الدرس في شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تعريف بالمنظومة التي ألفها حافظ ابن أحمد حكمي في الاعتقاد وتقسيم الشريعة إلى اعتقاد وعمل. المنظومة تشمل توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات وجمعت بين عدة كتب في الاعتقاد.
ولد حافظ حكمي في قرية السلام بجازان ودرس على يد الشيخ عبدالله القرعاوي. حفظ القرآن والمتون في العقيدة والفقه وتخرج بسرعة وألف كتاب "سلم الوصول" وشرحه في "معارج القبول".
التأكيد على أن المثابرة في طلب العلم تحقق النجاح حتى بدون الذكاء الطبيعي أو الحفظ. ذكر أمثلة على علماء حققوا نجاحات كبيرة بالاستمرار في طلب العلم.
اختتام الجلسة بالدعاء بالتوفيق والوعد بالبدء في مقدمة المنظومة في الجلسة القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نبدأ في هذا الكتاب، أو هذه المنظومة، الذي سماها مؤلفها سلة من الوصول إلى علم الوصول في توحيد الله عز وجل واتباع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه المنظومة منظومة في الاعتقاد، إذ الشريعة اعتقاد وشريعة، أو يقولون علم وعمل، فالعلم هو الاعتقاد، والعمل هو المسائل الشرعية، مسائل الصلاة والزكاة وغيرها. فيقولون علم الأصول وعلم الفروع. وهذه، وإن كان هذا التقسيم جاء من عند بعض أهل البدع لأجل الغرض الذي أرادوه، وهو أن خبر الآحاد يقبل في الأصول ولا يقبل في الفروع، لكن هذا الكلام باطل. وإن كان أهل العلم استمروا في هذا التقسيم، لكن لا يقصدون أن خبر الآحاد يقبل في هذا ولا يقبل في ذاك، وإنما استمروا على أن التقسيم على أن هذا أصول وهذا فروع، أي هذا أصول المسائل العلمية، وهذا فروع، أي فرع عنها، وهو ما جاء في المسائل العملية. فجعلوا المسائل العملية فرعا، وإلا لو كان الأمر كما يقال، لو كان أردنا الحقيقة، فالصلاة ليست فرعا، هي ركن من أركان الإسلام، هي ركن من أركان الإسلام، الزكاة، الحج، هذه ليست فروعا، بل هي أركان. لكن هنا أرادوا فقط أن يفرقوا بين الاعتقاد وغير الاعتقاد، فجعلوا الأصول هو الاعتقاد، وغير الأصول أو الفروع جعلوه غير الاعتقاد، يعني المسائل العملية، مثل ما يقال علم وعمل، فالعلم هو الاعتقاد، والعمل هو المسائل الفرعية. فألف المؤلف رحمه الله تعالى في هذا القسم، وهو قسم الاعتقاد، وكانت هذه المنظومة منظومة جميلة، وحوت أشياء كثيرة من الاعتقاد. وكما قال بعضهم، العلم أن المؤلف رحمه الله أخذ أربعة كتب ونظمها في هذه المنظومة، أربعة كتب من كتب الاعتقاد، ونظمها في هذه المنظومة. أخذ الأصول الثلاثة، وكتاب التوحيد، وهذا معظم الكتاب يشبه كتاب التوحيد، وأيضا الواسطية لشيخ الإسلام، وأيضا الطحاوية لأبي جعفر الطحاوي، هذه الأربعة الكتب. فإن المؤلف نظم أكثرها، أخذ من هذا وأخذ من هذا ونظم هذه الكتب، لأن أكثر الاعتقاد موجود في هذه الكتب، خاصة كتاب التوحيد والواسطية. فكتاب التوحيد فيه توحيد الألوهية، وهو توحيد العلم والإرادة، وأما توحيد الربوبية والأسماء والصفات، فهو التوحيد العلمي، أو سموه العلمي الأمري. فاعتقاد الألوهية معناه هو توحيد الطلب، توحيد الطلب، لأن الله عز وجل طلب العبادة من الناس. وأما توحيد الربوبية، فيسمونه التوحيد الأمري الاعتقادي، لأنه أمر من الله عز وجل أن يعتقد هذه الأشياء في الله عز وجل، وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. فأكثر رحمه الله في هذا الكتاب من توحيد الألوهية، وأيضا ذكر أشياء كثيرة من توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. فهذه المنظومة منظومة شاملة في هذه العلوم. ونظمها الشيخ العلامة حافظ ابن أحمد حكمي. حافظ ابن أحمد حكمي من آل الحكم، والحكم هذا بطن من بني سعد العشيرة، وكانوا هؤلاء أكثرهم يعيشون في تهامة. عن هذه القبيلة، قبيلة الحكم أو الحَكَم، يعيشون في تهامة. وكان الشيخ في قرية من قرى جازان، ولد فيها، وكان مولده سنة 1342، وقريته تسمى السلام، وهي تابعة للمضايا، وهي تابعة لجازان، منطقة جازان، وهي في جنوب المملكة، وهي أيضا كانت تابعة لليمن. إن تهامة ما كان بعد مكة أو أسفل مكة يسمى تهامة، من مكة إلى ما يسمى الآن بالحديدة، فهذه كلها تسمى تهامة، جازان ونجران، وأيضا خميس مشيط، وأيضا عسير، هذه الآن مناطق في السعودية، في المملكة، وكذلك أيضا الحديدة وما جاورها، مثل زبيد وبيت الفقيه وغيرها من هذه المدن، فهذه كلها تسمى تهامة. وحافظ حكمي كان من هذه البلاد رحمه الله. يسر الله عز وجل للشيخ عبدالله القرعاوي أنه أرسله الإمام عبدالعزيز، أو الملك عبدالعزيز بن تركي، والد هؤلاء الأمراء الآن أو الملوك، أرسله إلى جازان لأجل أن يدرس، فكان يدرس في جازان، وعمل له جامعة يدرس فيها الطلبة. فسمع بحافظ حكمي وبحفظه ومعرفته، فحرص أن يلتقي به، فالتقى به، وطلب من أبيه، أي من أبي حافظ، أن يكون معه ويدرس، لأنه كان يعمل في رعي الغنم، لكن رفض والده أولا، ثم بعد ذلك رضي. والمهم أنه لازم الشيخ عبدالله القرعاوي، وحفظ القرآن، وحفظ المتون في العقيدة والفقه وغيرها. وكما قال شيخه عبدالله القرعاوي، كان حافظ عنده حسن إدارة، عنده حسن إدارة في طلب العلم، معناه هذا حسن الإدارة في طلب العلم مهم جدا. حسن الإدارة في طلب العلم معناه أنه يطلب العلم على منهج معين، يبدأ بالأدنى ثم ما فوقه وهكذا، كما ذكر البخاري رحمه الله عند قول الله جل وعلا ﴿ولكن كونوا ربانيين﴾ قال: يعلمون صغار العلم قبل كبره. الرباني هو الذي يعلم صغار العلم قبل كبار العلم، يعلم الطلبة صغار العلم ثم يدرجهم في العلم، يتدرجون في العلم. أما من يأخذ العلم عبثا، يأخذ كتابا من هنا ويأخذ كتابا من هنا، ويدخل في كتاب كبير ليس على حجمه قبل أن يدخل ما هو دون ذلك، فتجد أنه ما يستفيد كثيرا. لكن إذا تدرج في العلم استفاد، إذا تدرج في العلم وحفظ وانتبه للمعلومات وراجع وذاكر، فلا شك أنه يستفيد استفادة عظيمة، ويخرج بحصيلة عظيمة. فهذا حافظ حكمي، سبحان الله، تجد أن دراسته كانت في وقت قصير، كانت دراسته في وقت قصير، لكن تحصل على علم كثير. كان عمره لما توفي 35 سنة، ألف «سلم الوصول»، ثم شرحها في «معارج القبول». بدأ وهو عمره 19 سنة، وهو شاب، وانتهى من «معارج القبول» وهو عمره 25 سنة، معنى ذلك أنه في ست سنوات وهو يؤلف في هذا الكتاب حتى أتمه، وهو كتاب عظيم. أولا ألف المنظومة، ثم بعد ذلك شرحها، وكان شرحه عظيما جدا، حشاه بالأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف. فتجد فيه أدلة كثيرة، وهذا يدل على علمه واطلاعه. وأيضا رسخ في العلم، وهو يعد من علماء أهل السنة الراسخين في عقيدة أهل السنة، وكذلك في منهج السنة. فلهذا، فالذي يتدرج، والذي يكون عنده منهج صحيح في دراسة العلم، يستفيد، لا شك أن الحفظ والذكاء له دور، لكن الإنسان بالمثابرة يتعلم. فكم من رجل يشار إليه بالبنان، وتجد أن فهمه ليس بذلك الفهم، وحفظه ليس بذلك الحفظ، لكن بمثابرته في العلم، وكذلك استمراره في العلم، نجح، وأيضا صار عالما من علماء المسلمين. فالعلم ليس حكرا مثلا للأذكياء أو للحفاظ، لا بد أن يكون عنده حافظة قوية، لكن الحافظة القوية لا شك أنها تعين طالب العلم، لكن ليست هي كل شيء. كما قلنا، كثير من العلماء لم يكن ذكيا بذلك الذكاء، لم يكن حافظا بذلك الحفظ، لكنه بالمثابرة أثمر عنده العلم، وصار من علماء الأمة. فلهذا، بالمثابرة يأتي العلم. وهناك قصة يذكرونها، وإن كان بعضهم يشكك فيها، عن الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، أنه بدأ حياته في طلب العلم، ثم رأى أن وقته يضيع ولم يستفد، فجاء تائبا أنه يترك هذا الباب، أنه يترك باب طلب العلم. قال: فذات مرة رأى حبلا مدليا في بئر، رأى حبلا مدليا في بئر، ورأى أن الحبل قد أثر في ركوة البئر، يعني حافة البئر، حجر، وهذا الحبل قد أثر فيها. هذا الحبل أثر في الحجر، لو جيء مثلا بحبل تريد أن تؤثر على الحجر ما سيؤثر، لكن بالاستمرار أثر عليه. فأخذ من هذا فائدة أن الاستمرار يؤثر. فهذا الحجر أثر فيه الحبل بالاستمرار، وهكذا العلم إذا استمر به الإنسان وثابر عليه، فإنه يثمر ولا شك. لا يأس أبدا، ولا يترك، بل ترك العلم ضياع. أنت تجد بعضهم، بعض طلبة العلم، يقول: أنا ما عندي ذاكرة صحيحة، وما أحفظ شيئا، ولا أعرف شيئا، أو يضيع عليه العلم، فيقوم يترك العلم، هذا ضيع فلانا، خاف أن يضيع العلم، فضيعه بنفسه. لكن استمر في طلب العلم، وسيأتي اليوم الذي يحمد هذا الاستمرار. وكما قلنا، كم من رجل عالم لم يكن بذلك الذكاء، ولم يكن بذلك العلم. شيخنا مقبل رحمه الله، حافظ، لكن في بداية طلبه العلم، قال: تأتيني وساوس وشكوك، تقول: أنا كلما ذهبت أطلب العلم وأدرس، أرى أن هذا الذي أدرسه يتبخر. قال: فأقول لنفسي: يا مقبل، أنت راعي غنم، ما تصلح في هذا الباب، أنت ترعى غنما تصلح في رعي الغنم، أما العلم ما تصلح. قال: وذهبت للمملكة، وجاءني عمل، أمسكت بوابة عمارة في مكة، قال: ثم أذهب إلى الحرم وأدرس، وشجعه وشجعه بعد ذلك بعض المدرسين، وأنه يستمر في طلب العلم. وسبحان الله استمر، وصار من علماء الدنيا. فبالاستمرار يأتي الحفظ. فكان رحمه الله يحفظ أشياء كثيرة، وهو يذكر عن نفسه أنه ليس حافظا، لكن بالاستمرار حفظ، واستمر في العلم. الآن لما يأتي، لو سمعتم مثلا يأتي بكلمة وكذا، سبحان الله، لما يستدل، هو يقول: أنا ما أحفظ القرآن كثيرا، يعني ما يحفظه متقنا، لكن لما يتكلم يأتي بالشواهد من هنا وهنا وهنا، يأتي بالآيات والأحاديث. فالاستمرار في العلم بركة يعطيه الله عز وجل للعبد، فإذا استمر في العلم أثمر العلم فيه، عما ينقطع، وهو ضياع. فالمهم أن حافظ حكمي استمر في الدراسة ونجح، وأثمر فيه العلم، وألف مثل هذه المنظومة العظيمة. وإن شاء الله تعالى، من غدا إن شاء الله نبدأ في مقدمة هذه المنظومة. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.