الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مفهوم تحقيق التوحيد وتخليصه من شوائب الشرك، ويبين أهمية التعلق بالله وحده وعدم الحاجة إلى غيره. يشرح الشيخ أهمية تحقيق التوحيد وعبادة الله مستدلاً بآية قرآنية وقصة عن سعيد بن جبير وحسين بن عبدالرحمن.
المقطع يشرح حديث عرض الأمم على النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن النبي الذي يأتي وحده ليس بسبب تقصيره بل لأن قومه لم يستجيبوا لدعوته. يقدم تسلية للدعاة بأن النصر ليس فقط في كثرة الأتباع بل في الثبات على الحق.
يناقش المقطع الانجرار مع المجتمعات وآثاره السلبية على الدعوة، ويبين أن الداعية يجب أن يثبت على الحق ولا ينجر وراء المجتمعات. يستدل على ذلك بمثال إبراهيم عليه السلام ومفهوم الديمقراطية الإسلامية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب. وقول الله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين﴾، وقال: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾. طيب، هذا الباب «من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب»، حقق التوحيد أي خلصه، خلص توحيده من شوائب الشرك، على كمل توحيده، فخلصه من الشوائب، وصار توحيدًا خالصًا، وهذا لا يكون إلا بتخليصه، بتخليصه من الشرك كله، صغيره وكبيره، صغيره وكبيره، بل كل ما يخدش حتى في كماله، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فمن كمل التوحيد وحققه، قال: دخل الجنة بغير حساب. وهذا أخص مما تقدم، الباب الذي تقدم «فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب»، وذكرنا أن هذا التوحيد الذي يكفر من الذنوب هو ما يكون أيضًا خالصًا من الشرك كله، لكن هنا زيادة، أيضًا زيادة أنه كل ما حتى يخدش في كماله، فيكون توحيد العبد خالصًا لله عز وجل، وتعلقه بالله لا يتعلق بغير الله، فأنا لا يكون فيه شيء في قلبه تعلق بغير الله جل وعلا، أنا. وهذا أخص من الأول، هذا أخص مما تقدم، ليس فقط أنه يخلصه من الشرك جميعه، بل أيضًا كذلك لا يتعلق بأحد غير الله جل وعلا، يعني ما يكون فيه في قلبه تعلق بغير الله، ليس تعلق تعلق عبادة، حتى ولو كان تعلق سؤال وذل وكذا، أنا مما يكون بحاجة الناس، أي أنه لا يحتاج إلى الناس، أنا فيه، ليس المراد أنه لا يحتاجهم في كل شيء، لا، لا يحتاجهم في الأمور التي يذلوا بها، كمثلًا المال، لا يحتاج أنا لا يحتاج لأن يسألهم مالًا، يسألهم كذا من هذه الأمور الدنيوية. وليس المراد به الأمور الآخرة؛ لأن أمور الآخرة تتعلق بالله، أنا أمور العلم، أمور أيضًا كذلك العبادة وكذا، هذه أمور تتعلق بالله، لكن الأمور الدنيوية لا يسألها غير الله، تعلقه يكون بالله أكثر وأعظم. ولهذا قال في الحديث: «إذا سألت فاسأل الله». وكان لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة، قال: قال كلمة، قال: لم أسمعها، معناه يقول الراوي فاستفسرت منها عبي، فقال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسأل الناس شيئًا»، قال: فرأيت هؤلاء القول كان أحدهم يسقط عنه عليه العصى، فلا يقول لآخر: هات العصى، يخرج ويأتي بالعصى. وهذا من شدة أنهم لا يحتاجون لغيرهم، ما دام أن معهم رب العالمين سبحانه وتعالى، فيتعلقون بالله في كل شيء. ولهذا الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون الله، يسألون الله عز وجل كل شيء، معناه ارتباطهم بالله، حتى قالت عائشة: حتى يسألونه الملح، وجاء في رواية أيضًا: حتى يسألونه شسع النعل، أنه إذا انقطع شسع نعلهم يسأل الله عز وجل أن يسر له شسع نعل، فارتباطهم بالله عز وجل عظيم في كل شيء، يدعون الله سبحانه وتعالى، معناه كأنه يجعلون الرب سبحانه وتعالى في كل حوائجه، سواء كان أمور الآخرة أو أمور الدنيا. لكن بعض من العلماء ومن التابعين كان يستحي مثلًا أن يسأل الله عز وجل أمور الدنيا، فلا يسأله إلا أمور الآخرة، وهذا شيء اجتهاد، وإلا فكثرة التعلق بالله أن يسأل أن يسأل العبد ربه جل وعلا كل شيء، وهذا من الافتقار إلى الله، لكن كثرة الأسئلة في الدنيا هذا يدل على تعلق العبد بالدنيا، معنا لما يسأل دائمًا عن أمور الدنيا، يسأل الله عز وجل، وإن كان يسأل الله، لكن سؤاله أكثر عن أمور الدنيا، فهذا يدل على أن به تعلق قلبه، به تعلق بالدنيا. فلهذا أكثر سؤالهم كان في الآخرة، لكن أحيانًا بعض الأشياء يسألون الله عز وجل فيها، فلهذا فهذا التحقيق التوحيد هو تجريد الارتباط بالله جل وعلا، والتعلق بالله سبحانه وتعالى في كل أمر، فهذا هو تحقيق هذا التوحيد. ولهذا سيأتي في الحديث أمور ليست محرمة، وليست أيضًا تدل على خدش في التوحيد، لكن تدل على عدم التعلق بالله. وهذا يدلك على أن من حقق التوحيد، أي أنه جعل قلبه معلق بالله لا بغيره، وأيضًا عرف أنه فقير إلى الله، وليس إلى غيره، يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. فالذلة لله عزة، والحاجة إلى الله أيضًا كذلك عزة، بخلاف الحاجة إلى غيره، والذلة إلى غيره، فلهذا من ذل لله عز وجل عز في الدنيا والآخرة، من ذل لله عز في الدنيا والآخرة، ومن ذل لمخلوق ذل في الدنيا والآخرة. قال: «من حقق التوحيد دخله الجنة بغير حساب». وقول الله تعالى: ﴿اا، ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين﴾. الآن ذكر في هذه الآية معنى استدلال على هذا الباب، أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب بهذه الآية. وهذا من فقه الشيخ رحمة الله عليه. هنا الآن يبين الشيخ أن الله عز وجل ذكر أوصافًا في إبراهيم نبي الله إبراهيم، هذه الأوصاف هي من كمال أوصاف العباد إلى الله عز وجل، الذين كملوا توحيدهم وجردوا توحيدهم لله، فلم يتعلقوا بأحد غير الله، فلهذا ذكر أولًا أنه كان أمة، أمة معنى يقتدى به، إمام، هنا أمة بمعنى إمام، ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ أمة وهو وحده، أي إمام، وأمة جاءت في القرآن على أربعة معاني، كما بيّنها في الشرح «شرح تيسير عزيز الحميد» الشيخ سليمان رحمه الله، وذكرها أيضًا الشيخ عبدالرحمن في اختصاره «فتح المجيد»، هذه ستجدونها في الشرح، وذكرها أيضًا الشيخ من عثيمين رحمة الله عليه في أيضًا شرحه «القول المفيد». ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ فمعنى هنا أمة معنى إمام، قانتًا لله، قانتًا القنوت هو دوام الطاعة، القنوت هو دوام الطاعة، فقانتًا لله أي مداول في طاعة الله جل وعلا، لا ينفق عن طاعة الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال الله عز وجل لمريم: ﴿يا مريم قنتي لربك﴾ أي داومي طاعته. فالقنوت هو دوام الطاعة، جاء القنوت أيضًا على ثمان معاني ذكرها العلماء، لكن أبرزها هو هذا «دوام الطاعة»، فهو أمة، ومن أمته وإمامته أنه مداوم لطاعة الله جل وعلا، طال، حنيفًا، حنيفًا أي ليس له ميل إلى التعلق بغير الله، بل حنيف مائل إلى الله جل وعلا، والحنيف هو المستقيم الغير المائل، أنا ليس مائلًا إلى الشرك، ولا إلى كل ما يتعلق به. فهو حنيف، وإبراهيم إمام الموحدين، وإمام القانتين إلى الله عز وجل، لهذا قال الله عز وجل لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام: ﴿وأحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾. فالحنيفية هي دين إبراهيم، وهي إخلاص التوحيد لله جل وعلا. فأخذ الشيخ هنا من هذه الصفات هو كمال التوحيد وتحقيقه، لماذا؟ لأنه أولًا ليس بمشرك، ليس في أمره شرك أبدًا، وزد على ذلك أنه مداوم للطاعة، مداوم لطاعة الله جل وعلا، فليس فيه نقص من هذه الجهة، فهو متعلق بالله جل وعلا، وبعبادته، ومنشغل بعبادة الله وطاعته، كذلك أيضًا لم يتعلق بأحد سوى الله جل وعلا، فهذا هو تصفية التوحيد وتجريده وتحقيقه. قال: وقال: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾، لا يشركون هنا جاءت منكرة، وجاءت أيضًا بعد نفي، أو نفي نفي، والفعل إذا جاء بعد نفي ومنكر يفيد العموم، النكرة في سياق النفي مما اتفق عليها أهل الأصول وأهل النحو على أنها من صيغ العموم، النكرة بعد سياق النفي والنهي تكون من صيغ العموم. فقوله: ﴿الذين هم بربهم لا يشركون﴾ أي ليس في عبادتهم شرك أبدًا، ولا ما يقول إليه، ولا ما يقول إليه أو يدل عليه، فليس في عبادتهم شيء من الشرك، أخلصوا توحيدهم لله جل وعلا. قال: على الحسين بن عبدالرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبير، وحسين بن عبدالرحمن هذا كوفي من قدماء أهل الكوفة، حتى أن عاصم بن علي الواسطي أو علي بن عاصم الواسطي، علي بن عاصم الواسطي جاء واستعدن أمه أن يذهب إلى الكوفة لأجل أن يسمع من مسعر بن كدام. فلما دخل الكوفة وجد الناس يمشون في جنازة، فقال: لمن هذه الجنازة؟ فقال له: لمسعر بن كدام، فتحسر وبكى أنه لم يسمع من مسعر، فوجده حسين بن عبدالرحمن يبكي، فقال لي: ما تبكي؟ قال: جئت من بلدي أردت أن أسمع من مسعر، فوجدت جنازته، فقال له: ألا أريك رجلًا قد سمع قبل أن يتصل أبي مسعر بأمه؟ أنا قد سمع من قبل سمع الحديث، حتى قبل أن يخلق مسعر، بل قبل أن يتصل أباه بأمه، قبل أن يتزوج، فقال: بل، قال: فعندك، يعني يريد نفسه، يعني يريد أن يخفف عن هذا العاصب أو علي بن عاصب يخفف عنه ما وجد. فقال له: لا، أريك رجلًا قد سمع قبل أن يتصل أبي يتصل أبي مسعر بأمه. فحسين بن عبدالرحمن من قدماء أهل الكوفة، من التابعين، يعني من صغار التابعين الذين أدركوا بعض الصحابة الصغار. قال: كنت عند سعيد بن جبير، سعيد بن جبير إمام نعم التفسير والعلم، وكان في الكوفة، قال: فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ الكوكب معنى النجم الذي انقض معنى خرج، مثل الشهب، لكنه ظاهر أنه نجم، ليس شهابًا، أن النجم له أثر؛ لأنه معنى صار حادثة عند الناس، معنى شيء غريب، أما الشهب هذه الشهب دائمًا يراها الناس، لكن الظاهر أن هذا نجم، إن قد خرج مثل ما يحصل أحيانًا تجد نجم يخرج ويضرب في الأرض، وحيانًا يعمل أثر له، بعض معنى تجد يعمل حفرة، يعمل حيانًا حتى تكون حفرة فيها ماء من من شدة الوقعة. فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقضى البارحة؟ قال: حسين، فقلت: أنا، أنا رأيت، أنا أيضًا، قال: ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة. وهذا سيدلي من ذكر الفوائد عند الشيخ، أن الإنسان أحيانًا ينبه على مثل هذا، حتى لا يقال أنه يثني على نفسه، وأنه قائم الليل وكذا، فلهذا رأى الكوكب، فأراد أن يزيح ذلك عن نفسه، يزيح هذا الذي قد يجده في نفسه، يؤثر عليه، معنى من باب الرياء، وهذا لشدة عمق علم السلف، وأيضًا لشدة تربية أنفسهم، الإنسان قد يكون عندنا مثلًا عادي، يقول: أنا في الليل رأيته، أنا أنه قائم في الليل، وصاحي في هذا الوقت، فهذه نعتبر سهل عندنا، لكن السلف كانوا يحاسبون على مثل هذه الأمور، حتى لا يؤثر على أنفسهم، ولا أيضًا كذلك يقال فيهم ما ليس فيهم. فقال: أما إني لم أكن في صلاة، ولكن لدغت، معنى أي شي الذي أسهرني هو اللدغ، قد يكون هو أيضًا ممن يقوم الليل، لكن هو أراد أن يزيح ذلك عن نفسه، وحتى لا تتعلق نفسه بشيء من الثناء؛ لأن النفس تحتاج أو تفرح بالثناء الآخرين. ولهذا كان السلف يقولون: أن حقيقة الإيمان، وحقيقة معنى الارتباط والمحبة لله عز وجل، أن العبد يستوي عنده ثناء الناس وذمهم، ما يفكر في هذا، سواء كان ذموه أو مدحو، يستوي عنده؛ لأنه ليس متعلقًا بالناس، هو متعلق بالله، والناس سواء كان مدحو أو ذموه، ليس معنى ذلك أن الإنسان يفعل أشياء لا يبالي بالناس فيها، معنى في ذمه، لا، هذا خطأ، إنما المراد أنه يفعل فعله، ومعنى يتصل بالله، يتق الله، يطيع الله، لكن لا ينظر إلى مدح الناس، هل مدحوه أو لم يمدحوه، هو يمشي في طريق، ويعبد الله عز وجل بما علم، ولا ينتظر ثناء الناس، إن أثنوا عليه فهو عاجل بشرى المؤمن، وإن لم يثنوا عليه فإنه لا يثنيه ذلك عن الخير. فلهذا قال: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، قال: فما صنعت لما لدغت؟ أش الذي فعلت؟ قال: ارتقيت، قال: قلت: ارتقيت، ارتقيت معنى فعلت الرقية، والرقية هي المراد القراءة لأجل الألم، أو لأجل الوجع، أن يكون مرض يقرأ فيه الإنسان، فهذه رقية، والرقية غالبًا في الشرع تكون بالقرآن، أو بأسماء الله عز وجل وصفاته، ما تكون بغير ذلك. ولهذا اشترط بعضها العلم أن تكون باللغة العربية، على ما تكون باللغة أخرى، تكون باللغة العربية، مثلًا حتى ولو كان بسم الله، هذا يعتبر رقية، يقول: بسم الله، ويمسح. فقال: وسيأتي إن شاء الله تعالى معنى الكلام على الرقاق، قال: ارتقيت، قال: فما حملك على ذلك؟ أنا إيش الذي جعلك ترتقي وتفعل هذه الرقية؟ قال: قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثك؟ قلت: حدثنا عن بريد بن الحصيب، أنه قال: «لا رقية إلا من عين أو حمة»، من عين أو حمة، الحمة هو كل ما يلدغ، سمى حمة، الحية، العقرب، الدبر، كل هذه الحشرات التي فيها لدغ تلدغ، فهذه سمى حمة، «لا رقية إلا من عين أو حمة». وهذا الحديث قد جاء هنا ذكره موقوفًا من كلام بريد، لكن قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث «عمران بن حصين لا رقية إلا من عين حمة». وقول «لا رقية إلا من عين أو حمة» تحمل على أنه «لا رقية أفضل»، ولا أكمل، ولا أيضًا لها تأثير إلا رقية العين والحمى، وإلا قد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم رقى كثيرة، كما سيأتي إن شاء الله وتعالى معنا. قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، إنما دام أنك فعلت ذلك لأجل سماع حديث، فهذا يدل على أنك أخذت بالحديث، هذا يكفي، أما الإنسان يفعل شيء بدون علم، وبدون مثلًا دليل، فهذا الذي يلام. قالوا: لكن حدثنا ابن عباس، معنا أنا ما أنكر فعلك، فعلك صحيح، مدام أنك فعلت ذلك لأجل هذا الحديث، والنبي صلى الله عليه وسلم أجاز الرقية، فلا بأس لك ذلك. لكن قال: حدثنا ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه قال: «عرضت علي الأمم»، أي النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عرضت علي الأمم»، فرأيت النبي ومعه الره، الره هم من الثلاثة إلى التسعة، يسمى ره، ويسمى بضع، أنا رجال من الثلاثة إلى التسعة. قال: فرأيت الرجل أو فرأيت النبي ومعه الره، والنبي ومعه الرجل، والرجلان، والنبي وليس معه أحد، ليس معه أحد، يأتي نبي وحده، نبي أمة وحده، يأتي، لماذا؟ هل التقصير منه؟ حشاه؛ لأنه ما اختاره الله عز وجل إلا وهو قدر هذه المسؤولية، والله عز وجل يصطفي من الملائكة رسلًا، ومن الناس، فالله عز وجل ما اصطفاه إلا لأنه أهلًا لهذا الشيء، وربنا جل وعلا يعلم خلقه، فلهذا فهذا النبي لا يظن فيه أنه أنه لم يبلغ بلاغ الصحيح، أو أن عنده نقص أبدًا، وإنما أرسل إلى قوم مدبرون، أهل إدبار، دعا فيهم، دعا لم يحرك ساكنًا فيهم، مثل ما حصل للنبي الله يونس، يونس عليه السلام، دعا قومه يونس بن متة، دعا قومه أهل نينواء، فدعاهم فلم يستجم منهم أحد. فضاق به الصدر، فخرج وركب في السفينة، لهذا قال الله عز وجل: ﴿ودنوني إذ ذهب مغاضبا﴾، فظن أن لن نقدر عليه، معنى ما استشار الله عز وجل، ذهب وخرج من كثرة الضيق، وهذا لأجل الله، معنى هذا الغضب والضيق لأجل أن الناس ما استجابوا له، فضاق صدره كيف ما استجابوا لدعوة الله، فذهب وركب البحر، معنى يريد منطقة أخرى. فالله عز وجل هيأ الأمور حتى معنى رمي في البحر، فالتقمه الحوت، فجعله في الحوت فترة من الزمن يسبح الله عز وجل، فلولا أنه كان من المسبحين للبت في بطنه إلى يوم يبعثون، فأخرجه هذا الحوت، أخرجه الله عز وجل من بطن هذا الحوت، ورجع إلى بلاده، ويسر الله عز