التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 151

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 151

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 151، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بطلان الاستدلال باستجابة الدعاء عند القبور والأولياء

يبيّن المقطع أن دعاء غير الله عند القبور والمشاهد ليس سبباً في إجابة الدعاء، بل هو من تزيين الشيطان ويشبه النذر الذي لا يحقق مطلوباً بل يستخرج من البخيل. وينقل أمثلة لشرك صريح يزعم أصحابها أن الله لم يستجب لهم حتى دعوا الأولياء، وهذا من أعظم الشرك ومن خصائص الربوبية.

بطلان الاستدلال بالاقتران على سببية الدعاء والنذر للمقبورين

يبيّن المقطع أن اعتقاد استجابة الدعاء أو النذر للمقبورين بسبب مجرد اقترانها بالفرج شرك في الربوبية، لأن الاقتران غير المتكرر والمنتقض لا يدل على السببية بل قد يكون موافقة لقدر الله أو استدراجاً. ويقسم الناس في هذا الباب إلى ثلاث فرق: مغضوب عليهم ينكرون الأسباب المشروعة، وضالون يعبدون غير الله، ومن أنعم الله عليهم بالاتباع الصحيح.

الرد على منكري الدعاء والمتوسلين بالقبور وبيان حقيقة الأسباب والكرامات

يناقش المقطع بطلان قول من ينكرون الدعاء بزعم أن علم الله يغني عن السؤال، ويبين فساد التوسل بقبور النصارى والمشايخ المزعومين. مستدلاً بكلام ابن تيمية على أن المهتدين يؤمنون بالأسباب الطبيعية لكنهم يوقنون بقدرة الله المطلقة التي تخترق العادات كرامة للأنبياء والأولياء، مع ضرب الأمثلة على بركات النبي صلى الله عليه وسلم كتكثير الطعام والماء.

بركة النبي صلى الله عليه وسلم في تكثير الطعام والماء وكرامات الأولياء

يسرد المقطع معجزة تكثير طعام جابر بن عبد الله حتى شبع ثمانون رجلاً، وبركة يد النبي في الماء والطعام، ودعاءه لأنس بن مالك فأثمر نخله مرتين سنوياً وكثر نسله. ويضرب أمثلة لكرامات الأولياء كدعاء العلاء بن الحضرمي للمطر ومشيه على النهر، ونبع الماء لأيوب السختياني، مبيناً أن الدعاء سبب شرعي حقيقي تُحدث به المطالب مع انتفاء الأسباب المعتادة، وهو أمر ثابت بالعقل والوحي والتجربة المتواترة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في درسٍ من دروس "الاقتضاء" كلام شيخ الإسلام رحمه الله في أن هذه الأدعية التي ليست مشروعة لا تكون هي السبب في حصول المطلوب، ولا جزءًا منه. وهذا بعدما ردّ رحمه الله على بعض أهل التصوف وغيرهم ممن يقول: نحن دعونا الولي، أو دعونا بكذا وكذا، أو دعونا في يوم كذا، وفي يوم المولد، وفي يوم كذا، فاستجاب الله لنا، فاستدلوا بذلك على جواز ما يفعلون. فذكر الشيخ أن هذا ليس صحيحًا، وقد ذكر أدلة كثيرة من أدلة الكتاب والسنة، وكذلك بالمعقول، وكذلك أيضًا بالأقيسة التي يبين فيها المتماثلات في الشرع. ثم قال رحمه الله: إن غالب هذه الأدعية التي ليست مشروعة لا تكون هي السبب في حصول المطلوب، ولا جزءًا منه، ولا يعلم ذلك بشرع، بل يتوهم وهمًا كاذبًا. عنى هذا فقط من باب تسويل النفس، كالنذر سواء؛ أن النذر لا يحقق شيئًا، وإنما يستخرج من البخيل كما ذكر. فلذلك قد ينظر الإنسان شيئًا ويستجاب له، فليس معنى ذلك أن النذر هو الذي جعل الرب جل وعلا يستجيب له. مثل ما يقول: "إن شف الله مريضي صمت ثلاثة أيام"، "إن جاء رد الله غائبي تصدقت بكذا وكذا من المال". فهذا النذر قد يحصل المطلوب، فقد يحصل المطلوب. فكما هو معلوم أن هذا المطلوب الذي حصل، وهو مثلًا شفاء المريض أو رد الغائب، ليس بسبب النذر، ليس بسبب هذا النذر الذي قد يكون مخالفًا. وإنما هذا النذر يستخرج به من البخيل، وأنه يبخل عن الطاعة، فلا يطيع الله عز وجل إلا إذا نذر. قال رحمه الله: وقد قام بنفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم، ولهذا تجد بعضهم يكثر من النذر، يكثر من النذر: "إن شفاء الله مريضي"، "إن رد غائبي"، "إن فعل كذا سأفعل كذا"، وهو نذر المقابلة. قال: وقد أخبر الصادق المصدوق أن نذر طاعة الله، فضلًا عن معصيته، ليس سببًا لحصول الخير، وإنما الخير الذي يحصل للناذر يوافقه موافقة، كما يوافق سائر الأسباب. فما هذه الأدعية غير المشروعة في حصول المطلوب بأكثر من هذه النذور في حصول المطلوب. بل تجد كثيرًا من الناس يقول: "إن المكان الفلاني، أو المشهد الفلاني، أو القبر الفلاني يقبل النذر"، بمعنى أنهم نذروا له نذرًا إن قضيت حاجتهم. ويقولون: "أنا أقول فلان مجرب، إذا نذرت عنده يقبل هذا النذر". أنا مثلًا: "القبر الفلاني يقبل النذر، إذا نذرت استقبله ويقضي حاجته"، وكأنه هو رب العالمين سبحانه وتعالى. قال: كما يقول القائلون: "الدعاء عند المشهد الفلاني أو القبر الفلاني مستجاب". أنا مثل ما يفعل بعض الآن المتصوفة الذين تعلقت قلوبهم بالقبور، يقولون: "إذا أردت كذا، إذا أردت حاجتك تقضى، فاذهب إلى القبر الفلاني وادع عنده، عنده إذا أردت معنى الولد، هذا الولد عند القبر الفلاني". بمعنى كأنه فيه تخصص: هذا يتخصص في كذا، وهذا يتخصص في كذا. وكل ذلك يظنون أنه بالتجربة: فلان دعا عنده هذا القبر فاستجيب له. وكما ذكرنا قبل أن هناك في بعض ما يفعله هؤلاء القبورية أنه في ما يسمى بزيارة نبي الله هود، هناك بئر، بئر معطلة، أن بئر قد دفنت وجعلوا عليها مثل القبة. إذا جاء وقت الزيارة جاءوا بمن يفعل -أو نحن نسميه يمحض الطين- يعني يليس طينًا في هذه القبة التي على البئر حتى تصير خطرة. فلما يأتي الزائرون، أي واحد يريد حاجة يأخذ حبلًا، عندهم حبال في البئر يضعون حبالًا صغيرة، هذا الحبل يضع فيه شيء من ريقه ويرمي به في هذا. إن مسك في الطين، هذا معناه أنه قبل أن الولي قبله، وإن خرج معناه أنه ما قبله. وهكذا يضحكون على الناس مثل هذه الأشياء الساذجة، وهي من فعل المشركين الأوائل. فلذلك فتجد مثلًا إذا حصل له شيء من هذا المطلوب، فتجد يقول: "عند القبر الفلاني يستجاب الدعاء"، "إذا أردت ولدًا اذهب إلى القبر الفلاني"، "إذا أردت أن يفرج همك أو تريد مالًا اذهب إلى القبر الفلاني وادعه، فإنه يستجاب لك". قال: بمعنى أنهم دعوا، بمعنى يقول: كما يقول القائلون: "الدعاء عند المشهد الفلاني أو القبر الفلاني مستجاب"، بمعنى أنهم دعوا هناك مرة فرأوا أثر الإجابة. بل إذا كان المبطلون يضيفون قضاء حوائجهم إلى خصوص نذر المعصية، مع أن جنس النذر لا أثر له في ذلك، أن نذر المعصية مثل من ينذر إلى القبور، قال: لم يبعد منهم إذا أضافوا حصول غرضهم إلى خصوص الدعاء بمكان لا خصوص له في الشرع، لأن جنس الدعاء هنا مؤثر، فالإضافة إليه ممكنة. أنا ممكن أن يقول مثلًا: "هذا نذرت للقبر الفلاني فاستجيب لي"، أو يقول: "دعوت عند القبر الفلاني، أو للقبر الفلاني، فاستجاب لي". قال: فالإضافة إليه ممكنة، بخلاف جنس النذر فإنه لا يؤثر. قال: والغرض أن يعرض أن الشيطان إذا زين له نسبة الأثر إلى ما لا يؤثر نوعًا ولا وصفًا، هذا من تزيين الشيطان. {وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون}. زين الشيطان لهم أعمالهم حتى دعوا غير الله جل وعلا، فوجدوا الإجابة. بل سبحان الله، وصل عند هؤلاء الشرك إلى أن يقول أحدهم -وهذا قد سمعته بأذني- أن الرجل كان يتكلم في المسجد، فكان يقول يذكر قصة حصلت لرجل أصابه الغرق في البحر. قال: فكان يقول: "يا الله، يا الله"، ولم يستجب له الله، الله عز وجل لم يستجب له. قال: "يا عبد القادر الجيلاني، أو يا عيدروس"، قال: فما وجد نفسه إلا وهو في الساحل. أنا كان يقول: "يا الله، يا الله"، ما خرج ولا تحرك من البحر، لازال غريبًا. لكن لما قال: "يا عيدروس، أو يا عبد القادر الجيلاني، أو كذا"، قال: فما وجد نفسه إلا وهو بالساحل. انظر إلى هذا الشرك العظيم، معناه أن الذي يقول "يا الله" ما في فائدة، لكن الذي يقول "يا ولي الله" أو "يا ولي الفلاني" هذا الذي يستجاب له. حتى أنه ما وجد نفسه إلا وهو بالساحل. كلام معناه لا يأتي به إلا رجل قد خرج التعلق بالله من قلبه. معنى مثل هذا جرأ على الله، كيف يؤتى بمثل هذا الكلام؟ وكأن هذه القبور تسمع وتستجيب أكثر مما... بل أنها تستجيب، ولا والله عز وجل لا يستجيب. وأيضًا لها القدرة المطلقة، لأنهم بدعائهم هذا يظنون أن هذه الآلهة أو هذه أصحاب القبور لهم التصرف المطلق والقدرة المطلقة، وهذه من الخصائص الربوبية. ولهذا قال العلماء: أن من يفعل مثل هذا الفعل فهذا مشرك في الربوبية في أفعال الله عز وجل، وهو يعتقد أن هؤلاء المقبورين عندهم القدرة في استجابة كل من يدعوهم، وأيضًا كذلك أن عندهم سمعًا يسمعون من يدعوهم في أي مكان، وهذا شرك في الربوبية. قال: وما يوضح ذلك أن اعتقاد المعتقد أن هذا الدعاء وهذا النذر كان هو السبب أو بعض السبب في حصول المطلوب لا بد له من دلالة، ولا دليل على ذلك الغالب إلا الاقتران أحيانًا، الاقتران أو الموافقة كما ذكر الشيخ رحمه الله. قد يوافق هذا شيء من استجابة الله عز وجل فيظن أن هذا استجيب له بسبب هذا الفعل. قال رحمه الله: أعني وجوده ما جميعًا أنه نذر فحصل له المطلوب، أو دعا فحصل له المطلوب. قال: وإن ترى أحدهما على الآخر مكانًا أو زمانًا مع الانتقاض أضعاف أضعاف أضعاف الاقتران، ومجرد اقتران الشيء بالشيء بعض الأوقات مع انتقاضه ليس دليلًا على الغلبة باتفاق العقلاء. إذا كان هناك سبب آخر صالح... على الآن: اقترنا الدعاء بالاستجابة، اقترنا الدعاء بالاستجابة، أو اقترنا النذر بالاستجابة، فليس معنى ذلك أن النذر لا بد أن يقترن بالاستجابة، أو أن يقرن بالاستجابة، أو كذلك الدعاء يقرن بالاستجابة، أو بالإجابة على الأصح. فهذا ليس صحيحًا ولم يقل به أحد. فإن قيل: إن الاقتران لفوات شرط، أو لوجود مانع للإقتران، لوجود سبب آخر، وهذا هو الراجح: أن الله عز وجل استجاب ليس لأجل أن هذا دعا، وإنما قد يكون وافق حصول هذا الشيء، أو لحكمة من الله، الله عز وجل له الحكمة البالغة. فقد يكون حكمة من الله عز وجل استجاب لهذا، أو استدراجًا كما قال الله عز وجل: {ونستدرجهم من حيث لا يعلمون}. قال: وهذا هو الراجح. فإن نرى الله في كل وقت يقضي الحاجات ويفرج الكربات بأنواع من الأسباب لا يحصيها إلا هو. أنا قد يكون مثلًا إنسان مريض وقد كتب الله عز وجل له الشفاء بعد يومين ثلاثة أيام. فهذا مثلًا قريب هو يقول: "إن شف الله مريضي فعلت كذا وكذا". فبعد اليومين هذه التي انتهت بقضاء الله عز وجل وقدر، شفي هذا المريض، فيظن هذا الظالم أو الناذر أنه شفي بسبب نذر. أو مثلًا دعا غير الله، دعا غير الله، أو دعا في أماكن غير صحيحة، دعا عند القبر، يقول مثلًا: "الدعاء عند هذا القبر يستجاب وبركة"، فيذهب ويدعو عند القبر، يا معنى يدعو الله لكن عند القبر، يظن أن هذه فضيلة، فيقول مثلًا: "اللهم شفي أبي، أو شفي ابني"، أو غيرها من هذه الأدعية. فبعد يوم أو يومين يوافق قدر الله عز وجل بالشفاء لهذا الولد، فيظن هذا الظالم أن شفاء هذا الولد بسبب أنه دعا، دعا عند القبر الفلاني، دعا عند القبر الفلاني. بل حتى لو قال: "دعوت في المسجد الفلاني"، كما تقدم من كلام الشيخ، لو قال مثلًا: "دعوت في المسجد الفلاني فاستجاب الله لي"، هذا وهم، هذا وهم، ليس أن هذا المسجد له ميزة في الدعاء حتى يقول: "دعوت في المسجد الفلاني". طيب. قال: قيل بل الاقتران لوجود سبب آخر، وهذا هو الراجع. فإن نرى الله في كل وقت يقضي الحاجات ويفرج الكربات، قد يكون موافقًا بأنواع من الأسباب لا يحصيها إلا هو. وما رأيناه يحدث المطلوب مع وجود هذا الدعاء المبتدع إلا نادرًا. فإذا رأيناه قد أحدث شيئًا، وكان الدعاء المبتدع قد وجد، كان حالة حدوث الحادث على ما علم الأسباب التي لا يحصيها إلا الله، أولى من حالته على ما لم يثبت كونه سببًا. معنى مثلًا: أن هذا المريض تداوى، شرب العلاج، فشفاه الله. فليس معنى أن هذا المبتدع الذي دعا عند القبر أن الله عز وجل شفى المريض بسببه، بل بسبب آخر، مثلًا أنه شرب العلاج، أو كما قلنا وافق قدر الله أن يشفيه. فليس معنى أن هذه الدعوة في ذلك المكان الذي يظن هذا الداعي أن له مكانه. قال: ثم الاقتران كان دليلًا على العلة، فالانتقاض دليل على عدمها. معنى الانتقاض: معناه أنه لم يحصل هذا المطلوب. دعا عند القبر الفلاني ولم يحصل له مطلوب. ذهب أيضًا من أهل الشرك يدعو، يدعو فلان من الأولياء أو من الأموات لعجل مطلوب، فلم يحصل له مطلوب. فهذا انتقاض. فإذا قلنا معنى كأنه هذا إلزام، يقول الشيخ: إذا قلنا أن الاقتران دليلًا على العلة، فالانتقاض دليل على عدمها. أن إذا كان اقتران الدعاء مع الإجابة دليلًا على وجود العلة والسبب، بسبب الدعاء عند القبر الفلاني، فنقول: عدم أيضًا انتقاضها، أي عدم الاقتران، أيضًا يدل على أنها ليست كونها سببًا. فكم من إنسان يدعو عند القبر ولم يستجب له؟ لم يستجب الله عز وجل في نفس المكان الذي ادعى ذاك أن هذا المكان استجيب فيه الدعاء. أنا كم من امرأة مثلًا جاءت إلى قبر من القبور ودعت بالولد فلم يستجب لها؟ لكن هناك من النساء من جاءت إلى هذا القبر ودعت فوافقت إجابة، وافق إجابة، فولدت هذه المرأة. عندنا هنا أحيانًا يعتقد، وأحيانًا هم يرتبون هذا. بعض أولئك التصوف وبعض من يعتقد مثل هذا كان قديمًا، ولعل بعض المتعلق قلوبهم بالقبور أيضًا يفعلونه. كانوا إذا رأوا الولد عنده حركة شديدة، يعني يشاغب كثيرًا وكذا، يقولون: "أنت عليك زيارة، عليك زيارة إلى القبر الفلاني، أنا ما سيذهب هذا الشغب منك إلا إذا زرنا بك إلى المكان الفلاني والقبر الفلاني". فيذهبون به، فيذهبون به إلى القبر الفلاني. منهم من يذهب هذا الأمر عنه بعد فترة، ومنهم من يبقى فيه. بل الأكثر أنه يبقى فيه. بل كثير من هؤلاء حتى بعضهم اعترف، قال: "لما ذهبوا بي ازددت شيطانًا، أنا زادت الشيطان عني". وأحيانًا أيضًا يكون يتعلق به مس، وأحيانًا أيضًا يكون هناك سحر يفعله بعض السدنة حتى يرجع إليهم بعد فترة، يرجع إليهم. فلذلك فلا يحصل له المطلوب، بل يحصل له العكس. فإذا كان كذلك، فإذا قال الإنسان: "اقتران الإجابة بهذا الدعاء الذي دعي به عند القبر الفلاني هذا يدل على أنه سبب"، نقول أيضًا: "انتقاضها يدل أيضًا على أنه ليس بسبب". فلذلك فلا ينبغي أن إنسان من مرة أو حصل موافقة أنه يقول: "هذا سبب". طيب. قال: وهنا افترق الناس ثلاث فرق: مغضوب عليهم، وضالون، والذين أنعم الله عليهم. أنا يقول الشيخ الآن في هذه المسألة الناس على ثلاث فرق، ثلاث فرق: أناس مغضوب عليهم، وأناس ضالون، وأناس أنعم الله عز وجل عليهم. قال: فالمغضوب عليهم يطعنون في عامة الأسباب المشروعة وغير المشروعة. هذا المغضوب عليهم يطعنون في عامة الأسباب المشروعة وغير المشروعة، يجعلون الدعاء يقولون: قد يؤثر وقد لا يؤثر. فلذلك يمنعون الدعاء كما تقدم، ولهذا يرون بعضهم مع بعض المتفلسفة والمتصوفة يقولون: لا داعٍ من الدعاء، لأنه إذا أراد الله يستجيب، يستجيب العبد بدون أن يدعو. وهذا كلام باطل. يقولون: أن الأنبياء استجاب الله لهم ولم يدعوا، ويذكرون قصة إبراهيم، قصة معناها يأتون بحديث باطل ولم يثبت في شيء من كتب أهل العلم. يقول: إبراهيم لما ألقي في النار جاءه جبريل وقال: ادعُ الله. قال له: ادعُ الله. فقال: علمه بحالي يغني عن سؤالي. قال: علمه بحالي يغني عن سؤالي. هذا كلام ليس صحيحًا ولم يثبت. أن إبراهيم قال بل كان يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، كفيتني الله عز وجل. قال: والضالون يتوهمون من كل ما يتخيل سببًا. أنا أولاً: مغضوب عليهم، هؤلاء ما يرون سببًا أصلًا، ما يرون الدعاء سببًا في التأثير. والضالون يتوهمون من كل ما يتخيل سببًا، وإن كان يدخل في دين اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، والمتكايسون. أنا أحيانًا هذا يحصل حتى عند النصارى، فيجعل هؤلاء أنه مجرب. بل وجد من المتصوفة من أصحاب الطريقة الشاذلية يذهبون إلى قبور بعض النصارى. بل كان حسن البناء وهو مؤسس الحزب الإخوان كان يذهب إلى هذا القبر، قبر بعض النصارى، يقال أنه يستجاب عندهم الدعاء، فيذهب أصحاب الطريقة الشاذلية إلى مثل هذه القبور، وهي قبور نصارى ليست قبور مسلمين، يقولون: أن هذا المكان يستجاب فيه الدعاء، فيذهبون وينظرون له النذور، ويدعونهم من دون الله مع أنه كاف. وأيضًا بعضهم يذهب إلى أناس مزعومين، مثل مثلًا هذا الذي يسمونه البدوي، أو السيد الحصافي، أو غيرهم، حتى ممن اشتهر كالسيدة نفيسة بنت زيد بن علي، أو غيرها. كل ذلك من الباطل الذي لا يقره الشرع. فهؤلاء ضالون يتوهمون ويتخيلون كل ما يحصل أنه سبب. فإذا دعا إنسان عند قبر واستجيب له، قالوا: هذا القبر استجيب عنده الدعاء. ولهذا نبه شيخ، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بداية كلامه أن ليس كل من دعا بدعاء مثلًا واستجيب له أن هذا الدعاء يستجاب. أنا مثلًا بعضهم مثلًا يسمع حديثًا أو قصة أن فلان دعا، أو حتى من السلف دعا بهذا الدعاء فاستجيب له، فيقول مثلًا: "إذا أردت أن يستجيب لك الله في كذا فادعوا بهذا الدعاء". هذا خطأ، وقد نبه عليه شيخ الإسلام، هذا خطأ. طيب. قال: والضالون يتوهمون من كل ما يتخيل سببًا، وإن كان يدخل في دين اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، والمتكايسون. متكايسون: معنى الذين يظنون أنفسهم أنهم عقلاء، فسماهم شيخ الإسلام متكايسون، معنى يزعمون الفطرة، يزعمون العقل. قال: والمتكايسون من المتفلسفة يحيلون ذلك على أمور فلكية وقوى نفسانية وأسباب طبيعية، يدورون حولها لا يعدلون عنها. أنا يقولون: هذا بسبب الطبيعة، معنى صدفة الطبيعة. قال: فأما المهتدون، أي الذين أنعم الله عليهم، فهم لا ينكرون ما خلقه الله عز وجل من القوة والطبائع في الأجسام والأرواح، إذ الجميع خلق الله. لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من قدرة الله التي هو بها على كل شيء قدير، ومن أنه كل يوم هو في شأن، ومن أن إجابته لعبد المؤمن خارج عن قوة نفسه والتصرف جسمه وروحه. وبأن الله على... خارج عن قوة نفسه، أي عن قوة نفس العبد. بل ليس معنى أن الله عز وجل استجاب له لأجل أنه قوي النفس، أو أنه مثلًا عنده كذا وكذا من الشهامة، أو عنده جسم صحيح، أو عنده غير من هذه الأمور. لا. قالوا: بأن الله يخرق العادات لأنبياء لإظهار صدقهم ولإكرامهم بذلك، ونحو ذلك من حكمه. معنى هذا من قدرة الله عز وجل. الله عز وجل جعل هناك أسبابًا وقوة وطبائع، لكن كلها تابعة لقدرة الله جل وعلا ومشيئته النافذة في كل شيء. قالوا: كذلك يخرقها لأوليائه، يخرقها بعد أن يجعلها خارقة، تارة لتأييد دينه بذلك، وتارة تعجيلًا لبعض ثوابهم في الدنيا، وتارة إنعامًا عليهم بجلب نعمة أو دفع نقمة، ولغير ذلك. قالوا: ويؤمنون بأن الله يرد بما أمرهم به من الأعمال الصالحة والدعوات المشروعة ما جعله في قوى الأجسام والأنفس. الله عز وجل... الله عز وجل هي سبب باستجابة الله عز وجل، لكن تكون دعوات شرعية، دعوات مشروعة، ليست أنها دعوات باطلة. وقول هنا أيضًا: "ما جعله في قوى الأجسام الأنفس"، أي مما يرده الله عز وجل من الأمور التي قد تضرهم. قالوا: ولا يلتفتون إلى الأوهام التي دلت الأدلة العقلية أو الشرعية على فسادها، ولا يعملون بما حرمته الشريعة من ذلك، أنه يعتقد أن إنسانًا يتصرف في هذا الكون، أو أن له شيء من علم الغيب، أو من علم التصرف، ومن يدبر الأمر. فسيقولون: الله. قال: وإن ظن أن له تأثيرًا. قال: وأما العلم بغلبة السبب فله طرق في الأمور الشرعية. معنى أن السبب يغلب، يغلب أي أنه يرى أن هذا بسبب كذا حصل هذا الذي حصل. مثلًا دعا فاستجيب له، هذا السبب لماذا استجاب الله عز وجل لهذا العبد؟ هناك قد تكون أشياء كانت مع هذا الدعاء، فغلب هذا الدعاء، أو غلب هذا السبب حتى صار المسبب الذي أو المطلوب الذي أراده. فهناك طرق من الأمور الشرعية أيضًا تحصل في استجابة الدعاء. منها للطراب: فإن الناس لما عطشوا وجاعوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ غير مرة ماءً قليلاً فوضع يده الكريمة فيه حتى فار الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم. وضع يده الكريمة في الطعام وبارك فيه حتى كثر، خارج عن العادة. أنا أكل الجيش كله. وهذا حصل في عدة مواضع، منها في تبوك، ومنها كذلك في الحديبية، وفي غير ذلك من المواضع. قال: فإن العلم بهذا الاقتران المعين يوجب العلم بأن كثرة الماء والطعام كانت بسببه صلى الله عليه وسلم، علمًا ضروريًا، بسبب النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه نبي الأمة، ولأن الله عز وجل يحبه ويستجيب دعاءه، فحصلت هذه البركة. قال: كما يعلم أن الرجل إذا ضرب بالسيف ضربة شديدة صرعته فمات، أن الموت كان منها بسبب هذه الضربة، بل أوكد. فإن العلم بأن كثرة الماء والطعام ليس له سبب معتاد مثل ذلك أصلًا. يعني ليس هناك سبب معتاد، مثلًا يكثر الطعام، هل هناك شيء إذا فعلته كثر الطعام عندك؟ الآن طعام تريد تأكله، هل هناك شيء مثلًا فعل إذا فعلته زاد هذا الطعام؟ في لينا ما في، هناك فعل أصلًا. لكن الله عز وجل جعل هذا الطعام يكثر، لما في حديث جابر، لما قال جابر أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا قال له: "ائتِ برجلين أو ثلاثة أو كذا لأجل أن يأكلوا معه". فقال: ما معك؟ قال: معي عنزة ذبحتها، معنا عنزة صغيرة وخبز. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر: "لا تجعل المرأة تخرج البرمة، ولا أيضًا تطحن الطحين حتى جاء النبي عليه الصلاة والسلام، مبرك عليه". فطحنت هذا الطحين، وكلما طحنت زاد هذا الطعام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر: "هاتي البرمة"، فيأتي ثم يخرج من الخبز، ويقول له: "ادعُ لي عشرة"، فيدعو ويعطيهم من الطعام، ثم يخرجون ويأتون عشرة ويأكلون من هذا الطعام من اللحم والخبز، خبز الشعير. وهكذا حتى انتهى القوم، أنا كان قرب ثمانين رجلًا. أنا هذا كله بسبب بركة النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: فوضع يده الكريمة فيه حتى فار الماء بين أصابعه، ووضع يده الكريمة في الطعام