التعليق على الجواب الكافي 77

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 77، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عقوبات المعاصي وتأثيرها السلبي

المعاصي تفتح الباب للشياطين لتؤذي العبد وتسلط عليه الأعداء وتؤثر على حياته. كما تجرِّئ الشياطين عليه وتحرمه من حفظ الله ورعايته.

تسلط النفس الأمارة بالسوء بسبب المعصية

المعصية تؤدي إلى تسلط النفس على الإنسان وتجعله يتبع هواه. بينما من يخاف مقام ربه يجد الجنة مأواه وتكون النفس تحت سيطرته.

أثر الطاعة في الوقاية من الشرور وتأثير الإيمان

الطاعات والذكر وقاية من العذاب والشرور، وقوة الإيمان تحدد مدى هذه الوقاية. الإيمان قول وعمل يؤثر على قدرة الإنسان على مقاومة الشرور.

ضعف الشيطان أمام العبد المطيع وندم من اتبعه

الشيطان ضعيف أمام العبد المطيع، بينما يتسلط على من يعرض عن ذكر الله. العبد الذي يتبع الشيطان يندم يوم القيامة على ذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: فصلٌ من عقوبات المعاصي أنها تجرِّئ على العبد من لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات، فتجترئ عليه الشياطين من أذى وإغواء ووسوسة وتخويف وتحزين، وتنسيه ما به مصلحته في ذكره ومضرته في نسيانه، فتجترئ عليه الشياطين حتى تُزري به إلى معصية الله -عز وجل-. وتجترئ عليه شياطين الإنس كما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره، ويجترئ عليه أهله وخدامه وأعداؤه وجيرانه، حتى الحيوان البهيم، فهذه العقوبة أيضًا من عقوبات المعاصي في القلوب. أنها تجرِّئ للعبد من لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات، فتجترئ عليه الشياطين بالأذى والوسوسة، وإلا فإن الله -عز وجل- يحفظ عباده منها، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، فربنا -جل وعلا- حفظ عباده أهل الطاعة، إلا من استثنى منهم، فلهذا يكونون بالطاعة ضد الشياطين، وبذلك أيضًا لا تسلط عليهم الشياطين بالأذى ولا بالإغواء ولا بالوسوسة. فإذا فتحوا للشياطين هذا الباب بمعاصيهم وغيرها، تجرأت عليهم الشياطين، وأيضًا تجرأت عليهم شياطين الإنس من الأعداء، وكذلك من الإغراء، وكذلك أيضًا من أنهم يأخذون مصالحهم من هذا الشخص وغيره من هذه الأشياء التي تتسلط عليهم. بل قال بعض السلف: «إني أعصي الله فأعلم ذلك في خلق امرأتي ودابتي». وهذا تذكره أبو نعيم في «الحلية» عن الفضيل بن عياض أنه حكى عن بعض السلف أنه يقول: «إني لا أعصي الله فأعلم ذلك في خلق زوجتي ودابتي». وذلك لأن أهل الطاعة وأهل حفظ حدود الله، إذا عصوا عاقبهم الله -عز وجل- بشيء من هذا حتى يرجعوا إلى الله ويتوبوا إليه. قالوا: ومن العقوبات التي يجدها العاصون أنفسهم تتسلط عليهم وتتحكم فيهم، لأنهم أعطوا أنفسهم هواها، فأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى. كما قال الإمام المزني -رحمه الله-: «مرِّئًا لنفسه المنفوس اتق الله ثم قادها إلى كتاب الله، فنفسك إن أعطيتها هواها تأمرت عليك وتسلطَتْ عليك». وقال المؤلف عن النفس التي تأمر بالسوء. ولهذا تجد أكثر أهل المعاصي من المخالفات، بل كلما زادت معصية الشخص ومخالفته، بل وكفره، تجد أن نفسه هي التي تغلب عليه فيتبع نفسه وشهواته ولا يردع عن شيء. قال: فلو ردها إلى الخير لم تقاوم أمره، لم تنقد له، أحيانًا يكون عند الإنسان خير يلوم نفسه، لكن لما أعطاها عنادها وأعطاها هواها فإنها لا تقاد له بل تسوقه إلى ما فيه هلاكه. قالوا: تسوقه إلى ما فيه هلاكه، مشاهير أمثال ذلك عند الله -تبارك وتعالى- الذي من دخله كان من الآمنين، لأنه لا زال في السور، كما جاء في حديث مستورد بن شداد: «لا زال في السور». فإذا حقق هذا السور تجرد عليه هذه الأشياء، بل نفسه التي بين جنبيه تجري عليه. قال: فإذا فارق القصر، اشتغل عليه الطاعة وغيرها، وعلى حسب ما يشتغل به يكون اشتراء هذه الآفات والنفوس عليه، وليس له شيء يرد عنه، فإن ذكر الله وطاعته والصدق والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كالوقاية التي ترد عنه العذاب، بمنزلة الكوة التي ترد المرض، تقاومه، فإذا سقطت الكوة، ورد المرض. فكان المثل: إذا كانت مناعة الشخص قوية، أن يستطيع أن يتجرع عليه كذلك المرض غالبًا، إذا كان مناعة الشخص قوية، تجد أن المرض يذهب بسرعة ولا يستطيع أن يخترق هذا المدد ويهدمه، إلا أن يشاء الله. فأما إن كان مناعة ضعيفًا، فسرعان ما يخترق هذا المرض هذا الجسم ويغلب. قال: فلا مدد للعبد يرد عنه، فإن موجب السيئات يَدْفَعُ الحسنات، ويكون الحكم للغالب، كما تقدم، وكلما قوي جانب الحسنات كان رد أقوى. كما أن يكون أقوى الإنسان بحسناته يقوي قلبه ويقوى على نفسه، وأما إن أعطاه العناد وزال في السيئات، فإن نفسه تغلب عليه، وكذلك يجترئ عليه من لم يكن يجترئ عليه. قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والإيمان قول وعمل، فبحسب قوة الإيمان يكون الدفع، والله المستعان. وهذه الأشياء كلها واقعة، التي ذكرها الإمام ابن القيم -رحمه الله-، وهي في الأدلة فيما جاء من الكتاب والسنة، وكذلك يرى هذا المعنى معنا في واقعنا، فإنه إن أطاع الله -عز وجل- تقوى على نفسه، وتقوى على الشيطان، إن كيد الشيطان كان ضعيفًا. فشيطان كيد ضعيف، إذا جرى العبد على نفسه، وإذا جرى العبد على نفسه، هذا الشيطان يتجرأ عليه ويكون قابضًا له، ويكون متسلطًا عليه، كما قال الله -عز وجل-: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، وإنهم ليصدونه عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون، حتى إذا جاءنا قال: «يا ليتني بيني وبينك قَدَّرْتُ المشرقين»، فبئس القرين لا ينفعه بعد ذلك هذا الأمر، لأنه اتخذه قرينًا واتخذه وليًا، أو جرى هذا الشيطان على نفسه، فهذا ما ذكره الإمام ابن القيم -رحمه الله- في هذه المقامة.