الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 493

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 493

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 493، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خطورة الجدل وآثاره السلبية

الحديث النبوي يبين خطورة الجدل وأنه يؤدي إلى الضلال بعد الهدى، ويحذر من المراء والجدال في مسائل العلم. الجدل يؤدي إلى البغضاء والشقاق بين الناس.

آفات الجدال ونهي السلف عنه

آفات الجدال مع أهل البدع تشتمل على إظهار البدعة وإخفاء الحق، وقد نهى السلف عن جدال أهل البدع لما فيه من مفاسد. الجدال يشتت قلوب الناس ويورث البغضاء.

تفسير آية وسبب نزولها

الآية ﴿ما ضربوه لك إلا جدلًا بل هم قوم خصمون﴾ تشير إلى جدال قريش والنبي عليه الصلاة والسلام باستخدام ما أخذوه من اليهود. الآية نزلت في سياق جدالهم وخصومتهم على الباطل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وهو محمد بن عيسى بن سورة الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، وعبد بن حميد الذي قال له الكشي، وعبد -وقيل: إن اسمه عبد الحميد- لكن يقال له عبد، عبد بن حميد الكشي، صاحب كتاب المنتخب في التفسير والمنتخب من المسند. وهو حافظ من حفاظ أهل البصرة -أو أقصد أهل الكوفة- وهو ليس من أهل الشام، لكنه نزل الكوفة، وإلا فعداده من أهل الشام، أهل دمشق. قال: أخبرنا محمد بن بشر العبدي، محمد بن بشر العبدي كوفي ثقة من أصحاب سفيان الثوري، وفي حفظه عن سفيان ضعف، لكنه ثقة في الأصل، لكن أخطأ في حديث عن سفيان، وهذا لا يدل على أنه ضعيف، وإنما عنده أوهام. قال: ويعلى بن عبيد، يعلى بن عبيد هو التنافسي الكوفي، هؤلاء آل عبيد التنافسي أهل علم، يعلى ومحمد وعمر وإبراهيم، وثلاثة الأولون من مشايخ الإمام محمد، يعلى ومحمد وعمر، فكلهم أهل علم، وأيضًا أبناءه من أهل العلم، فعلي بن محمد بن عبيد التنافسي إمام حافظ كبير، يروي عنه ابن ماجة كثيرًا. قال: عن حجاج بن دينار، عن حجاج بن دينار، وهو كوفي -أو أقصد واسطي- حجاج بن دينار الواسطي وهو ثقة، وفي طبقته حجاج -أو من يسمى بحجاج- كثير، ومن أوثقهم حجاج بن محمد المصيصي صاحب ابن جريج، وأيضًا حجاج بن الشاعر وهو أنزل منه، وحجاج بن المنهال وهو من أصحاب شعبة كوفي، وحجاج بن الحجاج وهو أرفع من هؤلاء، يروي عن عبد الله بن أبي قتادة وغيره. قال: عن أبي غالب، وأبو غالب هو خزور البصري، وهو من أصحاب أئمة البصريين، من البصريين، وقال له خزور، وهو كان عابدًا صالحًا، صحب أبا أمامة. قال: عن أبي أمامة صدي بن عجلان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلًا بل هم قوم خصمون﴾. قال: هذا حديث حسن صحيح، إنما نعرفه من حديث حجاج بن دينار، وحجاج بن دينار مقارب الحديث، وأبو غالب اسمه خزور. قال: والحديث رواه ابن ماجة. ومقارب الحديث أي حديثه يقرب حديث الثقات، هكذا فسرها جماعة منهم العلماء، ومنهم ابن الملقن والحافظ ابن حجر، مقارب الحديث معناه حديثه يقارب حديث الثقات، وفرق بعض المحدثين كابن الملقن وغيره بين مقارب ومقارب، فجعل مقارب الحديث الذي يقرب حديثه من الثقات، ومقارب الذي يقارب الضعف، لكن أكثر العلماء على أنها واحدة، وأكثر ما كان يقولها الإمام البخاري رحمه الله، ويريد به غالبًا من حديثه يشبه حديث الثقات، والذي يذكره الحافظ ابن حجر بصادق، فهذا الحديث بين النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، أي كانوا على هدى، ثم أضلهم الله، فتجد أنهم يتفانون في الجدل لماذا؟ حتى يثبتوا ما هم عليه، وأنهم على الصواب، فلهذا يكثر الجدل فيهم، ويكثر المراء، ولهذا تجد أفسد هذه الأمة وأبعد هذه الأمة عن الحق هم أهل الكلام وأهل الجدل، لأن دين الله عز وجل لا يؤتى بالجدل، ولا يؤتى بالفلسفة، وإنما يؤتى بالاستدلال بالكتاب والسنة. فلذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الجدال في مسائل العلم، بل أحيانًا يكون الجدال -وخاصة في القرآن- عظيم، كما تقدم معنا: المراء بالقرآن كفر، المراء يعني الجدال، وهو أن يضرب بعضه بعضًا. وقال أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام، كما صح ذلك عند أحمد والترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقًا، لمن ترك المراء ولو كان محقًا». وهناك فرق بين الجدال والمراء، وبين النقاش العلمي، فالنقاش العلمي ليس من المراء ولا من الجدال؛ لأنه يصب في الاستدلال بآيات الله، وأيضًا بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأما الجدال فهو غالبًا يكون معارضًا للكتاب والسنة، أو أنه لا يستدل بالكتاب والسنة. ولهذا أهل السنة حرصوا من قديم الزمان على أنهم يلزمون أهل البدع بالكتاب والسنة، كان الإمام أحمد يقول لهم: هاتوا آية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نتبعكم عليها. لما كانوا يقولون بخلق القرآن، فقال لهم: هاتوا آية من كتاب الله أو حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام نتبعكم عليه، أنا ما سنتبعكم على هذا الجدل الذي تأتون به، وهذا الباطل. فقالوا: الله عز وجل يقول: ﴿الله خالق كل شيء﴾ والقرآن شيء، فظنوا أن هذا دليل، وإنما هذا أيضًا من الجدال؛ لأن الشيء حتى الله عز وجل سمى نفسه شيء: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة﴾. ولهذا استدل لهم الإمام أحمد بهذه الآية. فلذلك فمن سنة الله عز وجل في خلقه: أن من كان على هدى وعلى حق، ثم انحرف عن هذا الحق، فتجد أنه يعطى الجدل، ويؤتى الجدل والكلام، وكثرة الكلام فيما لا يكون في الكتاب والسنة. فلذلك لم يعط زكاة، ولم يعط فهمًا، كما قال شيخ الإسلام في أهل البدع: أوتوا علومًا ولم يؤتوا فهمًا، يعني عندهم علوم، لكن الفهم ابتعد عنه، وأوتوا ذكاء ولم يؤتوا ذكاء، فأعطاهم الله عز وجل -نزع عنهم الحق والهدى- وأعطاهم الجدل، أعطاهم الجدل لما نزع الله عز وجل عنهم الهدى، فلذلك راحوا يتخبطون في ظلمات الكلام. فلذلك يحرص المسلم على ألا يشغل نفسه بالجدل، ولهذا كان يقول الإمام الأوزاعي رحمه الله، وكذلك ذكر أيضًا ابن بطة في الإبانة: أن أهل السنة لا يفتتحون الجدال، ولا أيضًا يطالبون به، وإنما إذا اضطروا إليه فعلوا. أن المراء أمام الناس والجدال أمام الناس غالبًا لا يظهر الحق، وإنما يشتت قلوب الناس، وكذلك أيضًا يورث البغضاء بين المتجادلين، وكذلك أيضًا يضيع الحق، وغيرها من الآفات التي ذكرها الإمام الخطيب البغدادي في كتابه العظيم: الفقيه والمتفقه، فذكر آداب الجدال وآثاره السيئة، وغيرها من هذه الأمور التي ينبغي لأهل السنة أن يتفهموها. فتجد كثيرًا من أهل السنة يعتبر الأمر تحديًا، فإذا رأى أن بعض أهل البدع يتحدى، ظن أن هذا خذلانًا للسنة، فتجد أنه يجادل أمام الناس، وأحيانًا أو غالبًا تجد -أو أحيانًا تجد- أن هذا الذي هو من أهل السنة عنده حجته ضعيفة، أو لا يحسن الجدال، ولا يحسن أيضًا طرح الأدلة والاستنباط واستحضار الأدلة، فتجد أنه يهزم الحق بسببه، وأيضًا يرجع الناس إلى الباطل بسببه. فلذلك نهى السلف رحمهم الله عن جدال أهل البدع، كما قال أبو قلابة: لا تجادل أهل البدع، ولا تجلس إليهم. وقال الإمام سفيان الثوري رحمه الله: لا تجادل أهل البدع؛ فإن الجدال إما أنه يظهر البدعة، أو كما قال رحمه الله: أو أنه يخفي الحق. فلذلك فالجدال لا ينبغي للمسلم أن يجعل كتاب الله عز وجل عرضة للجدال، فإن اضطر إلى الجدال فلا بأس، مثل ما فعل الإمام أحمد رحمه الله، اضطر إلى أن يجادلهم، ولم يجادلهم إلا بالكتاب والسنة، وأيضًا كذلك الاستنباط من الكتاب والسنة، لم يأت لهم بشيء من كلام المنطق أو من ما يكون من القياسات البعيدة، بل كان يستدل عليهم بالكتاب والسنة، أو ما يستنبط منهما. فلذلك فإن من سنة الله عز وجل -كما ذكر في هذا الحديث- أن الجدل يكون مع أهل الباطل، يعني تجد أنهم يحبون الجدل، ويحبون أن يعارضوا ما يكون فيه حق لكي يظهروا ما هم عليه؛ لأنهم انحرفوا عن الهدى، وانحرفوا عما كانوا عليه من الحق. فلذلك تجد أنهم يجادلون؛ لأنهم غيروا الحقائق، غيروا ما كانوا عليه مما هو موافق للكتاب والسنة، فأرادوا أن يثبتوا ما انحرفوا به، فلذلك يأتون بهذا الجدل. ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلًا بل هم قوم خصمون﴾، أي ضرب مثال عيسى بن مريم، وأراد ربنا جل وعلا قريشًا؛ فإن قريشًا أعطتهم اليهود شيئًا من هذا حتى يستدلوا به على النبي عليه الصلاة والسلام. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿بل هم قوم خصمون﴾، يعني يجادلون ويخاصمون على الباطل. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.