التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 31

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 31

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

النهي عن مشابهة الكفار وأهمية الامتثال للأمر الإلهي

نهى الإسلام عن اتباع اليهود والنصارى والكفار، ويهدف هذا النهي إلى تكثير الطائفة المنصورة وتثبيتها. العلم بقبح مشابهتهم والإيمان بذلك يعتبر خيرًا حتى وإن لم يترك الناس مشابهتهم.

أهمية إنكار المنكر ودرجات الإيمان

إنكار المنكر بقلب الإنسان وكراهيته له يعد إيمانا، حتى وإن لم يستطع تغييره بيده أو لسانه. فقدان القلب لمعرفة المعروف وإنكار المنكر يؤدي إلى ارتفاع الإيمان من القلب.

وجوب تبليغ الرسالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يجب على المسلم أن يبلغ الرسالة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى لو كان المنكر منتشرا، ويعتبر ذلك من الواجبات. يجب على المرء أن ينكر المنكر استجابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم وروايتين عن أحمد.

أعذار عدم تبليغ المنكر وتوضيح حالات العذر

قد يعذر الإنسان بعدم تبليغ المنكر إذا كان متشككًا فيه أو لا علم له به أو يقصر عن تبليغه للناس. العذر يكون بسبب الجهل أو الشك أو القصور في التبليغ.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «اقتضاء صراط المستقيم» أيضا بعض الأدلة التي تبين النهي عن اتباع اليهود والنصارى والكفار، قال: وذكر أيضا حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع»، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن الناس إذًا؟». قال رحمه الله: وهذا كله خرج مخرج الخبر عن وقوع ذلك، والذنب لمن يفعله، كما كان يخبر عن ما يفعله الناس بين يدي الساعة من الاشراط والأمور المحرمات. قال: فعلم أن مشابهتها لليهود والنصارى وفارس والروم مما ذمه الله ورسوله، وهو المطلوب. ولا يقال: فإذا كان الكتاب والسنة قد دل على وقوع ذلك، فما فائدة النهي عنه؟ لأن الكتاب والسنة أيضا قد دل على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة متمسكة بالحق الذي بعث به محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى قيام الساعة، وأنها لا تجتمع على ضلالة. ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة وتثبيتها وزيادة إيمانها. قال: فائدة النهي أن لا يقع أهل الإيمان وأهل الخير وأهل السنة في مثل هذه الأمور، ويجتنبوها؛ لأنهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية. قالوا أيضا: لو فرض أن الناس لا يترك أحد منهم هذه المشابهة المنكرة، لكان في العلم بها معرفة القبيح والإيمان بذلك. فإن نفس العلم والإيمان بما كرهه الله خير، وإن لم يعمل به؛ عندما يكرهه بقلبه هذا خير. يكره هذه الأعمال ولو لم يطبقها؛ لأنها مثلا قد لا تكون تحصل أو الوقت لا يسعف بذلك، فهو يكرهها بقلبه. قال: بل فائدة العلم والإيمان أعظم من فائدة مجرد العمل الذي لم يقترن به علم؛ فإن الإنسان إذا عرف المعروف وأنكر المنكر كان خيرا من أن يكون ميت القلب لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا. وأما مثلا إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فهو من إخبار واقع، إخبار شيء يقع، ولا يلزم مثلا أن الله عز وجل أو نبيه صلى الله عليه وآله وسلم يخبر بما سيقع أن الإنسان يقع فيه ولو كان منهيًا عنه. قال: ولذلك خلقهم، جعل بينهم الاختلاف. وهل معنى ذلك أن الإنسان يتعمد الاختلاف؟ لا. قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم. وفي لفظ: «ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». فالإيمان بذلك وإنكار القلب، وكراهته لذلك. قال: فإذا حصل هذا كان في القلب إيمان، ولو كان مثلا النفس تحب هذا الشيء. قد يكون هذا الشيء من الشهوات التي يبثها أعداء الله عز وجل بين المسلمين، فتجد النفس تحب ذلك، لكن لما وقع في قلبه من الإيمان بالله عز وجل والإيمان باليوم الآخر، وكذلك التقرب إلى الله عز وجل وعدم فعل ما كرهه الله، بل يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه الله، فهو يكرهه بقلبه، ويبتعد أيضا بفعله. قال: وإذا فقد القلب معرفة هذا المعروف وإنكار هذا المنكر، ارتفع هذا الإيمان من القلب؛ إما أصل الإيمان أو كماله. والغالب يرتفع كماله أي عند المؤمن. قال: وأيضا فقد استغفر الرجل من الذنب مع إصراره عليه، أو يأتي بحسنات تمحوه أو تمحو بعضه، وقد يقلل منه، وقد تضعف همته في طلبه إذا علم أنه منكر. ثم لو فرض أننا علمنا أن الناس لا يتركون المنكر، فهذا لا يمنع من إبلاغ الرسالة وبيان العلم. قال: فلذلك لا يسخط وجوب الإبلاغ ولا وجوب الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن أحمد. إلا إذا كان هذا الأمر قد تفشى جدا حتى إنه لا تسمع كلمة من يتكلم، وليس له ما يستطيع من يبث هذا الكلام، فمثل هذه الحالات ممكن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحا مطاعا ودنيا مؤثرة وإعجاب المرء بنفسه، فعليك بخاصة نفسك ودع أمر العام». قال رحمه الله: وهذا أحد الروايتين عن أحمد، وقول كثير من أهل العلم على أن هذا ليس موضع استقصاء ذلك. ولله الحمد على ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من أنه «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله». قال: وليس هذا الكلام من خصائص هذه المسألة، بل هو وارد في كل منكر قد أخبر الصادق بوقوعه. فهذا معنى قول الشيخ رحمه الله: أن هذا ليس خاصا باتباع اليهود والنصارى، وإنما هو عام في كل منكر. عام في كل منكر يجب على المرء إذا علم أنه منكرا أن ينكره، وأيضا ينهى من يفعله عن ذلك، وهذا يعتبر من الواجبات. إن كان يعلم أنه منكر، أما إن كان متشككًا فيه أو لا علم له به، أو كذلك يقصر عن تبليغ الناس لذلك، فقد يعذر الإنسان بهذا أو بمثل بعض هذه الأعذار.