كتاب الصلاة 19

الدرس في كتاب الصلاة 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مكروهات الصلاة والهيئات المنهي عنها

المكروهات في الصلاة تشمل الالتفات بالوجه ورفع البصر إلى السماء والإقعاء على هيئة الكلب، كما نهى النبي عن افتراش الذراعين والتخصر والعبث في الصلاة.

مبطلات الصلاة والعبث فيها

من مبطلات الصلاة أو العبث فيها فرقعة الأصابع وتشبيكها، والحاقن الذي يدافعه البول أو الغائط، وتكرار الفاتحة بدون حاجة، وقد اختلف الفقهاء في هذه المسائل.

حكم جمع السور في الصلاة وتكرارها

يجوز جمع أكثر من سورة في صلاة النفل أو الفرض، كما يجوز تكرار السورة لورود ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، مع عدم جواز تكرار الفاتحة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مباد قال: فصل. ويكره في الصلاة التفاته ورفع قصره إلى السماء. طيب، الآن ذكر المكروهات، والمكروهات غالبًا عند العلماء المراد بها التي يؤجر بتركها ولا يأثم بفعلها، ولا يأثم بفعلها، لكن من ناحية بعض هذه الأشياء جاء نهي فيها، ولهذا قال بعض العلماء بالتحريم، كما سيأتي في بعضها. قالوا: يكره في الصلاة التفاته. الالتفات في الصلاة المراد بالالتفات هنا التفات الوجه، الالتفات بالوجه. وأما التفات العينين، فإن كان كثيرًا فهو داخل في النهي عن التفات كالتفات الثعلب في حديث عبد الرحمن بن الشبل، فالالتفات هنا الالتفات بالوجه. وهناك الالتفات الآخر وهو الالتفات القلب، وهذا يتعلق بالخشوع، لكن هنا المقصود به الالتفات بالوجه، يلتفت يمنة ويسرة، فهذا الالتفات جاء فيه النهي عن النبي عليه الصلاة والسلام. فمن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الالتفات في الصلاة، قال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». وجاء في حديث الحارث الأشعري في وصية نبي الله يحيى لقومه، فقال: «فإذا كان حدكم في صلاته فلا يلتفت، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده». ففيه النهي عن الالتفات. وجاء في لفظ: «فلا تلتفتوا». فالالتفات جاء النهي عنه كما قلنا، لكن يجوز أحيانًا، يجوز أحيانًا. فقد جاء في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل رجلًا يرى خبر المشركين، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي ويلتفت إلى الشعب، كان يلتفت إلى الشعب حتى جاء الفارس، ففيه جواز الالتفات أحيانًا إذا كان الإنسان سيشغل إن لم يلتفت، مثلًا بعض الأمهات تترك ابنها عند شيء وتخاف عليه، فلهذا تحتاج إلى أنها تلتفت أحيانًا إليه، مثلًا تخاف أن يسقط، تخاف كذا، فلا بأس أنها تلتفت أحيانًا إذا خافت، لكن لا تجعلها عادة، وإنما عند الحاجة. وأما ما جاء في ذلك الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلحظ في صلاته، فهو حديث خطأ، هو مرسل، وأيضًا سيق بالمعنى. ولهذا الإمام أحمد رحمه الله لما حدث رجل بهذا الحديث، قال: استغفر ربك، أن النبي صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته، لكان النبي صلى الله عليه وسلم خاشعًا كيف يلحظ في صلاته؟ وإنما فعل ذلك أحيانًا لجواز الرخصة وللحاجة. طيب، قال: ورفع البصر إلى السماء. أيضًا الالتفات إلى السماء أو رفع البصر إلى السماء منهي عنه. قد جاء في البخاري: «لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم إلى السماء أو لتخطفن». فهذا نهي شديد عن رفع البصر إلى السماء، ولهذا صرح الشوكاني وغيره بوجوب أو بالتحريم، أنه لا يجوز أن يرفع بصره إلى السماء لأن النهي جاء فيه شديدًا. قالوا: إقعاؤه. الإقعاء المنهي عنه أو الإقعاء في الصلاة على نوعين: إقعاء كإقعاء الكلب أو الحيوان، فهذا منهي عنه. وإقعاء إقعاء على العقب، فهذا قد جاء في السنة، صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله في الجلوس بين السجدتين، يعني ينصب رجليه ويجلس عليهما، فهذا قد جاء في السنة وهو إقعاء أيضًا. لكن الإقعاء جاء