نصيحة نذير وهمسة في آذان الطاعنين في علماء السنة

نصيحة نذير وهمسة في آذان الطاعنين في علماء السنة

المحاضرة بعنوان نصيحة نذير وهمسة في آذان الطاعنين في علماء السنة، والتي كانت بمسجد المهاجرين بمدينة عدن 8 شعبان 1446هـ الموافق 7 فبراير 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل بناء المساجد وتوجيهات حولها

يُشدد على أهمية بناء المساجد لله وحده ويُحذر من إقامة القبور فيها أو بنائها لغير الله. يُبين فضل بناء المساجد لله كما جاء في الأحاديث النبوية.

دعوة أهل السنة إلى التمسك بالتوحيد والسنة في المساجد

يؤكد على أهمية بناء المساجد على أساس التوحيد والسنة ويحذر من العمارة القائمة على الشرك والبدع. يدعو إلى التمسك بسنة النبي والخلفاء الراشدين واجتناب المحدثات.

التحذير من الطعن في علماء السنة والتحزب والمنهجية الخاطئة

يُنبه إلى خطورة الطعن في علماء السنة والتحزب الذي يُضعف دعوة التوحيد، ويحذر من الكذب على إخوانهم من أهل السنة. كما يحذر من المنهجية الخاطئة في التعامل مع المخالفين.

التفريغ النصي الكامل

فإن هناك مساجد تبنى لغير الله عز وجل، وهناك مساجد أهل الشركيات والخرافات والبدع والضلالات، مساجد لم تبن لله سبحانه وتعالى، بل شيدت لتعظيم من فيها من القبور، جُعلت على القبور أو جُعل فيها القبور، وجُعلت فيها أنواع الخرافات والبدع والضلالات والشركيات والوثنيات من الباطنية والرابطة والصوفية على اختلاف أصنافهم وعلى اختلاف درجاتهم. أيها المسلمون، عباد الله، دعوة التوحيد والسنة دعوة فيها الأمن والأمان للراعي والرعية، للفرد والمجتمع، دعوة فيها إصلاح الروح وإصلاح الجسد، فيها إصلاح العقائد وإصلاح الأخلاق، كما يدعون إلى إصلاح العقائد وهم يدعون إلى إصلاح الأخلاق، إلى إصلاح الكلمات، إلى إصلاح المواقف والتصرفات. فالذي يذكر بالإيمان بالله يذكر بذكر الله، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، إننا نحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي وفقنا في هذه الليلة المباركة، وفي هذا المسجد الطيب المبارك، وهذا الصرح من صروح السنة والعلم، هذا الموضع الذي يعد بإذن الله سبحانه وتعالى منارة من منارات العلم، وحصنًا حصينًا من حصون التوحيد والسنة، بفضل الله سبحانه وتعالى، أن نجتمع بهذه الليلة لافتتاح هذا المسجد الطيب المبارك. وبادي ذي بدء، نقول لكل من كان سببًا في بناء وإعادة وتشييد وتوسعة هذا المسجد المبارك، جزاه الله عز وجل خير الجزاء عن الإسلام والمسلمين، وعن أهل التوحيد والسنة خاصة. نسأل الله عز وجل أن يبارك لكل من شارك به بقليل وكثير، في نفسه وأهله وماله وولده، وأن يزيده من واسع فضله وعطائه، سواء شارك بماله أو بجهده أو بعلمه أو بأي نوع من أنواع المشاركات. ونقول لأخينا الشيخ الفاضل أبي عبد العزيز عبد الله المحروق حفظه الله تعالى، هنيئًا لكم هذا الصرح العلمي، وهذا المسجد الطيب المبارك، ونسأل الله سبحانه وتعالى العظيم رب العرش الكريم أن يوفقكم ويسددكم ويعينكم في أداء الرسالة والأمانة، وإقامة ما يجب من دعوة التوحيد والسنة. ونذكر في بداية هذه الكلمة، والخاتمة بعد شكر المشايخ الفضلاء الذين شاركوا بهذه المشاركات النافعة، وهذه الكلمات المفيدة، الشيخ صلاح بن سعيد حفظه الله، والشيخ ياسين الظالع حفظه الله، وهكذا الشيخ عبد الغفور السقاف حفظه الله، وهكذا الشيخ عباس حفظه الله، والشيخ عبد الرحمن بن باد حفظهم الله جل وعلا جميعًا، جزاهم الله عز وجل عنا وعن الإسلام والمسلمين، وعن أهل التوحيد والسنة خير الجزاء، وغيرهم من مشايخ التوحيد والسنة ودعاتي العلم النافع، جزاهم الله عز وجل عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. أيها المسلمون، عباد الله، ن، نذكر أنفسنا بهذه اللحظات بحديث عظيم من أحاديث نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عثمان رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بنى لله مسجدًا بنى الله له مثله بالجنة»، قال أحد الرواة: وهو بكير، أحسبه قال: «يبتغي به وجه الله». وهكذا جاءت في رواية للإمام مسلم: «من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله بالجنة». وفي السنن، بإسناد صحيح، عن جابر بن عبد الله، وجاء معناه عن غيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له به بيتًا في الجنة». ففي الحديث الأول فضل بناء المساجد، وفيه قيد عظيم، وشرط مهم، قل من يتنبه له كثير من الناس إلا القليل، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «يبتغي به وجه الله»، أن يريد به وجه الله، يريد به نصرة الإسلام والسنة، نصرة التوحيد والعقيدة، نصرة الإسلام الصاف النقي، وما عند الله سبحانه وتعالى، لم يبنه رياء ولا سمعة، ولا لحزبية ضيقة، ولا محاربة ومضادة لدعوة أهل التوحيد والسنة، ولا غير ذلك مما سمعتم في كلمات المشايخ الفضلاء، وإخواننا الدعاة النبلاء. فإن هناك مساجد تبنى لغير الله عز وجل، وهناك مساجد أهل الشركيات والخرافات والبدع والضلالات، مساجد لم تبن لله سبحانه وتعالى، بل شيدت لتعظيم من فيها من القبور، جُعلت على القبور أو جُعل فيها القبور، وجُعلت فيها أنواع الخرافات والبدع والضلالات والشركيات والوثنيات من الباطنية والرابضة والصوفية على اختلاف أصنافهم وعلى اختلاف درجاتهم. ولذلك لا تستغرب إذا رأيت أعداء الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى يبنون لأولئك المساجد، ويشيدون لهم أنواع العمران، لأنهم يعلمون أن هؤلاء لم يبنوا المساجد لله عز وجل، بل بنوها مضاهاة ومعاداة وتحريفًا لحقيقة جمال هذا الدين، لأنهم أتوا بدين محرف مزيف ينافي ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. وقد مررت بمعظم البلاد في غير بلادي، المسلمين، وقد بنى بعض أولئك الكفار مسجدًا للغاديانية أكبر من هذا المسجد بمرتين أو ثلاث مرات، ولا يصلي فيه إلا صف أو أقل من صف، بينما مساجد السنة تجدها صغيرة، لكنها مكتبة بفضل الله سبحانه وتعالى، يصلي الناس يوم الجمعة في الشوارع والطرقات، بل في بعض المساجد بفضل الله سبحانه وتعالى، تصلى الجمعة مرة ومرتين وثلاث في اليوم الواحد، لأجل أن السلطات في تلك البلاد الكافرة تمنعهم أن يصلوا بالشوارع، فيضطرون أن يصلوا بقدر عدد من يدخل داخل المسجد. فإذا انتهى العدد خرجوا، وجاءت الدفعة الأخرى التي لم يصلي فيصلون، ثم يخرجون، ثم تأتي الدفعة الثالثة فيدخلون ويصلون، ثم يخرجون. وأذكر في أحد زياراتي لمعظم تلك الدول، أني صليت الجمعة مرتين، صليت في مسجد الجمعة الأولى بالناس وخرجت، والناس سيصلون بعد جمعة أخرى، فذهبت إلى مسجد آخر من شدة كثرة الناس وإقبالهم أهل السنة، فصليت بهم جمعة أخرى، لأنهم ممنوعون من أن يصلي الجميع في وقت واحد. هذا هو بفضل الله سبحانه وتعالى، هذه دعوة التوحيد والسنة، إقبال الناس، ومع ذلك لا يجدون المساجد الواسعة الكبيرة، لأنهم يلتجئون ويعتمدون على الله سبحانه وتعالى وحده. أما مساجد أهل البدع، فإنها ربما تعان من الكافرين والمجرمين وأعداء الدين، مساجد ضخمة، لكن ليس فيها أحد، ليس فيها أحد بسبب تلك الدعوات المنحرفة التي بفضل الله سبحانه وتعالى خذلهم الله عز وجل فيها. أيها المسلمون، عباد الله، ليس الشأن كل الشأن أن نتعاون في بناء المساجد، ولكن الشأن كل الشأن أن ننظر أين مساجد التوحيد والسنة فتعمر، لأن العمارة الحقيقية ليس بعمارة البنيان، وإنما بعمارة التوحيد وتصحيح الأديان، هذه العمارة الحقيقية. ولهذا قال الله عز وجل للمشركين: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فإنهم ولو غنوا بيت الله الحرام، فإنهم ليس لهم فيه أجر، لأنهم على الشرك والخرافة والوثنية والبدعة والضلالة والمعصية. أما أهل التوحيد والسنة، فإنهم ولو شاركوا في بناء مسجد كمفحص قطاة، أي موضع مكان بيض القطاة، وهو طائر صغير أصغر من الحمام، قال العلماء: فضل النبي صلى الله عليه وسلم القطاة، لأن القطاة تفرخ على بيضها على الأرض، وليس على الأشجار، ولا كذلك في الأعالي، وإنما على الأرض. فمن شارك في بناء مسجد ولو بهذا المكان الصغير لهذا الطائر، فيبني الله عز وجل له بيتًا في الجنة. لكن أي مسجد أيها المسلمون؟ مسجد التوحيد والسنة، الذي كما سمعتم من كلام المشايخ الفضلاء، فيه دعوة إلى التوحيد والسنة، فيه دعوة لاجتماع أهل الإسلام على الإسلام الصاف النقي، ليس فيه حزبيات، ليس فيه شركيات، ليس فيه بدع وخرافات، ليس فيه دعوة التكفير والتفجير، ليس فيه كذلك خلط ثوابت هذا الدين بغيرها مما ينافيه. ولذلك فإن أهل الإسلام الصحيح يواجهون الدعوات المنحرفة بأكملها، يواجهون الملحدين والمنافقين واليهود والنصارى والمشركين والوثنيين وعباد القبور والمتصوفة والرافضة والباطنية والخوارج وأهل الحزبيات وغيرهم من أهل المعاصي والسيئات، يدعون الناس جميعًا أن يتعبدوا لله عز وجل بما شرع من التوحيد والسنة، بما في كتاب الله، وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما بحديث العرباض بن سارية المشهور العظيم الصحيح: «فإنه من يعش منكم فسيرى خلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدًا: كتاب الله، وسنة نبيه» رواه الحاكم وغيره بإسناد صحيح من حديث ابن عباس، ومعناه من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم وأرضاهم. أيها المسلمون، عباد