الدرس في كتاب الإيمان 8، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول أهمية دعوة الناس إلى التوحيد باعتباره أول واجب على المكلف، مستندًا إلى حديث ابن عباس في الصحيحين حول دعوة معاذ إلى اليمن. يشدد على أن أول ما يدعى إليه الناس هو عبادة الله وتوحيده.
ينبغي للمسلمين الاهتمام بأمر التوحيد أولًا، ثم يأتي فقه الواقع في المرتبة التالية تحت إشراف أهل العلم الشرعي. يجب أن يكون التركيز على الدين أولًا.
يؤكد على أهمية التدرج في تعليم الأحكام الشرعية بحسب الأولويات، مع مراعاة مصالح الناس ودفع المفاسد. يشير إلى جواز كتم بعض العلم إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك.
إذا لم يكن هناك وسط للزكاة، ينظر إلى ما يخرجه المتصدق، فإن أخرج الأفضل رد له الزيادة، وإن أخرج الأدنى دفع الفارق. جاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم توضح ذلك في أسنان بهيمة الأنعام.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام. قال: حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن، قال: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوقى كرائم أموال الناس». قال: أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب لا تأخذ كرائم أموال الناس في الصدقة. أورد المؤلف رحمه الله هذا الحديث من الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم، والتبويب كما تقدم معنا مما اقتبسه مما وضع على صحيح مسلم، والمتن متن الإمام البخاري. وقد ذكر البخاري رحمه الله هذا الحديث في كتاب الزكاة، باب لا تأخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، فقال البخاري رحمه الله: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا روح بن القاسم، عن إسماعيل بن أمية، عن يحيى بن عبد الله بن الصيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس، فذكر الحديث بلفظه. وقوله رحمه الله: باب الدعاء للشهادتين وشرائع الإسلام، أي: هذا مدخل لمعرفة حكم الدعاء للشهادتين وشرائع الإسلام، ومعناه: أنه من أول ما يبتدأ به لهذا الحديث حديث عبد الله بن عباس في الصحيحين. وقد انفرد الإمام مسلم رحمه الله بإيراد هذا الحديث من طريق ابن عباس، عن معاذ رضي الله عنه، قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن»، ثم قال له: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فادعهم إلى الشهادة أن لا إله إلا الله»، الحديث. فيكون الإمام مسلم انفرد برواية هذا الحديث من طريق ابن عباس، عن معاذ رضي الله عنه، فنعلم أن ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قد سمعه ابن عباس من معاذ رضي الله تعالى عنه أرضاه. وفي الحديث مجموعة كبيرة من المسائل، أهمها في هذا الحديث ما بوب به من هذه الأولوية والأولية فيما يدعى الناس إليه، فإن أول ما يدعى الناس إليه هو عبادة الله، وفي رواية البخاري: «أن يوحد الله»، وفي رواية في الصحيحين: «أن يشهد أن لا إله إلا الله»، وكل هذه الروايات تدل أن أول ما يدعى إليه الناس هو التوحيد، فالتوحيد هي الشهادة وهي العبادة. وبه نعرف أول واجب على المكلف، أن أول واجب على المكلف هو توحيد الله سبحانه وتعالى، أن يدعى إلى توحيد الله جل وعلا، وهي دعوة الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعًا، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وما أرسل الله عز وجل من رسول إلا وأول ما دعا قومه، قال: «يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، فإن أول المسائل ينبغي أن يعتنى بها ويهتم بها في الدعوة، وهكذا كذلك في العلم، أمر التوحيد. وبه نعرف ونزن الدعاة إلى الله باعتنائهم بهذه الأولية والأولوية، فالدعاة والدعوات يعرف استقامتها بالاعتناء بهذا الواجب العظيم الذي هو أول الواجبات، ولهذا كان من خصائص الفرق الناجية والطائفة المنصورة الاعتناء بهذا الواجب العظيم وإعطاءه حقه الذي أمرنا به في كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. بينما الدعوات الأخرى ربما صار أولويات تلك الدعوات وأول ما يهتم به أهل تلك الدعوات هو بحسب مبنى تلك الدعوة، لا بحسب ما دعوا إليه في دين الله وشرعه، فإن كانت دعوات سياسية فأول ما يهتمون به السياسة وملحقات السياسة. وإن كانت الدعوة دعوة كذلك مبنية على السياحة في الأرض مع الجهل وعدم العلم، صار من أوائل ما تعتني به تلك الدعوة هو ما يتعلق بهذا المبحث، أو كذلك إن كانت تلك الدعوات دعوات الغلو في الصالحين والوقوع في الشرك وما كان بمعناه من وسائله وذرائعه، فتجدها تبتدئ أمورها بالكرامات ونحوها من هذه المسائل. أو كان الغلو في بعض الصحابة من آل البيت، كانت الدعوة تهتم أول ما تهتم بهذا الباب، فبه تعرف أن هذه الدعوات لم تسلك المسلك الشرعي الصحيح، فضلًا عن غير ذلك مما يكون فيه محادة لدين الله جل وعلا وشرعه. فلذلك ينبغي أن يعتني أهل الإسلام جميعًا أول ما يهتم به ويعتنون به أمر التوحيد، فيولون له الأولوية والأولية في حياتهم، فيما يتعلمون ويدرسون ويعلمون ويدعون. فله الأولية في أمر دعوتهم وتعليمهم ومجالسهم ودروسهم، وهكذا كذلك حتى في المباحث وتقديم الأهم فالأهم، وبه يعرف كذلك أن في هذا الدين واجبات مرتبة بحسب أهميتها وأوليتها. وفيه من المسائل كذلك شيء مما يسميه بعض المعاصرين بفقه الواقع، ويزعمون أنهم تخصصوا به وأنهم أعرف به، وما علموا أن من كان أعرف بالكتاب والسنة وأحفظ وأعلم بهما فهو من أعرف الناس بالواقع. فإن مثل هذا الحديث يعلم الداعي إلى الله ما ينبغي أن يعرفه بإنصاف من دون إفراط ولا تفريط في حال المدعوين، وما ينبغي أن يقدم لهم من أولويات. ولهذا قدم النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب»، أهل كتاب، والناس في هذا المعنى طرفان ووسط، فمنهم من يغلو في هذا الباب حتى ربما جعل الدعوة كلها فقه واقع. ثم جعل فقه الواقع هو الإبحار بعيدًا عن الأصول والثوابت الشرعية التي دعت إليها نصوص الكتاب والسنة، وكان عليه طريق سلف الأمة، بحجة التعرف على الشر للتوقي منه، وبحجة معرفة أحوال الأعداء لمعرفة كيفية الغلب عليهم. ولا يدرون أن بذلك الإبحار البعيد هم خرجوا عن الصراط المستقيم، فدخلوا في دقائق كان من أعظم ما يفرح به الأعداء، إذ انشغلوا بما يضر بالدين لا بما ينفع بالدين. كأولئك الذين ذهبوا يدرسون سياسات الغرب والشرق، فلا هم بالذين عرفوا دينهم فيتمسكوا به، ولا هم بالذين عرفوا دين الأعداء فردوا عليهم، فصاروا كما قال بعض أهل العلم: في قنطرة بين بين، مذهب الكفار المنحرفين ومذهب أهل الحق الثابتين، لا هم بالذين بقوا مع أهل الحق، ولا هم بالذين ردوا على أهل الباطل. فأمثال هؤلاء في الحقيقة ضرهم أعظم من نفعهم، فانشغلوا بالسياسات وانشغلوا بالتوسع في معرفة التاريخ، وليس معنا هذا التزهيد في هذا الباب، لكن معناه أن تعطى كل أولوية ما ينبغي أن تعطاه، وأن يؤخذ كل شيء بحسب الحاجة إليه. أما أن يشغل كل الناس بهذا فهذا ليس من الطريقة العلمية ولا العملية التي سلكها أهل العلم، فضلًا أن ينسب هذا إلى دين الله وإلى طريق السلف الصالح. لا بأس أن يوجد بعض المختصين الذين هم تحت توجيه وكذلك متابعة ومراقبة أهل العلم من علم الكتاب والسنة، يكون هناك بعض المختصين يقومون بسبر العلوم التي تحتاج إلى نقد وتحتاج إلى تفنيد. لكن يكون هذا تحت رعاية أهل الحق، أما أن يكون الحكم والتنظير وكذلك التشريع لأمثال هؤلاء الذين لم يتمكنوا في العلم الشرعي ولم يرسخوا في المذهب السلفي، وهم مع ذلك عرفوا ما عليه الكفار أكثر مما عرفوا من دين الله عز وجل. فكيف ينصرون دين الله وهم جهلوا دين الله؟ يأتي بعضهم مثلًا يتعمق في دراسة التوراة والإنجيل حتى ربما يحفظ نصوصها أو أكثر نصوصها، ولكنه لا يحفظ من كتاب الله إلا الشيء اليسير، فضلًا عن السنة، فضلًا عن كلام أهل العلم. فمثل هذا كيف يستطيع أن ينصر دين الله وهو جاهل بدين الله؟ ومعرفته بنصوص الكفار أعظم من معرفته بنصوص الشرعية. حضر بعض طلبة العلم حاضِرًا لبعض هؤلاء، فقال: «استفدنا شيئًا في هذه المحاضرة، وهو أنه يوجد في المسلمين من يحفظ التوراة والإنجيل»، هذه الفائدة التي استفادها، لكن ما استفاد الرد على هؤلاء بنصوص الكتاب والسنة. فكيف بالذي يتوسع في دقائق السياسة ودقائق التاريخ وهو جاهل بالعلم الشرعي؟ كيف يستطيع أن يرد على هؤلاء؟ ولهذا كان حقيقة فقه الواقع هو عند الراسخين في العلم. فالأساس الذي يحتاجه من يحكم على المسألة هو العلم الشرعي، ثم معرفة أحوال ما يحتاج الحكم عليه، هذا العالم يستعين بغيره، لا بأس، العالم إذا احتاج إلى شيء من ذلك يستعين بغيره. أما الذي يدخل في ذلك التفصيل وهو جاهل بالعلم الشرعي، كيف يستطيع أن يحكم؟ إذن الحكم على الشيء يحتاج لهذين المعنيين معًا، وأي المعنيين أعظم؟ العلم الشرعي. ومن عنده العلم الشرعي لا يفتقر ولن يعجز أن يستعين إذا احتاج إلى معرفة شيء من الواقع بأهل الاختصاص، ولكن عنده الميزان الصحيح الذي يصل به إلى الحكم الشرعي. وبهذا نعرف أن الناس في هذا طرفان ووسط، فذلك طرف وطرف آخر من يزهد في هذا الباب وربما يبالغ فيعرض إعراضًا تامًا، فيكون فيه الخطأ الذي لا يرضى لمثله الشرع. فهذا الحديث يدل على هذا الوسط الذي ينبغي أن يكون عليه الحق في هذا الباب، لا إفراط ولا تفريط، فإنما أرسل النبي عليه الصلاة والسلام عالمًا من علماء المسلمين، معاذ بن جبل رضي الله عنه أرضاه، الذي كان يعد من علماء الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. فأرسله داعيًا إلى الله، وفيه من المسائل كذلك بيان هذه الأولويات، أولها عبادة الله، ثم الصلاة، ثم الزكاة، وهكذا ينبغي أن يعتني طالب العلم والداعي إلى الله بالواجبات والمسائل الشرعية بحسب أهميتها وأولويتها في دين الله. وفيه كذلك مراعاة المصالح من المفاسد، بتدريج العلم عليهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤخر تعليمهم الصلاة حتى يعرفوا عبادة الله، قال: «فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات». وفي هذا دليل على جواز كتم بعض العلم إذا كان في كتمه مصلحة للناس، فإن من العلم كتم بعض العلم، وقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه بابًا، فقال: باب ما يجوز أن يكتم من العلم. فبوّب رحمه الله هذا الباب وذكر حديث: «حق الله على العباد وحق العباد على الله»، قال معاذ رضي الله عنه: في آخر: «أفلا أبشرهم يا رسول الله؟ قال: لا، إذن يتكلوا»، فاستدل العلماء بهذا الحديث أنه يجوز كتمان بعض العلم إذا كانت المصلحة تقتضي كتمانه أو تأخيره، تأخير تبليغه. فإذا كان هذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام في حق من لم يسلم أو كان إسلامه حديثًا، فكذلك اليوم من هو حديث عهد بالإسلام، وعرفت أنك لو أعطيته كل الأحكام الشرعية دفعة واحدة نفر. فإنك تدرج عليه الأحكام الأهم فالأهم، العقيدة ثم الصلاة ثم الزكاة ثم فرائض الإسلام وأركانه، وهكذا تتدرج معه شيئًا فشيئًا. وفيه من المسائل كذلك أهمية الصلاة وفرضيتها، واستدل العلماء بهذا الحديث مع الأحاديث الأخرى أنها من أعظم صفات أهل الإسلام، وأن من لم يتصف بها فهو ليس بمسلم، وتؤيده أحاديث أخرى كحديث جابر بن عبد الله: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة»، وسيأتي معنا إن شاء الله وهو بصحيح مسلم. وهكذا كذلك فيه من المسائل فرضية الزكاة، وأنه من أعظم الفرائض بعد التوحيد والصلاة، لما فيه من حق الرب سبحانه وتعالى وحق الخلق، ولما فيه كذلك من معاني الإصلاح والتأليف وغير ذلك من المحاسن في هذه الفريضة. فهو طهرة للمال وللنفس، وإعانة للغير، وعبادة لله، وفيه كذلك بيان الحكمة في فرض الزكاة، وفي هذا إشارة إلى أن الداعي إلى الله إذا دعا الناس إلى ما قد يقع في النفوس فيه شيء أو يكون معه شبهة، ألا يتغافل دفع تلك الشبهة أو إزالة ما في النفس. ولهذا قال: وعمره وعلمه أن يعلمهم أن هذه الزك، فرضها الله، تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، حتى لا يقع بالنفس أنها تأخذ ويستأثر بها لطائف أخرى. فبين عليه الصلاة والسلام أن الحكمة من أخذها هو شيء لا تستنكره النفوس وتقر به وتقر به الفطر المستقيمة السليمة، وفيه كذلك إشارة إلى أنه ينبغي أن يخاطب الناس أحيانًا مع المعاني الشرعية بالمعاني العقلية والفطرية التي فطر عليها الناس. لأن هذا أدعى لقبول الشرع والتسليم له، فمن لم يقنع بالدليل الشرعي، أعين بالدليل العقلي والفطري على استجابته، وهذا كثير فيما ورد عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وسيأتي معنا إن شاء الله شيء من ذلك. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ربما استعان ببعض المعاني العقلية والفطرية بما يقرب الحكم ويقنع كذلك المدعو، كحال الرجل الذي سأل عن ابن له أسود كيف جاءه؟ وهو أبيض وزوجته بيضاء، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: «هل لك من الإبل؟» قال: نعم، ثم ذكر له وبين له بهذا المثال ما يقنعه. وغير ذلك كذلك كثير، كقوله: «كذلك للشاب الذي جاء وطلب الإذن بالزنا»، فخاطبه النبي صلى الله عليه وسلم بما يقنعه، فسأله: «هل ترضاه لأمك؟» قال: لا، قال: «وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم، هل ترضاه لأختك؟» قال: لا، قال: «وكذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم»، فما زال به، ثم دعا له ومسح على صدره حتى قام من عنده عليه الصلاة والسلام، وقد شرح الله صدره لما وعظه به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالداعي لله ينبغي أن يراعي هذه المسائل التي يكون بها الإقناع، وفيه كذلك التحذير من أخذ كرائم الأموال، والمراد بكرائم الأموال: كل ما تستشرفه النفس وتشح ببذله، فإنه لا ينبغي أن يؤخذ دون غيره. ومعناه: أن يأخذ من وسط المال، كما لا يأخذ الدني فكذلك لا يأخذ الكريم، قال العلماء: والكريم له معاني كثيرة، أحيانًا السمن أن تكون سمينة إن كانت من بهيمة الأنعام، وأحيانًا أن تكون حاملًا، وأحيانًا أن تكون مرضعًا. فكل هذا معنى شيء من المال الكريم، وأحيانًا أن تكون نوعًا نادرًا أو غير ذلك من المعاني الأخرى، فالمقصود أن يأخذ وسط المال، وفي هذا بيان هذا الحكم الشرعي في باب الزكاة، أن يأخذ من المال أوسطه، كما لا يرضى أن يأخذ الدني كذلك لا يجوز له أن يأخذ الكريم، بل يأخذ الوسط. فإذا لم يكن هناك من الوسط ما يوفي الزكاة، ذكر العلماء أنه ينظر ما يخرج من هذا المتصدق، فإن أخرج الكريم رد له ما زاد بموجب العدل، أو أخرج الدون فإنه دفع الفارق في ذلك. وقد جاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم تبين ذلك في أسنان بهيمة الأنعام، فكذلك قاس عليه العلماء ما كان بمعناه في الأوصاف، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.