كما ذكرنا قبل أن الشيخ الألباني رحمه الله عليه يصحح حديث: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التورك والإقعاء»، فحمله الشيخ على إقعاء في غير الجلوس بين السجدتين. لكن صحيح أن هذا النهي لا يصح، وإن صح فيحمل على الإقعاء الذي هو منهي عنه، وهو إقعاء الكلب. الإقعاء المنهي عنه فهذا الذي جاء كما في الصحيحين وغيرهما، إقعاء كان إقعاء الكلب، والمراد أنه ينصب ساقيه ويضع يديه ويجلس على عقبيه، ويضع يديه في الأرض، فهذا يسمى إقعاء إقعاء الكلب، هذا منهي عنه في الصلاة. قالوا: افتراش ذراعيه ساجدًا. افتراش الذراعين، لا يفترش ويضع ذراعيه على الأرض، قد جاء في الصحيحين النهي عن ذلك: «لا يفترش أحدكم ذراعيه كافتراش السبع». جاء في رواية: «كافتراش الكلب». والسنة كما تقدم معنا أنه يجافي، يجافي يديه عن جنبيه، كذلك يجافي بطنه عن فخذيه، السنة المجافاة. وأما الافتراش فهو منهي عنه، حتى للنساء، حتى المرأة لا ينبغي لها أن تفعل ذلك. بعض النساء يسمعن مثلًا أنه يجوز أن تكفت، وأيضًا أجازه بعض العلماء، فتضع ذراعيها حتى تكفت، وهذا لم يثبت، لم يثبت الفرق بين الرجال والنساء، بل الصحيح كما ذكرنا أن المرأة تسجد كسجود الرجل، تباعد بين يديها عن جنبيها، وتباعد كذلك بطنها عن فخذيها، وقد كان يفعل ذلك بعض النساء من ممن هو قدوة، كحفصة بنت سيرين وأم الدرداء وغيرهما. قال: وعبثه. العبث في الصلاة، المرأة به التحريك بدون حاجة، يتحرك أو يحرك أو غيره بدون حاجة، فهذا يسمى عبثًا، أو يصلح بعض ثيابه أو مثل هذه الأمور، فهذا يعتبر عبثًا. والنبي عليه الصلاة والسلام أمر بالسكون في الصلاة، فقال: «أسكنوا في الصلاة»، كما في حديث أبي هريرة. وأيضًا قال: «إن في الصلاة لشغلًا». فلهذا من الخشوع في الصلاة، وأيضًا كذلك إتقان الصلاة، أن الإنسان لا يعبد ولا يتحرك كثيرًا، فالعبث هذا مكروه، وقد يصل إلى التحريم إذا كان كثيرًا. قال: وتخصره. التخصر المراد بالتخصر هو وضع اليد على الخاصرة، وضع اليد على الخاصرة هذا يسمى التخصر، وقد جاء نهي عنه في حديث أبي هريرة في الصحيح، نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التخصر في الصلاة. جاء في الوادع: «الاختصار في الصلاة»، وفسر الاختصار في الصلاة والتخصر فسر باختصار السور، لكن هذا التعريف غير صحيح. وفسره بعض الرواة كذلك أيضًا جاء في صحيح مسلم عن ابن عمر أنه وجد رجلًا واضعًا يديه على صلبه، أنه هو في الصلاة يضع يديه على صلبه في الصلاة، فقال: «هذا الصلب الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم»، أنت تضع يديك فيه؟ والصلب يعتبر من الخصر لأنه آخر معنى مؤخرة الخصر هو الصلب، فلهذا نهى ابن عمر الرجل، وقال: هذا الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء عن عائشة رضي الله عنها أن هذا من فعل اليهود، التخصر من فعل اليهود، فلهذا لا ينبغي للمصلي أن يتخصر في صلاته، حتى وضع اليدين في الخاصرة، بعضهم يضع يديه في خاصرته أيضًا هذا يدخل فيه. قال: وتروحه. التروح هنا المقصود به التروح بين الرجلين، أنه يفرق بين الرجلين، لكن هذا لم يأت فيه نهي، لم يأت فيه نهي، ولم يأت أيضًا شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن الإنسان يضم مثلًا أو يروح بين الرجلين، لم يثبت شيء. وإنما جاء عن الصحابة، فمنهم من قال بالترويح، ومنهم من نهى عن الترويح، ومنهم من كان يضم كابن الزبير وغيره. وغالبًا أكثر الصحابة أنهم ما يضمون، أن يضمون رجليهم عند الانفراد والإمام. أما المأموم فهو مطالب بتسوية الصفوف كما تقدم. أما غير الإمام أو غير المأموم، من الإمام وكذلك المنفرد مفرد، فلم يأت ولم يثبت شيء يدل على كيف يقف، هل يضم رجليه أو يراوح بينها؟ والأمر جائز، سواء كان هذا أو هذا، لكن لا ينبغي أن يراوح حتى يضر بقيامه، حتى يضر بقيامه، هذا خطأ. بعض الناس يراوح كثيرًا حتى أنه لو قام فترة لتعب بسبب مراوحته الكثيرة، فالأمر سهل، سواء كان يضم أو يروح، لكنه ما يكون كثيرًا، فهذا جائز. قال: فرقعة أصابعه. أيضًا فرقعة الأصابع من العبث، يعتبر يدخل في العبث في الصلاة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أسكنوا في الصلاة». وتشبيكها، والتشبيك جاء فيه نهي عند أحمد وأبي داود والنسائي في النهي عن التشبيك بعد الوضوء، هذا ما يتوضأ حتى يصل، فأدخله بعض الفقهاء أيضًا حتى في الصلاة، لا يشبك في الصلاة. أما بعد الصلاة فيجوز، قد شبك النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة. قال: وأن يكون حاقنًا. أن يكون حاقنًا، الحاقن هو الذي يدافعه البول، يدافعه البول. وإذا كان يدافعه الغائط فيسمى حاقنًا أو باللام، مسألة الحاقن هذه جاء فيها النهي عن النبي عليه الصلاة والسلام. من ذلك ما جاء في مسلم عن عائشة: «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان». وجاء في حديث أبي هريرة: «إذا جاء أحدكم إلى الصلاة وحضر الخلاء فليبدأ بالخلاء». فجاء النهي عن ذلك. وهل هذا يكتفي أن يقال مكروه؟ الظاهر ليس كذلك. لهذا ذهب جماعة من المالكية، وكذلك هو قول ابن حزم الظاهرية، أنه إذا كان مدافعًا يدافعه الأخبثان واستمر في صلاته، صلاته غير صحيحة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة»، والأصل في النهي عدم الوقوع. وأيضًا بعضهم يقول: الأصل هنا نفي، لا صلاته ينفي للصلاة، فلهذا لم يأت ما يدل على الجواز. مثل الطعام، الطعام جاء الجواز، النبي صلى الله عليه وسلم أكل طعامًا فأقيمت الصلاة، فترك الطعام وقام يصلي، هذا يدل على جواز جوازه في الطعام. أما في الحاقن فلم يأت ما يرخص في الحاقن، لهذا يبقى النهي أو نفي الصلاة: «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان». فمن دفع دفعه أحد الأخبثين واستمر في صلاته، فإن كان قليلًا لا بأس، ليس مدافعًا. إن كان ليس مدافعًا فالأولى أن يخرج، لكن إن لم يخرج فالصلاة صحيحة. لكن إن كان مدافعًا فهذا قد يبطل الصلاة، فلابد أن يخرج. إن كان مدافعًا قليلًا ثم ذهب فلا بأس أنه يجلس في الصلاة. وأما إن كان مستمرًا فهو لا يعي الصلاة غالبًا، لهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قالوا: بحضرة طعام يشتهيه. أكثر العلماء يقيدون حضرة الطعام بالاشتهاء، عما كان لا يشتهيه فلا يجلس ويترك الصلاة، فهي رخصة رخص الله عز وجل لمن يأكل طعامًا أو قدم له طعام وحضرة الصلاة أن يقدم الطعام. في الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا حضرت الصلاة وأراد أحدكم أن يتعشى أو حضر العشاء فابدأوا بالعشاء قبل الصلاة». وجاء في رواية: «إذا حضرت صلاة المغرب وحضر العشاء فابدأوا بالعشاء قبل صلاة المغرب». لأن الصحابة كانوا يتعشون قبل الصلاة قبل صلاة المغرب، فإذا صلوا فإذا صلوا صلوا العشاء، ناموا. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حضر العشاء فابدأوا بالعشاء قبل الصلاة». قالوا: تكرار الفاتحة. تكرار الفاتحة قال بعض العلماء بأنه يبطل الصلاة عند الشافعية، يبطل الصلاة إذا كان متعمدًا التكرار، إذا كان متعمدًا لأنه يعتبرونه زيادة ركن. بل بعض الظاهر عند المالكية أنه لا يجوز حتى تكرار آية من الفاتحة، أن لا يكرر حتى آية من الفاتحة لا يكررها. وهذا ليس صحيحًا، التكرار قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. أما الإعادة إعادة الفاتحة بدون حاجة، فهذا يضر، لأن هذا ركن يعتبر، فيعادتها بدون حاجة كالزيادة هكذا، فهذا يضر بالصلاة، لأنها تعتبر زيادة ركن بدون حاجة. لهذا ذهب الشافعية إلى أنه تبطل الصلاة بتكرار الفاتحة بدون حاجة. قال: لا جمع سور في فرض كنفل. على جمع أكثر من سورة، هذا قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، أن النفل يجمع فيه السور، كذلك الفرض يجوز. ولا يدخل في هذا التكرار كتكرار الفاتحة، وإنما المنهي عنه تكرار الفاتحة. وأما تكرار السورة فهو جائز، قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام.