأن تقول مثلا: لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده لأجل مسمى، تصبر وتحتسب إن شاء الله. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من دعائه كذلك عليه الصلاة والسلام، كما قال لتلك المرأة: «اصبري»، أمرها أن تصبر حين رآها تبكي على ولد لها أو قريب قد مات، فقالت: دعني أو دعك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي أو كما قالت. فالشاهد: التصبير بالكلمة الطيبة مشروع. وننتبه لبعض الكلمات التي يقولها بعض الناس وفيها خطأ، فيها خطأ في العقيدة، فيها خطأ كذلك في الأدب مع الله سبحانه وتعالى، والاعتداء في الدعاء، مثل قول بعضهم مثلا: البقاء لك، أو أبقاك الله، أو جعلك، بمعنى هذه الأدعية التي يريدون أن يعزوه في الأول، فيقعون بما فيه ربما اعتداء في الدعاء، أو أطال الله في عمرك ونحو ذلك. فمثل هذا كما مر معنا أنه من الاعتداء في الدعاء، فالله سبحانه وتعالى قد قدر الأعمار، قد قدر الأعمار، فكيف تدعو بطول العمر؟ وقد أنكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك، كما مر على أم حبيبة حين دعت بهذا الدعاء: «اللهم متعني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأخي وبأبي»، الحديث. وهكذا كذلك من التعزية التي يقع فيها الخطأ: اجتماع الناس في التعزية على ما يفعله الناس في هذا الزمان، يجتمعون في اليوم الثالث أو السابع، أو يجتمعون في مكان معين، فيكون بذلك كما ذكر غير واحد من أهل العلم: زيادة المصيبة على صاحب المصيبة، من كثرة التكاليف، ومن كذلك استمرار الحزن. لكن تكون التعزية حيث تيسر، إن وجدته في السوق، إن وجدته كذلك في المقبرة، أو كانت بينك وبينه قرابة أو مجاورة، لا بأس أن تمر به على بيته. أما أن يحدد يوم معين: غدا الثالث في بيت فلان، أو يعلم في الجرائد أن فلان ستكون تعزيته في الساحة ساحة العروض أو في كذا وكذا تعزية، ويعمل لها مثل هذه التكاليف، وهذه المخاسير التي مع ما فيها من الإسراف، فيها من المخالفة الواضحة للسنة، والموافقة للسنة الجاهلية. ولهذا جاءت آثار في النهي عن ذلك، كما جاء في حديث جرير الموقوف عليه: «كنا نعد اجتماع الناس أي على الميت، وصنيعة الطعام من النياحة»، يعني يجعلون ذلك من النياحة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لماذا؟ لأنه في الحقيقة يزيد بالحزن ويطيل أمره، مع ما فيهم الإسراف والتبذير، وموافقة سنة الجاهلية. وهكذا كذلك أثر عمر حين سأل جرير عن النياحة، وقد مر معنا قريبا، سأله عن ذلك، فقال: ليس عندنا ذلك. فسأله: هل يصنعون ويجتمعون أي عند أهل الميت للطعام أو نحوه؟ فقال: نعم. فقال: ذلك النوح، أو ذلك من النوح. وهذه الآثار حسنها وصححها جماعة من أهل العلم. ومن ذلك ما ذكره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه الأم: أن المآتم، وهو اجتماع الناس على الحال الذي كان في زمانه، أنه ليس من السنة، وذكر أنه يجدد الحزن ويكلف المؤونة، يعني يزيد في مؤونة الناس، هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى. ثم ذكر أثر جرير، وهكذا أثر عن الأوزاعي رحمه الله أنه قال: «الحق أن الجلوس للتعزية على الوجه المتعارف عليه في زماننا مكروه أو محرم». الجلوس للتعزية على الوجه المتعارف عليه مكروه أو محرم، ويريد الذي في زمانه، فماذا عسى أن يقال في الذي في زماننا؟ فالمهم الإنسان يحرص على السنة في هذا الباب، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، نكتفي بهذا القدر، وهذان سؤالان يجاب عنهما سريعا. يقول: عندنا من تسكن على القبور، فمحكم صلاة أهل تلك البيوت في ديارهم التي على القبور. إذا ثبت وتأكد أنها على القبور، فلا تصح الصلاة، ولا يجوز لهم أن يبقوا في هذه البيوت، بل يجب عليهم أن يخرجوا من بيوتهم ويهدموها. فإن كان ذلك لا يمكن لعدم استجابة الأهالي في ذلك، أو يكون الناصح صغيرا والمنصوحون كبار، الذين ينصحون من الكبار الذين ربما ما يستجيبوا لمثل هذا، أتركنا من هذا ونحو ذلك، إذن خفف الشر كيف ذاك؟ بأن تحفر حجرات البيت حجرة حجرة، حتى يتأكد الموضع الذي فيه قبر، يخرج ويدفن في المقبرة، في مقابر المسلمين، حتى تبرءوا من الإثم وتسلموا كذلك، وتصح الصلاة. طيب، هذا يقول: قول: عظم الله أجرك، السنة ما سمعت تأمره بالصبر وتقول له كما قال علم النبي عليه الصلاة والسلام: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده لأجل مسمى». طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم.