الدرس في إثراء القلب الأواب بدروس الدعاء المستجاب 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل من البلاء، وقد جاءت الآيات والأحاديث التي تحث على الدعاء وتدل على أهميته. الأنبياء والصالحين كانوا يدعون الله عز وجل في كل شيء.
ورد في القرآن والسنة نماذج لدعوات الأنبياء والصالحين، مثل نبي الله أيوب وذو النون، ودعوات بني إسرائيل. النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الله في صلاة الليل وعلّم أمته الدعاء عند الحيرة.
يبرز المقطع أهمية الدعاء في الإسلام من خلال ذكر قصص من السنة النبوية، مثل قصة الغلام مع الساحر والراهب ودعوة أهل الغار. الدعاء يمكن أن يرفع البلاء ويكشف الكرب.
عندما يواجه الإنسان مصيبة أو أمرًا يهمه، فإنه يلجأ إلى الله عز وجل وإلى الصلاة كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام. الصلاة تعتبر دعاءً واستعانة بالله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، تثميما لما قد ذكرناه من أهمية الدعاء، وذكرنا بالأمس أن من أهمية الدعاء أنه ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وذكرنا نفعه مما لم ينزل من البلاء، وأن الدعاء يدفع به الله عز وجل البلاء، وأنه لا يرد القدر إلا الدعاء. كما جاء في حديث عائشة، قالت: «قلنا يا رسول الله، أتظن أن بعضهن يصح بعضها؟» قال: «التصارعان أيهما يقدم إلى يوم القيامة، القضاء والدعاء»، لكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعاء يرد القضاء. وكذلك أيضًا هناك أشياء ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام ترد كذلك القضاء، ومن ذلك أيضًا من هذه الأمور التي تدل على أهمية الدعاء أنه ينفع أيضًا مما نزل، ينفع هذا الدعاء مما نزل أيضًا كذلك. فلهذا الله عز وجل يقول: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾، وغيرها من الآيات التي جاءت في هذا الباب من الحث على الدعاء. وغالبًا ما ينزل على الإنسان من بلايا وغيرها، فيدعو الله عز وجل فيستجيب الله عز وجل له. ولهذا الدعوات فيما نزل كثيرة جدًا، وأمثلتها كثيرة في القرآن والسنة. ونأخذ فقط أمثلة على ذلك، فتعلمون أن الأنبياء أيضًا ذكر الله عز وجل لهم دعوات في القرآن، وكذلك أيضًا عباده الصالحين لهم أيضًا دعوات في القرآن. فكلها تدل على أن العبد يرتبط بالله جل وعلا، وأنه يدعوه في كل شيء. يدعو الله عز وجل، ولهذا كما ذكرنا في المقدمة أنه قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون الله حتى الملح، وجاء في رواية أخرى حتى شسع النعل»، شسع النعل، شراك النعل، يسألون الله عز وجل إذا انقطع هذا الشراك. وهذا التعلق عظيم بالله جل وعلا، حتى يدفع عنهم أو حتى يرفع عنهم البلاء الذي قد وقع. ولهذا تجد دعوات الأنبياء كثيرة في هذا الصدد، فمن الأنبياء من يدعو لأجل دعوته لله سبحانه وتعالى، وأنه يهدي قومه، وأنه أيضًا يرقق قلوبهم للحق. فالله عز وجل يقول على لسان إبراهيم لما قال: «رَبِّ اجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»، هذه الدعوة العظيمة دعا بها نبي الله إبراهيم لقومه، وأن الله عز وجل يهديهم بعد ضلالهم. وكذلك قال: «فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»، أيضًا جعل حتى من عصاه أيضًا أن الله عز وجل يغفر له. وقال أيضًا نبي الله عيسى: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»، وأيضًا الله عز وجل يقول في دعاء الأنبياء: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ»، يدعون الله عز وجل في الرغبة وفي الخوف. يدعون الله سبحانه وتعالى، فلهذا فدعوة الأنبياء دعوة عظيمة، دعوة إلى التوحيد وإلى هداية الخلق، يدعون الله عز وجل بذلك. فلهذا فكم دعوة أرجعت صاحبها إلى دين الله جل وعلا، أو هدت بها أقوام من الناس، أو كذلك فرجت كربة، أو ذهبت بغم، أو أيضًا حجزت عن هم. وكذلك أيضًا كم دعوة فرجت عن مظلوم، كم دعوة أخذت للمظلوم من الظالم، وكذلك غيرها من الدعوات العظيمة التي جاءت في الكتاب والسنة، وكذلك حث عليها الشرع. فلهذا لو أخذنا مثلًا أمثلة مما جاء في الكتاب والسنة، فتجد أن زكريا نبي الله زكريا دعا ربه جل وعلا أن تكون له ذرية، بعدما قد كبر وصارت امرأته كبيرة وعاقر. فقال الله عز وجل: ﴿هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى﴾، فأبشره الله عز وجل، واستجاب الله عز وجل له دعاء، كما قال الله عز وجل: ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه﴾. وأيضًا كذلك نبي الله أيوب دعا ربه جل وعلا لما مسه الضر، كما جاء في الحديث أنه مرض وأصابه المرض ثمانية عشر سنة، فدعا الله عز وجل فاستجاب الله عز وجل له. وكذلك قال الله عز وجل: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾. فذكر ربنا جل وعلا في سورة الأنبياء دعوة الأنبياء إلى ربهم جل وعلا، ودعاؤهم إلى الله وتضرعهم إلى ربهم سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا من ما يذكر أيضًا في دعاء الصالحين في القرآن، دعاء قوم من بني إسرائيل لما تواجهوا مع العدو، وقالوا: «رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ»، وأيضًا كذلك في الآيات الأخيرة من سورة البقرة في آخرها أيضًا دعاء بالنصر وغيره. كما قال الله عز وجل: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾، فهذه كلها تدل على أن العبد يرتبط بالله عز وجل بدعاء، وكلما أكثر العبد من الدعاء كلما كان أعظم وأقرب إلى الله جل وعلا. وكذلك أيضًا كما ذكرنا قبل في المقدمة أن من ألهم الدعاء فهذه نعمة من الله، أن العبد يلهم الدعاء. وكما قال عمر رضي الله عنه: «إني لا أحمل هم الإجابة، ولكني أحمل هم الدعاء»، معنى هذا إذا جاء الدعاء وألهمك الله عز وجل الدعاء، فلا شك أنه سيستجيب لك. فلهذا فإلهام الله عز وجل نعمة عظيمة أنك تلهم الأدعية وتنوع الأدعية، وكذلك تحفظ الأدعية التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن أهمية هذا الباب أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذكر بعض القصص التي حصلت فيمن كان قبلنا، حتى يبين أن هذا الباب له أهمية في حياة المسلم. هذا الباب هو دعاء الله عز وجل فيما نزل، ويلتجئ العبد إلى ربه جل وعلا، فإنه يفك عنه. فقد ذكرنا قبل في المقدمة أيضًا ما جاء في حديث نبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من نزلت به نازلة أو فاقة فأنزلها بالله، استجاب الله له، وإن أنزلها إلى خلقه، وكله الله إلى خلقه». أنه إذا أصاب الإنسان مصيبة أو أصابه شيء من أمور الدنيا، لا ينزلها إلى الخلق، لا يسأل الخلق، لا يذهب إلى الخلق، يسأل الله عز وجل أولًا، يدعو الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك إن كان مثلًا احتاج إلى أن يذكرها لأحد حتى مثلًا يوجهه، حتى مثلًا ينصحه في شيء، لا بأس، لكن ليس معنى أنه ينزل مصيبته أو الذي حصل له لمخلوق مثله، ويسأله أن يعطيه أو كذا، فهذا خطأ. فيسأل الله عز وجل، فربنا جل وعلا يستجيب له. وكذلك أيضًا كلما كانت الدعوة فيها تضرع، وفيها مسكنة، وأيضًا افتقار إلى الله، كلما كانت أقرب إلى إجابة الله عز وجل لها. فلهذا مثلًا على سبيل المثال، كما قلنا دعوات أغنت مظلوم، ودعوات أنقذت مكرم، ودعوات كذلك أنقذت رجلًا مثلًا متحيرًا لا يعلم أين الهداية، فيدعو الله عز وجل فيهديه الله عز وجل إلى الخير. وفي صحيح مسلم من حديث عمار الدهني، أو عكرمة بن عمار الدهني، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول في صلاة الليل: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»، فهذا الدعاء العظيم دعا به النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الليل. يعلم قومه ويعلم أمته هذا الدعاء العظيم عند الحيرة، إذا احتار الإنسان، معناه أقصد أنه من مواضعه، ليس أنه خاص بهذا، لكن من مواضعه أنه إذا احتار الإنسان وشك عليه الأمر، يدعو الله عز وجل بهذا الدعاء العظيم، أن الله عز وجل يهديه للحق ولا يصرف عنه. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ذكر في قصة الغلام مع الساحر والراهب، فالنبي عليه الصلاة والسلام ذكر في هذه القصة، وهي في صحيح مسلم، حديث يحيى بن صهيب الرومي، فذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الغلام لما عرضت عليه الدابة، وعرضت على الناس الدابة كبيرة، منعت الناس من الطريق، كان الطريق ضيقًا، وعرضت هذه الدابة ولم تتحرك. فلما جاء هذا الغلام، فقال: «اليوم أعلم أمر الساحر أحب إلى الله أم أمر الراهب»، أنا اليوم أعلم، كان كأنه كان في شكل ما يدري هل الساحر على الطريق الصحيحة أم الراهب على الطريق الصحيحة، فقال: «اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك فأفرج عن الناس هذه الدابة»، فصرفها الله عز وجل، كان نيته صحيحة، نيته مخلصة لله جل وعلا، فوفقه الله سبحانه وتعالى إلى طريق الهداية. فبعد ذلك عرف أن طريق الراهب هي الطريق الصحيحة، لأنه كان في ذلك الوقت كان دين النصارى ودين اليهود، وهناك من هو باق على الدين الصحيح. فلهذا كان هذا الغلام دعا بذلك الدعاء، فعرف بعد ذلك وأيقن أن طريقة الراهب هي الطريقة الصحيحة، وهو الدين الذي ارتضاه الله عز وجل، فلهذا تمسك بعد ذلك بطريقة الراهب. فهذا دعاء أنقذه الله عز وجل من الحيرة ومن الشكوك، ومن غيرها من هذه الأمور. أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام ذكر دعوة أهل الغار، كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر، في الثلاثة الذين آواهم المبيت للغار، فدعوا الله سبحانه وتعالى. أما فلما انطبقت عليهم الصخرة، فلما استيقظوا وجدوا صخرة قد أغلقت باب الغار، فقالوا: «لا يخلصكم إلا أن تدعوا الله عز وجل بأعمالكم الصالحة»، فكل منهم ذكر عملًا صالحًا ودعا الله عز وجل أن يفرج عنهم، ففرج الله عز وجل عنهم. وغيرها كما قلنا من هذه القصص التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، والتي جاءت أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في بدر وفي غيره. فكان النبي صلى الله عليه وسلم من أكثر الناس دعاء لربه جل وعلا، ويأتيه الصحابة لأجل أن يدعوا له، مثل ما جاءت تلك المرأة السوداء، كما في الصحيحين في حديث ابن عباس، جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالت: «يا رسول الله، إني أصرع وأتكشف، فادع الله عز وجل لي»، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة»، قالت: «أصبر يا رسول الله، لكن ادع الله عز وجل أن لا تكشف»، فدعا لها النبي عليه الصلاة والسلام أن لا تتكشف. وأيضًا كذلك جاء في حديث سليم بن جابر، رضي الله عنه، في السنن، أنه قال: «جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلت: أنت رسول الله؟ قال: نعم، أنا رسول الله الذي إذا أصاب، دعوته فكشفه عنك، وإن ألمتك مصيبة، دعوت الله عز وجل فكشفها عنك»، أنا رسول الله الذي يكشف الدعاء، ويكشف الضر عن الناس إذا دعوه. فقال له: «أنا رسول الله الذي إذا دعوته كشف عنك ضره، وإذا ألمت بك مصيبة دعوت الله عز وجل، كشفها عنك»، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا الباب كما قلنا واسع، وأيضًا مترامي الأطراف، لكن العبرة كما قلنا هنا مما يدل على شأن الدعاء أنه يرفع الله عز وجل به البلاء، يرفع الله عز وجل به البلاء. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب»، فيكشف الله عز وجل بهذه الدعوات المظلمة، وكذلك يكشف الله عز وجل به الكرب، ويفرج الله عز وجل به أيضًا ما كرب على الشخص، ويسر به المعسر، وغيرها من الأمور العظيمة التي تصيب المسلم في حياته، فيضع الله عز وجل فيكشفها عنه سبحانه وتعالى، ويرفع به ذلك البلاء الذي نزل. وأيضًا كذلك أن المسلم يدعو الله عز وجل برفع ما يكون فيه من أمور تصيبه، وكذلك أمور مثلًا تجعله في هم أو في غيره في هذه الحياة، فيدعو الله عز وجل فيستجيب الله عز وجل لها، فتزال عنه. فلهذا مما ينبغي أن يكون المسلم عليه قلبه متعلق بالله، لا يلتفت إلى غير الله جل وعلا، لأن كل شيء بيد الله جل وعلا. فإن أصابته مصيبة هرع إلى الله جل وعلا، وإلى الصلاة، كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث حديثة: «كان إذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة»، كان إذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة، لأن الصلاة دعاء. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾. فهذا كما قلنا شيء مما يذكر في هذا المقام، فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يجعلنا سبحانه وتعالى ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، والحمد لله رب العالمين.