الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 425، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله حديثا عن النبي عليه الصلاة والسلام يوضح فيه أن الأجل محيط بابن آدم. يبين الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ومعناه في ذم الأمل.
يتناول خطورة طول الأمل على المسلمين حيث يصرفهم عن العمل الصالح ويبعدهم عن الله عز وجل. يستشهد بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي تحذر من طول الأمل.
يناقش تحذير السلف من طول الأمل وتأثيراته السلبية مثل قسوة القلب والابتعاد عن الله. يستشهد بأقوال السلف وتعاليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
يجب على المسلم تقليل أمله وتذكر الموت دائماً لأنه قريب. هذا مهم لتهذيب النفس وتوجيهها نحو الطريق الصحيح كما ورد في الحديث النبوي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، يقول شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: في مسند أبي سعيد، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الملك بن عمر، وعبد الملك بن عمر هو القيسي أبو عامر العقدي البصري المكي، وقد وثقه الإمام أحمد رحمه الله، وهو حافظ كبير، بل يقول الإمام الذهبي رحمه الله في الكاشف: الحافظ، وقال في السير: الإمام الحافظ، محدث البصرة، وكان من مشايخ الإسلام وثقات النقلة. وكان إسحاق بن إبراهيم رحمه الله بن راهويه إذا روى عن أبي عامر العقدي قال: حدثنا أبو عامر الثقة الأمين، فهو ثقة من حفاظ أهل الإسلام. وقد أيضا حث الإمام أحمد بالكتابة عنه، قال رحمه الله: حدثنا علي بن علي، وعلي بن علي ابن رفاعة الرفاعي، ويشك في أنه أبو إسماعيل البصري، قد وثقه جماعة منهم الإمام يحيى بن معين وغيره، فهو ثقة من ثقات أهل البصرة. وذكروا أن الإمام أحمد قيل له في علي بن علي أنه كان يشبه بالنبي عليه الصلاة والسلام، فقال رحمه الله: كذا كان يقال. وذكر ابن حبان أنه كان ممن يخطئ كثيرا على قلة روايته، لكن الذهبي كأنه لم يقبل كلام ابن حبان، وقال في الكاشف: ثقة، وثقه غير واحد، ولكنه كان يقول بالقدر، ولهذا قال الحافظ في التقريب: لا بأس به، رمي بالقدر، وكان عابدا. فخلاصة ما يذكر أنه ثقة، أو أنه صدوق، عنده أخطاء، لكن العلة أن حديثه من قبيل الحسن. قال عن أبي المتوكل، وأبو المتوكل هو الناجي البصري، وهو مشهور بكنيته، واسمه علي بن داود، أبو المتوكل الناجي، رحمه الله عليه، توفي سنة اثنتين ومائة، وقيل: سنة ثمان ومائة، وهو ثقة من ثقات أهل البصرة، من أصحاب أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. قال عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام غرز بين يديه غرزا، ثم غرز إلى جنبه آخر، ثم غرز الثالثة فأبعده، ثم قال: هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا الإنسان، وهذا أجله، وهذا أمله، يتعاطى الأمل، يختلجه دون ذلك. فهذا الحديث بين النبي عليه الصلاة والسلام أن الأجل محيط بابن آدم، فهو يتعاطاه ويكون معه. وقد جاء هذا الحديث حديث صحيح في ذم الأمل عند الإنسان. وقد جاء معنا هذا الحديث في عدة أحاديث، منها ما جاء في صحيح البخاري في حديث عبد الله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خط لنا خطا مربعا، وخط في وسط الخط خطا، وخط خارجا من الخط خطوطا، وحول الذي في الوسط خطوطا، قال: هذا ابن آدم، وهذا أجله محيط به. وجاء في رواية: هذا الإنسان، وهذه الخطوط التي حوله الأعراض، ويخرج الخط الذي فيه العمل، يخرج على هذا المحيط. وهذا الذي في الوسط الإنسان، وهذه الخطوط عروضه التي تعترضه. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: فإن أخطأه هذا نهشه هذا، أي في الخطوط الصغار الأعراض، وإن أخطأه هذا نهشه هذا، أي هذه الأعراض التي تعترض بني آدم. وجاء كذلك في الصحيحين من حديث أنس: أن النبي عليه الصلاة والسلام خط خطوطا، فقال: هذا الأمل، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب، وهو الأجل. وقد جاء أيضا في ذم طول الأمل أحاديث كثيرة، وفيها التحريض على العمل والترغيب فيه، فيما يكون فيه البعد عن طول الأمل، وأن المسلم ينبغي عليه أن لا يجعل ذلك في نفسه. وقد قال الله عز وجل: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلهيهم الأمل فسوف يعلمون﴾، فهذا وصف للكفار الذين لا يؤمنون بالله عز وجل، فهم الذين يتشبثون بالأمل. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «لا يزال قلب الشيخ شابا في اثنتين: حب الدنيا وطول الأمل». وجاء أيضا في هذه الأحاديث التي ذكرناها حديث عبد الله بن مسعود، وأنس، أن الإنسان قد حاط به أجله، وأنه دائر به، فحيثما توجه لقيه. وإن فتن الدنيا وأعراضها تعترضه وتنهشه وتتلقاه وتستقبله، وهو مع ذلك بعيد الأمل، مصروف النظر إليه. وجاء كذلك من حديث أنس، وجاء من حديث عبد الله بن بريدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عودا فغرزه بين يديه، وغرز عودا آخر إلى جنبه قريبا منه، ثم أخذ عودا ثالثا فغرزه بعيدا منه، ثم قال: تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: هذا الإنسان، وأشار إلى العود الذي بين يديه، وهذا الأجل، وأشار إلى العود الذي إلى جنبه، وذلك الأمل، وأشار إلى العود الثالث البعيد. فالإنسان يتعاطى الأمل ويختلجه قبل ذلك الأجل، فهو يريد الأمل، لكن يأتي الأجل. كما في هذا الحديث الذي ذكره أبو سعيد، وهو أيضا جاء من حديث أنس نحوه، لكن هنا زيادة: فالإنسان يتعاطى الأمل ويختلجه قبل ذلك الأجل، فهو يريد الأمل ويتعاطاه، وأيضا يكون في نفسه، لكن الأجل قريب منه يختلجه ويمنع ذلك الأمل. فلهذا فإن العاقل لا يتشبث بالأمل، لأن الدنيا قصيرة والموت قريب منه، وأجله قريب منه. فلهذا فلا ينبغي للعاقل أن يتشبث بمثل هذه الأمور التي تبعده عن ذلك. وقد صحح الشيخ الألباني حديثا في الصحيحة من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «نجى أول هذه الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخرها بالبخل والأمل»، فالأمل يقابله اليقين والزهد. فإذا أيقن الرجل بأنه راجع إلى الله عز وجل، فإن آمال الدنيا لا تضره. فلا بد من الأمل، لكن المهم أن يكون هذا الأمل مقرونا بالوعد واليقين. وكذلك أيضا عدم الدخول في هذه الدنيا حتى لا تضره. ولهذا قال بعض السلف رحمه الله: إن الداخل في الأمل يقال له: رويدك، فإن الزمان يقتل أو يذهب قيدك، ربما صرعك قبل أن تنال ما به خدعك، وقتلتك قبل أن تستوفي أملك، فإنه يأتيك الأجل. فينبغي للمسلم العاقل أن لا يدع نفسه تستمر مع هذه الآمال التي قد تضله. فلهذا فمن وقع في طول الأمل ورغبته في الزيادة من الدنيا، فإنه ينبغي أن يتوب إلى الله، لأن الدنيا هي التي تصرفه عن الله عز وجل. ولهذا قال الحسن البصري رضي الله عنه: كان آدم عليه السلام قبل أن يخطئ الخطيئة أمله خلف ظهره والموت نصب عينيه، فلما أصاب الخطيئة تحول أمله فصار بين عينيه، وصار أجله خلف ظهره. ولهذا كان يقول رحمه الله: ما أطال عبد الأمل إلا نسي العمل. وأيضا قيل لبعض الزهاد بالبصرة: لك حاجة ببغداد؟ قال: ما أحب أن أبسط أملي حتى تمضي إلى بغداد وتجيء. فلهذا كان السلف رحمهم الله يزهدون في كثرة الأمل. ولهذا قال بعضهم ناشدا: يا ذا الذي يرجو آمالا وإن بعدت عنه ويزعم أن يحظى بأقصاها أن تفوز بما ترجوه ويلك وما أصبحت في ثقة من نيل أدناها فطول الأمل هو التمسك بالدنيا، والأمل كالسراب، غر من رآه وخيب من رجاه. فلهذا كان بعض السلف كما جاء عن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يقول: تزودوا التقوى لسفركم من الدنيا إلى الآخرة، وكونوا كمن عاين ما أعد الله من ثوابه وعقابه، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم وتنقاد لعدوكم. إنه والله ما بسط الأمل من لا يدري لعله لا يصبح بعد مسائه، ولا يمسي بعد صباحه. وهذا أيضا مثل ما قال عبد الله بن عمر: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر السبيل»، قال عبد الله بن عمر: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح. فلهذا من أعظم ما يكون للعبد أنه يعلم أن أجله قريب، وأنه قد يفجؤه هذا الأجل قبل أن يكمل أمله. فلهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يعتقدون أن الأجل قريب دائما، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الموت أقرب إلى أحدكم من شراك نعله». وجاء عن عبد الله بن عمر، وكذلك جاء عن خباب بن الأرت أيضا في الترمذي وغيره: أنه بينما نحن نصلح خصا لنا -والخص هو البيت من الخوص- إذ مر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا؟ قلنا: يا رسول الله، قد وهى، فنحن نصلحه. فقال: «ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك». فهذا النبي عليه الصلاة والسلام يريد تعجيل الأمر وتقريبه، وخوف بغتته والحذر من فجأته. ولهذا قيل للحسن البصري: يا أبا سعيد، ألا تغسل قميصك؟ فقال: الأمر أعجل من ذلك. وكان الحسن رحمه الله قصير الأمل، كما ذكر عنه كثير من أصحابه، وكان طويل الخوف. فلهذا قيل أيضا للربيع بن خثيم رحمه الله: كيف أصبحت؟ قال: كيف يصبح رجل إذا أصبح لا يدري أنه يمسي، وإذا أمسى لا يدري أنه يصبح. وهذا مصداق ما جاء في حديث عبد الله بن عمر الذي ذكرناه آنفا. وجاء أيضا عن ابن عباس: أن رجلا قال له: من تفعل ولد تعطى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل كتاب كتبه إلى علي بن أبي طالب. فقال ابن عباس: أنا انتفعت بهذا. وذكر له علي رضي الله عنه أيضا قصر الأمل، فإن من آفات الرجل أن يؤخر التوبة لطول الأمل، فكأن قد نزل به الأجل الذي يهدم ذلك الأمل. فلهذا الواجب على المسلم أنه يعلم أنه راجع إلى الله عز وجل، وأن الموت قد يأتيه في لحظة، ولا ينبغي أن يطول أمله. فإن طول الأمل يقسي القلوب، وأيضا يبعدها عن الله عز وجل. والعاقل يعتمد على عمله، والجاهل يعتمد على أمله، كما قال بعض السلف: العاقل يعتمد على عمله، والجاهل يعتمد على أمله، مثل ما أمل اليهود، كما قال الله عز وجل: ﴿تلك أمانيكم﴾، فقالوا: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾، وقالوا أيضا: ﴿لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾، وغيرها من الآمال التي أملوها وهي آمال باطلة، فرد الله عز وجل عليهم وقال: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾. فلهذا فالواجب على المسلم أن يقلل أمله في هذه الحياة، وتذكر الموت في كل وقت وحين، فإن الموت قريب منه. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا الحديث. والله تعالى أعلم.