وبارك حتى كثر كثرة خارج عن العادة. فان العلم بهذا الاقتران المعين يوجب العلم بأن كثرة الماء والطعام كانت بسببه صلى الله عليه وسلم، علمًا ضروريًا، كما يعلم أن الرجل إذا ضرب بالسيف ضربة شديدة صرعته فما مات، أن الموت كان منها، بل أوكد. فان العلم بأن كثرة الماء والطعام ليس له سبب معتاد مثل ذلك أصلًا. مع أن العلم بهذه المقارنة يوجب علمًا ضروريًا بذلك، أي أن السبب هو رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. قال: وكذلك لما دعا صلى الله عليه وعلى وسلم لأنس بن مالك أن يكثر الله ماله وولده، فكان نخله يحمل في السنة مرتين، خلاف عادته بلده عن النخل في السنة مرة. لكن نخل أنس يكون في السنة مرتين. قال: ووراء من ولده وولد ولده أكثر من مئة، عن أغلبهم، حتى مات منهم سبعون أو كذا في طاعون، في بعض الطواعين، لكنه رأى أكثر من مئة من ولدي ولده. قال: فان مثل هذا الحادث يعلم أنه كان بسبب ذلك الدعاء. قال: ومن رأى طفلًا يبكي بكاءً شديدًا، فألجمته أمه الثدي فسكن، علم يقينًا أن سكونه كان لأجل اللبن. إن يريد الشيخ هنا يبين أن هذه الأسباب لها معنى، هذه المسببات لها أسبابها، فهي أسباب شرعية. قالوا: الاحتمالات وإن تطرقت إلى النوع، فانها قد لا تتطرق للشخص المعين. وكذلك الأدعية، فان المؤمن يدعو بدعاء فيرى المدعو بعينه مع عدم الأسباب المقتضية له، أو يفعل فعلًا كذلك فيجده كذلك. كعلاء بن الحضرمي رضي الله عنه، لما قال: "يا عليم، يا حليم، يا علي، يا عظيم، اسقنا"، فمطروا في يوم شديد الحر، مطرًا لم يجاوز عسكرهم. وهذه قصة صحيحة ذكرها، أو ذكر طرقها الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله، وقد ذكرها الإمام الآلوسي في كتابه "كرامات الأولياء"، وذكرها أيضًا الشيخ عبد الرقيب الأبي في كتابه "كرامات الأولياء". وقال: "احملنا"، فمشوا على النهر الكبير مشيًا لم يبل أسافل أقدام دوابهم. وأيوب السختيان لما ركض برجله لصاحبه ركضة، نبعت له عين ماء، فشرب ثم غارت. هذه أشياء لم يكن يتوقع مثل صاحبها أن تحصل، لكن حصلت، أراد الله عز وجل أن تحصل، لعجل أن يري الناس فضل هذا الشخص، وجعل له خارقًا للعادة. قال: فدعاء الله وحده لا شريك له، دل الوحي المنزل والعقول الصحيحة على فائدته، فمن فضله ثم التجارب التي لا يقصى عددها إلا الله. فتجد أكثر المؤمنين قد دعوا الله وسألوها أشياء أسبابها منتفية في حقهم. أنه صحيح مثلًا بعض الناس يدعو وهو ما عنده مال، يدعو أن الله عز وجل يسر له بيتًا، أو يسر له زوجة، وهو يرى نفسه أنه ما يستطيع الزواج، أو ما يستطيع أن يبني له بيتًا، أو يفعل أو يفعل، لكن يدعو الله عز وجل، ختاة الأيام ويكون عنده بيت، وعنده زوجة، وعنده كذا وكذا. فهذا كله بدعائه، معنى بسبب دعائه، أقصد. قال: فتجد أكثر المؤمنين قد دعوا الله وسألوه أشياء أسباب منتفية في حقهم، فأحدث الله لهم تلك المطالب على الوجه الذي طلبوه، على وجه يوجب العلم تارة الغلب، أخرى أن الدعاء كان هو السبب في هذا. وتجد هذا ثابتًا عند ذوي العقول والبصائر الذين يعرفون جنس العلة وشروطها وأضدادها. طيب، شاء الله نفهم.