الله، دعوة التوحيد والسنة دعوة فيها الأمن والأمان للراعي وللرعية، للفرد وللمجتمع، دعوة فيها إصلاح الروح وإصلاح الجسد، فيها إصلاح العقائد وإصلاح الأخلاق، كما يدعون إلى إصلاح العقائد وهم يدعون إلى إصلاح الأخلاق، إلى إصلاح الكلمات، إلى إصلاح المواقف والتصرفات. فالذي يذكر بالإيمان بالله يذكر بذكر الله، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وفي الصحيح من حديث أبي موسى رضي الله عنه وأرضاه: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت». فكما يأمرون بإصلاح العقائد، يأمرون بإصلاح الأخلاق، وإصلاح كذلك الآداب، وإصلاح كل ما يجب إصلاحه، لأنهم أمروا ويأمرون غيرهم بالدخول في هذا الدين من جميع أبوابه، وكل نوافذه، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أي ادخلوا في هذا الإسلام من جميع أبوابه، لا نكون كأهل الكتاب يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. ولذلك فهم يدعون أهل الإسلام، أهل التوحيد والسنة، أن يكونوا جميعًا يدا واحدة في مواجهة أعداء الدين من الملحدين والمنافقين والمشركين واليهود والنصارى، وسائر أعداء الدين، والمبتدعين من الرافضة والباطنية والصوفية، وأهل الحزبيات، أهل التكفير والتفجير، وأهل المعاصي والسيئات، يدعون الجميع بدعوة الله عز وجل إلى توحيد الله، وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يدعون الناس من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أيها المسلمون، عباد الله، إن قوة أهل الحق باجتماعهم، وبتراصهم، ودفع أسباب النزاع، فضلًا أن يوجد بينهم النزاع، فقوتنا باجتماعنا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، أي تذهب قوتكم. وها هنا همسة ونصيحة ووصية، لمن لم يراع مثل هذه الثوابت في هذا الدين، ديننا أيها المسلمون، يدعون لتركيب الأولويات، ومراعاة المصالح والمفاسد، ففي هذا الدين أولويات وأسس، فهناك العقيدة التي هي في الأول، وهناك العبادة، وهناك المعاملات، والمنهاج، والأخلاق، والسلوك، وغير ذلك من ثوابت ومبادئ ديننا الحنيف العظيم. فإن أهل السنة والجماعة يراعون ذلك بمقتضى ما علموه من كتاب الله، وما فهموه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عليه سلف الأمة، وسار عليه العلماء، والأمة يمشون في ذلك حذو القذة والقذة، يستفيدون ويستنيرون من فتاوى العلماء، ومن وصايا ونصائح المشايخ الفضلاء، أولهم قبل آخرهم، يستفيدون من الجميع من أهل السنة والجماعة، ولا يبخسون أحدًا ما عنده. وإن وقع خلاف، فيفرقون بين أنواع الخلاف المعروفة، وهناك خلاف تنوع، وهناك خلاف أفهام، وهناك خلاف تضاد، فما كان من الأول والثاني، فإن صاحبه بين الأجر والأجرين، وما كان من الثالث، فإنها تكون المناصحة، فإن أبى، فيتبعون وصية السلف الصالح، كما نقل عن معاذ أبي عبد الرحمن رضي الله عنه وأرضاه، حين قال: «اجتنبوا زلة العالم، فإن الشيطان قد يقول الباطل على لسان العالم»، فقالوا: يا أبي عبد الرحمن، وما أدرانا أن العالم قد تزل لسانه، ويقول الشيطان على قوله الباطل؟ قال: «اجتنبوا من كلماته المستهترات التي يقال: ما هذه؟ ما هذه؟». فإذا جاء العالم من علماء أهل السنة، فأخطأ في مسألة مما لا يسوغ فيها الخلاف، تحفظ له كرامته، وتبقى له منزلته، ولا يوافق في خطئه، ولا يتابع في زلته، فإنه لكل عالم زلة، كما أنه لكل جواد كبوة، تحفظ له مكانته وكرامته، لما له من السنة، ولما له من المنزلة عند أهل الحق. وهذا هو العدل والإنصاف الذي سار عليه سلفنا وإمامنا وعلماؤنا قديمًا وحديثًا. ولذلك تجد علماء السنة يرحم بعضهم بعضًا، ويعطف بعضهم على بعض، ويعطي بعضهم على بعض، حتى لو أخطأ العالم في مسألة خالف فيها الدليل، فإنهم يحفظون له كرامته. أذكر من الأمثلة على وجه الاعتبار، لا على وجه الحصر، ما وقع بين الشيخ العلامة الألباني رحمه الله، وبين الشيخ حمود التويجري شيخنا رحمهم الله جميعًا، لما جاء شيخنا الألباني رحمه الله، وكان قد خالف في بعض المسائل شيخنا الشيخ حمود التويجري رحمه الله، وصارت بينهما ردود، علمها العلماء، وطلبة العلم، شديدة، شديدة، لكنه لما نزل إلى الرياض، نزل في ضيافة شيخنا حمود التويجري رحمه الله، فأكرمه، وجلس معه، وحصل بينهما من النقاش في المسائل العلمية، ولما لم يحصل التراجع، لم يكن إلا الأدب والاحترام والتوقير والإجلال الذي يكون بين أهل العلم. والله وبالله وتالله، لو أن بعض هذا الخلاف وقع عند بعض المعاصرين الذين لم يتتلمذوا على أمثال هؤلاء العلماء، لجعلوها فوارق يفرق فيها بين أهل التوحيد والشرك، وبين أهل البدعة والضلالة، كما يحصل لبعض الناس ممن ينتسبون إلى السنة، هداهم الله وإياهم، ولم يعرفوا حقيقة طريق السنة. ولذلك نقول: نصيحة ووصية، وكذلك همسة في آذان بعض هؤلاء، أن يشفقوا على أنفسهم، وأن يتقوا الله عز وجل في دعوتنا ودعوتهم، دعوة أهل السنة والجماعة. والله إننا لا نهاجم اليهود والنصارى، ولا الملحدين، ولا المشركين، ولا أعداء الدين، فإن هؤلاء باطلهم معروف، ومزيف، لكن الذي يؤذينا، والذي يحزننا، أن يأتي من هم من جلدتنا، وينتسبون إلى دعوتنا، ثم يطعنون ويثبتون، ويؤخرون إخوانهم أهل السنة عن الخير الذي يريدون، وعن الهدف الذي يريدون أن يصلوا إليه. إخوانكم يدعون إلى التوحيد والسنة، يدعون إلى محاربة أهل الإلحاد، وأهل الشرك، والكذب والنفاق، واليهود والنصارى والمشركين والباطنيين والرافضة والصوفية. يكفي كذبًا وزورًا أن تقولوا: أن إخوانكم أهل السنة أتباع الرافضة، أو باطنية الرافضة. والله إنه كذب، إخوانكم بالجبهات قادة وشهداء وجرحى، قدم إخوانكم أهل السنة من مركز الفيوش، وغيرها من مراكز السنة، مئات الشهداء، وآلاف الجرحى، وكذلك أعداد لا يحصيهم الله سبحانه وتعالى من الذين لا يزالون مرابطين في تلك الجبهات، وفي تلك الثغور. ثم بعد ذلك كذبًا وزورًا وافتراءً وظلمًا، تقول: أنهم إخوان الرافضة، وتقول: أنهم مظلة الرافضة. أين ستذهب من الله حين يقابلك الله عز وجل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال في امرئ ما ليس فيه، أبعده الله من ردغة الخبال». ماذا تصنع بما جاء بالصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا، تأوي به في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». وفي رواية: «سبعين خريفًا في النار». وفي رواية: «من سخط الله». أيها المسلمون، عباد الله، يا من تنتسبون لهذه الدعوة، راجعوا أنفسكم، من أبقيتم من العلماء؟ من أبقيتم من العلماء إذا كان مشايخنا وعلماؤنا علماء السنة كلهم مطعون فيهم عندكم؟ إذن أنتم أعنتم الملحدين والمشركين وأعداء هذا الدين في عزل العلماء عن المجتمعات، فيبقى المجتمع من غير علماء. إذا كان علماؤنا ومشايخنا عندكم مطعون فيهم، هذا الشيخ، هذا شيخنا من مشايخ اليمن، شيخنا المصباحي رحمه الله رحمة واسعة، مطعون فيه، شيخنا عبد الرحمن رحمه الله مطعون فيه، مشايخ التوحيد والسنة في هذه البلاد مطعون فيهم. إلا أن يقول كل الناس في النار إلا أنا، كل الناس مبتدعة إلا أنا، سبحان الله. وهكذا علماؤنا علماء السنة في المملكة، الشيخ ربيع مطعون فيه عندكم، سبحان الله، أين ستذهبون من الله؟ وهو ممن يتهم بأنه من شدة منافحته للسنة والتوحيد والعقيدة، أنه من أهل الغلو، ومع ذلك مطعون فيه، شيخنا عبيد رحمه الله مطعون فيه، شيخنا محمد بن هادي عندهم وعند طرف آخر مطعون فيه، وهكذا المشايخ الأحياء، غيرهم كثير، الشيخ سليمان الرحيلي، الشيخ عبد المحسن العباد، الشيخ عبد الرزاق العباد، شيخنا الفوزان، وهكذا مشايخ كثر لا يحصيهم إلا الله، كلهم مطعون فيهم. إذن من أبقيتم من العلماء؟ أسألكم بالله من الذي يعين أعداء الإسلام لتنفير المسلمين عن العلماء؟ إلا أمثالكم؟ إلا أمثالكم؟ لقد أعنتم أعداء الإسلام في تنفير المجتمعات عن علمائها، وزعزعة الثقة لمشايخها ودعاتها، اتقوا الله، اتقوا الله في هذه دعوة المباركة. وأعظم من هذا أن يكون ذلك بالكذب وبالزور وبالبهتان، يأتي ويقول أحدهم: الجامعة الإسلامية التي بالفيوش فيها اختلاط، وفيها بناطيل، وفيها وفيها. فنقول له: اتقوا الله، اتقوا الله، هذه الجامعة مفتوحة، وكما قال القائل: فما رأى إنك من سمع، تعالوا وأرونا أين الاختلاط؟ أرونا أين البناطيل؟ أرونا أين المخالفات؟ ثم عنز وانطارة، هل في تراجع؟ هل في اعتراف بأنه كذب وأنه خطأ؟ أبدًا لا يزالون يسرون أنها جامعة بدعية. وهكذا تجور وخصومة ما عندهم بالفيوش إلا حملة هيلوكس، تعالوا انظروا إلى الفيوش، أكثر من ألف ومئتين مدرس ومدرسة، طلبة وطالبات في الآلاف، ما نريد أن نقول أن العدد، لكن نريد أن نبين أن هناك كذبًا، وهناك هجرًا. لماذا لماذا هذا الكذب؟ ولماذا هذا الهجر؟ ولماذا هذه الحرب لأهل التوحيد والسنة؟ بدلًا من أن تسلط القوة في محاربة الرافضة، ومحاربة الصوفية، ومحاربة أعداء الدين من الملحدين واليهود والنصارى والمنافقين والمشركين وغيرهم من المبتدعين، توجه القوة والسلطة في أخذ مساجد أهل السنة، وضرب أهل السنة لمساجدهم، وإنزال الخطباء من خطبهم، وإثارة الفتن في مساجد السنة. مسجد سنة، إمام سني، يأتي أحدهم ويعين خليفة يحط له نائب من طائفة أخرى، لأجل أن تتحول المساجد إلى فتن وإلى صراعات. هذا ينفع من؟ أسألكم بالله، ينفع من مثل هذا؟ أترضون أن يأتي واحد من الطرف الآخر فيكون نائبًا للإمام الفلاني في المسجد الآخر؟ ما ترضون، فلماذا تفعلون هذا لمساجد إخوانكم؟ اتقوا الله، اتقوا الله بهذه الدعوة المباركة. إخوانكم يخرجون إلى الدعوة إلى بلاد أفريقيا، فيها الشرك، فيها الوثنية، فيها اليهود، فيها النصارى، فيها الصوفية، الرافضة بكل طوائفهم، يقام لهم أعظم الاجتماعات، النصارى يقام لهم اجتماع عظيم، فلا يتكلم هؤلاء، اليهود لهم اجتماع، لا يتكلم هؤلاء، المشركون والرافضة والصوفية لهم اجتماعات، ولا يسمع صوت لهؤلاء. الإخوان المسلمون كان لهم قبل زيارة إخوانكم من أهل السنة إلى تلك البلاد اجتماعًا عظيمًا، حضر فيه ذاكر نايك وأمثاله من المتحزبين والخوارج وغيرهم، أكبر اجتماع يقام في نيروبي، ولا صوت ولا كلم لهؤلاء. فلما يأتي إخوانهم أهل السنة، يقوم هؤلاء مثل أبي لهب، يقفون في الطرقات، ويمنعون الناس من الذهاب إلى مساجد السنة، والمساجد التي من حضرات أهل السنة، كأنهم يفعلون فعل أبي لهب مع النبي صلى الله عليه وسلم. يذهب شيخنا سليمان الرحيلي إلى بعض بلاد الكفر في بريطانيا، فيقف حتى عند باب المسجد: لا تدخل إلى هذا المسجد، هذا شيخ مبتدع، هذا شيخ مبتدع، سبحان الله، أنت في بلاد الكفر، يهود، نصارى، مشركون، مثليون، ملحدون، منافقون، أعداء الدين، خرافيون، قاديانيون، صوفية، رافضة، كل هؤلاء تركتهم، وقفت عند المسجد السني، وتقول لحديث عهد بإسلام، لا تدخل إلى المسجد، إنه شيخ مبتدع، سبحان الله. من الذي يصد عن دين الله؟ من الذي يصد عن دعوة التوحيد والسنة؟ يا إخوان، راجعوا عقولكم، والله ما أدري هل اخترقت هذه الفئات بمن يخربون دينهم وعقولهم، وأصبحوا معول هدم على الإسلام والمسلمين، لا يرعون المصالح من المفاسد، لا يرعون ما ينفع مما يضر، حتى يكون حجر عثرة، ويكون معول هدم للإسلام والتوحيد والسنة. إذا كان إخوانك ذهبوا إلى أفريقيا يعلمون الناس التوحيد والسنة، ويعلمون الناس الصفاء والنقاء، ثم تأتي أنت فتحذر من الذي سيبلغ الدين الصاف النقي؟ أنت لم تقف في وجه اليهود، ولا النصارى، ولا المشركين، ولا الرافضة، ولا الصوفية، ولا الإخوان المسلمين، لما جاء إخوانك، قمت تمشي من الشعارات، ويأتي أحدهم فيزيد ذلك بفتاوى تخرج من داخل اليمن إلى أهل أفريقيا: لا تحضروا لفلان وفلان، ولا تحضروا لفلان وفلان. الحمد لله لم يستجب الناس، الناس بالمئات يحضرون، لكن هذه المنهجية مؤسفة، وهذا المسلك محزن، أن يكون من ينتسب إلى السنة عنده مثل هذه الرؤية الناقصة، وعنده مثل هذا الفكر المنحرف، الذي هو الله وبالله وتالله إنه يعين أعداء الإسلام والتوحيد والسنة، وإنه والله لا ينصر سنة ولا توحيدًا، وإنما ينصر أعداء هذا الدين. فنقول لهم: اتقوا الله بهذه الدعوة المباركة، وراجعوا أنفسكم، فالدنيا مهما طالت فإنها قصيرة، وإننا سنقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، وسيسألنا عن كل قول وفعل، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى الحق ردًا جميلًا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. وبهذا القدر أكتفي، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.