وجل له أن جعل أهله أو أهل بلاده كلهم يستجيبون لدعوته، فلما آمنوا كشف الله عز وجل عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا. فالمهم أن النبي يأتي وليس معه أحد، ليس معه أحد، وهذا تسلية للداعي إلى الله، حيانًا يكون إنسان يدعو في قرية من القرى، يكون أهل القرية هؤلاء أهل إدبار، يدعو يدعو فيهم بالكلمة الحسنة، يكلمهم بالكذا، وهم مثلًا إما أنهم على مذهب التصوف، أو أنهم بعيدون عن الخير، فبعض الناس تجد يمل، أن بعض الدعاة يمل، كم رأينا من داعي كان قديمًا كان يدعو وهو وحده، أو معه رجل أو رجلين، ثم ترك هذه الدعوة، والآن صار عاميًا، بل أبعد من العام، مع أنه كان قبل كان هو الذي يقود الدعوة. وهذا للملل وعدم الصبر، لكن الداعي إلى الله الذي يريد وجه الله لا يمل، ولا يضجر، وإن كان حتى يبقى على ما هو عليه من الخير، هذا أقل شيء يبقى على ما هو، إذا رأى مثلًا إدبار من الناس، ولم يستجب أحد له، ورأى مثلًا أنه لم يستطع أن يهدي أحدًا، أن يدل أحدًا على الطريق الصحيح، يمشي وحده، فثباته على الحق هذا نصر، ثباته على الطريق هذا نصر له. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إنا لننصر رسولنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾. معنا الآن عندنا نبي لم يأتي معه أحد، أين النصر؟ أنه لو قال: قال أين النصر الذي ذكره الله؟ ﴿إنا لننصر رسولنا﴾ أين النصر؟ هذا في قصة مثلًا التي حكاها الله عز وجل في سورة ياسين، أرسل ثلاثة رسل، ولم يستجب لهم أحد إلا رجل نصح قومه، نصح قومه، ثم أدخله الله عز وجل الجنة، وقال: ﴿يا ليت قومي أعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾. فهؤلاء ثلاثة رسل، ولم يطرقوا في هؤلاء القوم، معنى أين النصر؟ النصر هو الثبات، معنى أخذ العلماء من مجموع الآيات، وأن الله عز وجل يذكر النصر في الأنبياء وغيرهم، فليس النصر أنه يهزم الكفار، وليس النصر فقط أنه يدعو الناس ويدخلون معه، ليس هذا النصر فقط، النصر أن العبد يكون ثابت على الحق، ما يتزعزع، ما يأتي عليه لأيام يضجر ويترك، يقول: الناس يتسلون، الناس يغنون، وأنا جالس هنا في المسجد، سأخرج مع الناس، وأدخل معهم فيما هم فيه، فيترك الخير ويذهب إلى الشر، فينحرف بعد ذلك قلبه. لكن الثابت على الحق منصور، ولهذا قال العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي منصورة على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». قالوا: أنه قوله عليه الصلاة والسلام: «منصورة» ليس أنهم في كل وقت منصورين، وإنما منصورة أنهم ثابتين على الحق، أنهم ثابتون على الحق، لا يتزعزعون، ما يتزعزعهم، ولا من خالفهم، ولا من خذلهم، بل ثابتون على الحق أبدًا، فهذا النصر. وهذا هو الطائفة المنصورة، وهذا هو الحق، كما قال عبدالله المسعود: «الجماعة ما كنت على الحق، ولو كنت وحدك». الجماعة ما كنت وحدك، أو الجماعة ما كنت على الحق، ولو كنت وحدك، لو وحدك على الحق، فتعتبر جماعة. وهذا كله مأخوذ من هذه النصوص، فلهذا لا ينبغي الإنسان أن يخضع، أو أن يخضع للمجتمع، وللعادات، وللعراف، ويترك ما عرف من دين الله. قال: يدرفي علي سواد. وهذا معنا من باب الفائدة، أن هذا الذي تغير أحوال الناس، وأحوال الدعاة، هذا تأثيره في الإخوان المسلمين، الإخوان كان هم أول الناس في الدعوة، معناها أقصد في بلادنا، معناها هم من أوائل الناس الذين مسكوا الدعوة في أيام الحجم وكذا، فهم كانوا وحدهم، قد يكون الرجل معه ثلاثة، معه أربعة فقط، فتجد أنهم؛ لأنهم ما عندهم علم، ظنوا أن الإنسان لابد أنه ينجر مع المجتمع، ينجر مع المجتمع. ولهذا صار من أهداف، أو من ركائز، أو من بنود الإخوان المسلمين الإنجرار مع المجتمعات، معناها عندهم بند مطلق، معناها يدخلون مع المجتمع في كل شيء، حتى في الأشياء المحرم، بل بعض دعاتهم قال: تعال مع الناس، حتى إذا رأيتهم مثلًا يشركون يشرك بالله معهم، أنا قال: لو جئت مثلًا يضرب مثال، وهذا الزنداني قال يضرب مثال، قال: إذا جئت ووجدت ناس يطفون على قبر، ويتمسحون به، قال: طف معهم، وتمسح مثلهم، ثم بعد ذلك بين لهم أن هذا باطل، واستدل بما فعله إبراهيم نبي الله إبراهيم. وهذا استدلال باطل؛ لأن نبي الله إبراهيم فعله بوحي من الله، وهو رسول الله، وأيضًا لم يشرك بالله عز وجل شيئًا، وإنما فقط قال: «هذا ربي»، أما أنه فعل شيئًا فيه شرك بالله، مثلًا دعا هذه الكواكب وكذا، وإنما فقط جاء بلفظ «هذا ربي»، لكن تفعل الشرك معهم هذا غير صحيح، كيف تفعل الشرك معهم؟ فقال: طف معهم، وتمسح معهم، ثم بين لهم أن هذا باطل، كيف ستبين لهم أن تفعلت مثلهم لو كان باطل ما فعلته؟ فلهذا صار عند هؤلاء من صميمي بنود، بنود مذهبهم الأنجرار مع المجتمعات، لما جاءوا بدموقراطية، قالوا: هذا ديموقراطية إسلامية، جاءوا بدموقراطية إسلامية، وهي الشورى، يقولون: الشورى، قالوا: ديموقراطية إسلامية، بعيد الدموقراطية من الشورى، الشورى ليس ابتكار مبدأ، أو قانونًا، أو كذا، وإنما من باب التشاور فقط، لكن هذه الديمقراطية تجعل الحرية للشعب أنهم يختارون القوانين، يختارون كذا، ويختارون. وأما الشرع ليس فيه دمقراطية، وإنما فيه حكم الله، لابد أن الناس يحكمون حكم الشرع، فهم أرادوا أن ينجروا مع المجتمع، قالوا: شغرة إسلامية الديمقراطية، هذه شغرة إسلامية، فلهذا جعلوا الديمقراطية شيء من الدين. ولهذا لما مسكوا في مصر، قالوا: نحن نحكم بديمقراطية، وهم لابد أصلًا يحكمون بديمقراطية، نحكم بديمقراطية، وهذا كفر، كيف في الديمقراطية تحكم؟ الواجب أن تقولوا: نحكم بكتاب الله، وسنة رسوله، وما خالف من هذه القوانين الوضعية، نضعه خلف، أما نأخذ نظام الديمقراطية، وهو كفر مخالف الإسلام، نقول: أننا نحكم به، فهذا كلام باطل. وهذا كله بسبب الانجرار مع المجتمعات، فلهذا الداعية لا يكون كذلك، الداعية يكون ثابت على الحق، لا ينجر مع المجتمعات لضعفه، لا ينجر مع المجتمعات لضعفه، وإنما يثبت على الحق، إن لم يستطع أن يدعو ويتكلم، أقل شيء أنه يسكت، ويبقى على ما هو عليه، فهذا أيضًا دعوة، إذا بقى على الحق، يعتبر دعوة لغيره، أما أنه ينجر معهم، فهذا يضعف دعوته. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكمل في درس صلاح.