كتاب الصلاة 14

الدرس في كتاب الصلاة 14، الدرس الرابع عشر :( صلاة التطوع ... كما قال سعد بن طارق الأشجعي ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل صلاة التطوع وأنواعها

صلاة التطوع لها فضل كبير وتكمل ما نقص من الفرائض، وتنقسم إلى مطلقة ومقيدة. الأفضل أن تكون في البيت وتشمل السنن الرواتب.

صلاة الوتر وحكمها ووقتها وكيفيتها

صلاة الوتر سنة مؤكدة ووقتها من بعد العشاء إلى الفجر، ويستحب تأخيرها لمن يثق من استيقاظه، وأقلها ركعة واحدة وتجوز بثلاث أو خمس ركعات.

كيفيات الوتر والقنوت والرد على شبهات القنوت في الفجر

يتناول كيفيات صلاة الوتر والقنوت كما وردت عن النبي، ويرد على من يرى مشروعية القنوت في الفجر، ويبين أن القنوت في الفجر بدعة.

التفريغ النصي الكامل

صلاة التطوع، قال فضلها عن نبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضة الشيء، قال رب تبارك وتعالى: انظروا هل لعبدي من تطوع، فتكملوا بها ما نقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك». فهذا الحديث صحيح في فضل التطوع وأنه يكمل الله عز وجل به ما نقص من الفرائض، فالفرائض قد تنقص، قد يكون مثلا للإنسان صلاة غير صحيحة لا يقبلها الله عز وجل، قد يترك بعض الصلوات وهكذا، فهذا التطوع يكمل ما نقص من الفريضة. قال السلف: «كونها في البيت»، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته نورا». قالوا: عن سيد ابن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة». أيضا جاء في الصحيحين: «لا تجعلوا بيوتكم كالمقابر، وصلوا فيها». هذا فيه أن التطوع الأفضل أن يكون في البيت، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أكثر التطوع في البيت، ركعتين قبل الفجر، وكذلك ركعتين بعد المغرب وبعد العشاء، وذلك كان يصليه في بيته. قال: «أنواعها»، صلاة التطوع تنقسم إلى مطلقة ومقيدة، فالمقيدة هي المعروفة بالسنن الرواتب قبل الصلاة وبعدها. قيل: تنقسم إلى مؤكدة وغير مؤكدة، فالمؤكدة عشر ركعات، وقيل اثنتا عشرة ركعة، عن ابن عمر قال: «حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الصبح». وكانت ساعة لا يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فحدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر يصلي ركعتين. وأيضا يضاف إليها أربع ركعات قبل الظهر، وكان يصلي ركعتين كما جاء في الحديث. عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان لا يدع أربعا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة». ولهذا كانت الأربع ركعات قبل الظهر المؤكدة، فهي اثنتا عشرة ركعة. قال: «وغير المؤكدة ركعتين قبل صلاة العصر والمغرب والعشاء». عن عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة»، ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». هو المراد بالأذانين أي الأذان والإقامة. وقد جاء في صلاة العصر قبل العصر: «رحم الله امرئا صلى قبل العصر أربعا». وهذا الحديث مختلف في صحته، الشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنه لا يصح، والظاهر أنه حسن، إسناده حسن. فمن صلى أربعا فله ذلك، ومن صلى ركعتين فأيضا له ذلك. قال: «وتستحب المحافظة على أربع قبل العصر». قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين». هذا الحديث حسنه الشيخ الألباني. وهذا الحديث قال فيه صاحب كتاب «فيض القدير» للمناوي: «التسليم على الملائكة المقربين المراد به التشهد، أي أنها تكون أربعا ويفصل بينهن بالتشهد مثل الصلوات، مثل صلاة الظهر والعصر تكون أربعا يفصل بينهن بالتشهد، وإن شاء يصل بينهن بسلام، فصل بينهن بسلام». قال ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «رحم الله امرئا صلى قبل العصر أربعا». وهذا فيه استحباب صلاة أربع قبل العصر. وأما قبل العشاء فلم يثبت فيها حديث إلا هذا الحديث العام: «بين كل أذانين صلاة». وأما قبل المغرب فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصلي حتى يخرج الإمام ويصلي به، ومنهم من يصلي ومنهم من لا يصلي». وكان كفار أصحاب رسول الله يبتدرون السواري ويصلون عندها من قبل المغرب. قال: «ما جاء في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في بعض هذه الصلوات»، أنه صلى التطوع. عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نعمت السورتان يقرأ بهما في ركعتين قبل الفجر: ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل يا أيها الكافرون﴾». هذا صحيح أيضا من غير وجه. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾. وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ التي في البقرة، وفي الأخرى منهما: ﴿آمنا بالله واشهد بأننا مسلمون﴾ حيث: ﴿قولوا يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾. وجاء في رواية في صحيح مسلم نفسه كذلك، وهي صحيحة من ناحية الإسناد. من هذه الروايات يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر سورات مختلفة. قال: «الوتر حكمه»، وقبله قال: «الوتر سنة مؤكدة»، حتى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم. رغب عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وتر يحب الوتر». قال علي رضي الله تعالى عنه: «إن الوتر ليس بفرض ولا كصلاتكم المكتوبة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أوتر، ثم قال: يا أهل القرآن أوتر، إن الله وتر يحب الوتر». هنا تخصيصها بالقرآن يدل على أنه ليس واجبا، وإنما من باب الحث عليه. قال: «وقت يجوز الوتر من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وفي الثلث الأخير من الليل أفضل». وقد قال رجل لطلحة بن عبيد الله: قال له إن أبا محمد رجل يقول: إن الوتر واجب. قال: «كذب أبو محمد، أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه ليس بواجب». قال: «وقت يجوز الوتر من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وهو في الثلث الأخير من الليل أفضل». عائشة قالت: «من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أول الليل وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر». طيب، لكن الوقت الصحيح للوتر من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، هذا الوقت وقت الوتر، في أي وقت يصلي فيه. قالوا: «يستحب تعجيل الوتر أول الليل لمن خشي أن لا يستيقظ آخره، لكن أفضل أن يكون آخر الليل إلا لمن خشي أن لا يستيقظ آخره، فإنه يعجل أن يصلي قبل أن ينام». قال: «لما يستحب تأخيره إلى آخر الليل لما يظن أنه يستيقظ آخره». عن نبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: «متى توتر؟» قال: «أترو قبل أن أنام». فقال لعمر: «متى توتر؟» قال: «أنام ثم أتر». فقال لأبي بكر: «أخذت بالحزم أو بالوثيقة»، وقال لعمر: «أخذت بالقوة». طيب، وهذا الأثر متكلم فيه. قال: «عدد ركعات الوتر وصفته»، أقل الوتر ركعة، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى». ويجوز أن يوتر بثلاث أو خمس أو سبع أو تسع. عن عائشة قالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا». وعنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها». في كلها كيفيات في الوتر جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحت. قالوا: عنها قالت: «كنا نعد له صلى الله عليه وسلم سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء، فيبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد، وهاتان ركعتان سماهما بعض العلماء تحية الوتر أو سماهما راتبة الوتر». ويجعل الوتر آخر شيء، ثم يصلي هاتين الركعتين، وهي راتبة للوتر. قال: «القنوت في الوتر»، قال: «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقوله في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت». طيب، هذا الحديث صحيح. وإنما حصل الخلاف في لفظة أو في قوله: «كلمات أقوله في الوتر». جاء من طريق شعبة أنه قال: «لم يقل في الوتر»، وإنما ذكر الحديث. قال: «كان يعلمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن»، فقط بدون ذكر الوتر. وجاء في رواية لأبي داود ذكر الوتر. لهذا قال الإمام ابن خزيمة: «هو شعبة أوثق من كذا وكذا من أبي داود»، أنا بكثير من أبي داود. فلا يقارن شعبة بأبي داود، شعبة إمام، وأيضا عنده حفظ عجيب، خاصة في الطوال. قال: «السنة في هذا القنوت أن يكون قبل الركوع لحديث أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت في الوتر قبل الركوع». وهذا الحديث قد ضعفه الإمام أحمد وجماعة من العلماء، فهو لا يصح. قالوا: «لا يشرع القنوت في الفريضة إلا في النازلة، ولا يخص به صلاة دون صلاة، ويجعل بعد الركوع». النبي صلى الله عليه وسلم غير ذلك. رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه إذا أراد أن يدعو لأحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع وقبل الركوع». هذا ما ثبت قبل الركوع، لكن ثبت في النازلة أنه بعد الركوع، هذا في الصحيح أنه كان يقنت بعد الركوع في النازلة. أما في الوتر ما ثبت أنه قبل الركوع إلا من صح حديث أبي بن كعب، ومن صححه الشيخ الألباني رحمه الله عليه، فإنه كان يقنت قبل الركوع. لكن كما قلنا هذا الحديث يطعن فيه الأئمة كأحمد وغيره. قال: «أما القنوت في الفجر أبدا فبدعة كما صرح بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم». عن مالك عن سعد بن طارق الأشجعي قال: «قلت لأبي: إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي - ها هنا بالكوفة - نحو من خمسين سنة، أو نحو من خمس سنين، فكانوا يقنتون بالفجر؟» قال: «أي بني محدث». فهذا نص صريح على أن هذا محدث، لم يكن يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه. وما ذكره لمالك عن الخلفاء أنه كانوا يقنتون، إنه لا يصح. ما ذكر آثارا عن علي وعن أبي بكر وعن عثمان وعن عمر كذلك أنهم كانوا يقنتون الفجر، وهذا كله لا يصح. فإنه من المحال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في كل غداة، في كل غداة بعد اعتدال من القيام يقول: «اللهم اهدني فيمن هديت، وتولني فيمن توليت» إلى آخره، ويرفع بذلك صوته ويؤمن به أصحابه دائما إلى أن فارق الدنيا، ثم لا يكون بعد ذلك عند الأمة، بل يضيعه أكثر أمة، هذا محال. وهذا كلام لمالك من المختصر، وجماهير أصحاب مالك كلهم حتى يقول من يقول منهم: إنه مما أحدثه سعد بن طارق الأشجعي. وهذا كله يدل على أن القنوت في الفجر بدعة.