الدرس في شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأول مفهوم زيادة الإيمان ونقصانه عند أهل السنة، ويبين أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. يذكر المقطع أيضا أقوال بعض الأئمة مثل الإمام أحمد والبربهاري في هذا السياق.
يتناول المقطع الثاني مسألة تفاضل الإيمان بين المسلمين، ويشرح مفهوم الفاسق الملي ومدى تأثير المعاصي على إيمانه. كما يشير إلى أن العرض يسير الحساب هو حساب يسير يمر به المؤمنون يوم القيامة.
يشرح المقطعان الثالث والرابع شروط قبول التوبة وعلامات الساعة الكبرى، حيث تقبل التوبة قبل الغرغرة ولا تقبل إذا طلعت الشمس من مغربها. كما يؤمن الناس جميعا عند طلوع الشمس من مغربها، ولكن إيمانهم حينها لا ينفعهم إذا لم يكونوا قد آمنوا من قبل أو عملوا صالحا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال إيماننا يزيد بالطاعة ونقصه يكون بالزلات، وأهله فيه على تفاضل، هل أنت كالأملاك أو كالرسل؟ طيب، الآن مسألة الإيمان، هذه المسائل التي حصل فيها خلاف بين أهل القبلة وأهل السنة، على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وهذا الذي عليه عامة أهل السنة، وإن اختلفوا في بعض الألفاظ، مثلا بعض الأئمة ما كان يقول يزيد وينقص، وإنما يقول يتفاوت، كما جاء عن عبد الله المبارك، والتفاوت والزيادة والنقصان، وكذلك جاء عن مالك أنه يقول بالزيادة ولا يقول بالنقصان، من بابه أن النقصان لم يأت صريحا في القرآن، لكن الزيادة تدل على النقصان، تدل على النقصان، وأن الإيمان ينقص، فلهذا يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من دينار، ثم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وجاء قوله: ثم ذرة، فدل على أن الإيمان يتفاوت وأنه ينقص ويزيد، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. لهذا قال: إيماننا يزيد بالطاعات ونقصه يكون بالزلات، وهذا الذي عليه أهل السنة، خلافا للمرجئة، سواء كان الجهمية الذين يقولون إن الإيمان هو معرفة القلب، أو المرجئة الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق فقط، أو مرجئة الفقهاء الذين يقولون إن الإيمان هو اعتقاد وقول والعمل لا يدخل في الإيمان أو لا يدخل في مسماه، فهذا كلها أقوال باطلة، وقد دلت الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه. ولهذا قال الإمام أحمد: من قال بزيادة الإيمان ونقصانه فقد خرج من الإرجاء كله، فقد خرج من الإرجاء كله. فأحيانا بعض المسائل تجد مثلا بعض أهل السنة يقول بها وتجد آخرون يشددون فيها، حتى يتهمون مثلا بعض أهل السنة، مثل من اتهم الشيخ الألباني بالإرجاء، لماذا؟ لأنه يقول بالاستحلال القلبي، وهذا خطأ، لأن مسألة الاستحلال هذه الأصل أن القلب هو الذي يستحل، لكن أيضا يؤخذ بالقول، يؤخذ بالقول، إذا استحل بقوله. وهل يستحل بفعله؟ هذا لم يأت فيه شيء صريح، إلا ما كان أصله كفر وليس ذنب، أما إذا كان ذنبا ما يكون ذنب يكون ذنب عمل باستحلال، باستحلال مثلا عملي، استحلال عملي، أنا بالجوارح غير اللسان، أنا ما يقول مثلا هذا حلال، أنه لو قال هذا حلال خلاص كفر يعتبر، حتى ولو لم يعتقد على الصحيح، حتى ولو لم يعتقد لأنه كذب الله عز وجل، ولا تصدقوا ألسنتكم الكذبة هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. فلهذا فرق بين أن يقول مثلا إنسان بالاستحلال القلبي ويريد به أصل الاستحلال هو القلب، هذا كان يريد به الشيخ الألباني رحمه الله، وفعلا أصل الاستحلال هو القلب، لكن إذا نطق بجارحته بلسانه وقال إن هذا حلال يعتبر وهو حرام مجمع عليه، فهو كافر بالإجماع، وليس هذا محل البحث، وإنما هل أصل كلمتي هذه تعتبر الاستحلال القلبي أو لا يعتبر؟ فاعتبرها الشيخ الألباني من الاستحلال القلبي، فالأمر هين وليس فيه أنه من قول المرجئة، لأن المرجئة لا يقولون إن الإيمان يزيد وينقص. فالذي يقول إن الإيمان يزيد وينقص كما قال الإمام أحمد فقد خرج من الإرجاء كله، وقال أيضا البربهاري: من قال إن الإيمان ينقص فقد خرج من الإرجاء كله دقة وجلة، خرج من الإرجاء، أقصد من الإرجاء كله دقة وجلة، فليس هناك مرجئ يقول إن الإيمان يزيد وينقص، لأن المرجئة كلهم اتفقوا، بل ليس المرجئة فقط، قلنا أهل البدع جميعا اتفقوا على أن الإيمان لا يزيد وينقص، سواء كان من جهة المرجئة أو من جهة الخوارج، الخوارج لا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه، المرجئة كذلك لا يقولون، وسواء كان المرجئة الجهمية أو غيرهم، الشيعة أيضا من المعتزلة، المعتزلة لا يقولون بأن الإيمان يزيد وينقص. وقد ذكرنا قبل أن هناك مسألة هي التي فارقت بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي مسألة هل الإيمان يتجزأ أو لا يتجزأ؟ وهي نفس مسألة يزيد وينقص، فهل أهل السنة يقولون إن الإيمان يتجزأ؟ وأهل البدع جميعا يقولون إنه لا يتجزأ؟ قال: وأهله فيه على تفاضل، معنى يتفاضلون، هذا مؤمن كامل الإيمان، هذا مؤمن ليس بكامل الإيمان، هذا إيمان أفضل من هذا، هل أنت كالأملاك أو كالرسل؟ معنى كأنه يريد أن يرد على المرجئة، فالإيمان يتفاضل، لكن تفاضل هذا الإيمان، إذا قلنا إنهم لا يتفاضلون، فمعنى ذلك أن أي مسلم يعتبر مثل الملك مثل الرسل، وهذا غير صحيح، وهذا غير صحيح. والذي يقول مثلا إن الرسل مثل غيرهم هذا مخطئ، بل إن بعض الصوفية لما فضل الولي على النبي، ذكر شيخ الإسلام وغيره: إجماع العلماء على كفر من قال هذا، فالأنبياء أفضل الناس، لأن الله عز وجل يقول: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾، هؤلاء اصطفاهم الله واختارهم، فهم خيرة الناس، فلهذا الذي يقول إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، معنى يشابه كل إنسان مؤمن يشابه بالرسل والملائكة. قال: والفاسق المليء العصيان لم ينفعه مطلق الإيمان، لكن بقدر فسقه والمعاصي إيمانه ما زال في انتقاص، ولا نقول إنه في النار مخلد، بل أمره للباري تحت مشيئة الإله النافذة، إن شاء عفا عنه وإن شاء آخذ بقدر ذنبه، وإلى الجنان يخرج إن مات على الإيمان. طيب، هذا مسألة الفاسق الملي، مسألة الفاسق الملي والمرتد، الفاسق الملي هو الفاسق، لأن الفسق ينقسم إلى قسمين: فسق يخرج من الملة، وفسق لا يخرج من الملة، فهنا الآن المسألة هي الفاسق الملي الذي هو من ملة، من هذه الملة، معنى من ملة المسلمين من أهل الإسلام، الفاسق الذي يرتكب المعاصي والذنوب وهو من أهل الإسلام، فهذا يسمى الفاسق الملي، معنى فسق بكبائره. قال: لم ينف عنه مطلق الإيمان، مطلق الإيمان هو أصل الإيمان، فلهذا قال شيخ الإسلام: إن الفاسق الملي ينفى عنه الإيمان المطلق أو يسلب، أقصد يسلب مطلق الإيمان، ولا يسلب الإيمان المطلق، أقصد العكس، يسلب الإيمان المطلق ولا يسلب مطلق الإيمان، مطلق الإيمان هو الأصل، والإيمان المطلق هو كمال الإيمان، الإيمان المطلق هو كمال الإيمان، فكمال الإيمان يسلب منه، يبقى معه أصل الإيمان، يبقى معه أصل الإيمان. فلهذا قال المؤلف: لم ينف عنه مطلق الإيمان، مطلق الإيمان أصله، لكن بقدر الفسق والمعاصي إيمانه ما زال في انتقاص، أن إيمانه ينقص كلما عصى الله عز وجل نقص إيمانه، ونقص هل الإيمان المطلق أو مطلق الإيمان؟ الإيمان المطلق ينقص، وما عنده إيمان مطلق، ما عنده الإيمان المطلق قد سلب الإيمان المطلق، فيبقى أصل الإيمان، الناس متفاوتون في أصل الإيمان أيضا، فلهذا فينقص أصل الإيمان، فأصل الإيمان ينقص حتى قد لا يبقى منه شيء، وأصل الإيمان أيضا يزيد حتى يكمل. قال: ولا نقول إنه في النار مخلد، بل أمره للباري تحت مشيئة الله النافذة، إن شاء عفا عنه وإن شاء أخذ بقدر ذنبه، وإلى الجنان يخرج إن مات على الإيمان، فما دام أنه مؤمن فهو لا يخلد في النار، وإنما يخلد في النار الكافر. قال: والعرض يسير الحساب في النبأ، ومن يناقش الحساب أذب، يعني العرض، يعني العرض يسير الحساب في النبأ، هذا قد ذكرناه في مسألة الحساب، يعني العرض قد أخذناه وهو الحساب اليسير الذي ذكره الله عز وجل، ومن نوقش الحساب فقد عذب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا هذا قبل. قالوا: لا نكفر بالمعاصي مؤمنا إلا مع استحلاله لما جنى، وتكفير التكفير بالمعاصي هو قول الخوارج، أما أهل السنة ما يكفرون بالمعاصي، لقول الله عز وجل: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، وهذا دليل عام وأقوى دليل في هذه المسألة، إن الله عز وجل قد يغفر غير الشرك، أما الشرك وما كان مثله من الكفر والنفاق فإن الله عز وجل لا يغفر، فلهذا صاحب المعاصي فهو مؤمن ليس كافرا، لأن المؤمن يغفر له، أما الكافر لا يغفر له كما جاءت الآيات بذلك. قال: إلا مع استحلاله لما جنى، معنى إلا إذا استحل المعاصي فإنه يكفر باستحلاله، والاستحلال كما قلنا يكون بالقلب ويكون بالقول، أما الفعل فلم يأت ما يدل عليه، أنا استحل ما كان كفرا أصله كفرا، أصله بعضهم يستدل بحديث ذاك الذي تزوج امرأة أخته في الدين، فهذا أصلا هذا كفر، لماذا؟ لأنه استحل، كيف يتزوج لو زنى بها ليس كفرا، لكن يتزوج بها معنى يستحلها، يستحلها بكلمة الله، معنى معنى عقد عليها، والعقد هذا يعتبر كفر لأنه استحلال. فليس هناك عمل مجرد يعتبر كفر، عمل مجرد يعتبر كفر إلا ما كان من ترك الصلاة، فهذا مختلف فيه بين العلماء، حتى الحكم بغير ما أنزل الله، معنى الحكم المجرد الذي ليس معه اعتقاد، فإن هذا بإجماع السلف أنه لا يخرج من الملة، وإنما خالف في ذلك الخوارج. قال: ولا نكفر معصوما وأمنا إلا مع استحلاله لما جنى. قالوا: تقبل التوبة قبل الغرغرة كما أتى في الشريعة المطهرة، وهذا قد جاءت به الأدلة كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»، ما لم يغرغر، معنى الغرغرة معنى أن تبلغ الروح الحلقوم، إذا بلغت الروح الحلقوم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا وفلان كذا». وأيضا الله عز وجل يقول: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾، وذكر النبي عليه الصلاة والسلام طلوع الشمس من مغربها، فقال: «حين لا تنفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا»، عن أن التوبة تقبل إلا في حالتين: في حالة الغرغرة أن يغرغر الشخص، تبلغ الروح الحلقوم، وأيضا الأمر الثاني وهو إذا طلعت الشمس من مغربها. ومن الأمثلة التي ذكرها الله عز وجل في بلوغ الروح الحلقوم وأنه لا تنفع التوبة ما فعله أو ما حكاه الله عز وجل عن فرعون، فإنه لما غرق قال: «آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل»، قال الله عز وجل عنه: «الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين»، ما قالها في الغرغرة ما نفعته، ما نفعته، ما نفعته هذه الكلمة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم﴾، يتوبون من قريب، أي إذا لم يحضرهم الموت، إذا لم يحضرهم الموت، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: «إني توبت الآن»، وللذين يموتون وهم كفار، معنى هؤلاء ليس لهم توبة، الذي يموت وهو كافر خلاص، والذي يحضره الموت ثم يقول توبت، أيضا ما يقبل الله عز وجل توبته. قال: أما متى تغلق عن طالبها؟ فبطلوع الشمس من مغربها، أيضا هذه الحالة الثانية التي لا يقبل الله عز وجل فيها التوبة، وهي طلوع الشمس من مغربها، طلوع الشمس من مغربها كما ذكرنا الأدلة في ذلك، ومن ذلك أيضا حديث أبي موسى الأشعري في صحيح مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها»، حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها ورآها الناس فحينئذ آمنوا جميعا، ولم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا.