الدرس في كتاب الصلاة 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المحور خلاف العلماء في حقيقة الشفق المحدد لوقت المغرب مرجحاً كونه الحمرة، ويستعرض أقوال الشافعية بين القديم والجديد. كما يوضح حديث ابن عباس في الفجرين مميزاً بين الفجر الكاذب المستطيل كذنب السرحان والفجر الصادق المستطيل في الأفق وأثر كل منهما في الأحكام.
يتناول المحور الإشكال في تحديد دخول وقت الفجر هل هو بأول البزوغ أم بالانتشار، مستعرضاً اختلاف الزوايا الفلكية (18، 17، 15.5 درجة) وصعوبة الرؤية المعاصرة. ويؤكد أن الأمر فيه سعة مع استحباب الاحتياط، مستدلاً بحديث ابن مسعود على أفضلية الصلاة في أول الوقت مستثنياً العشاء والظهر في شدة الحر.
يعالج المحور التعارض الظاهري بين أحاديث أفضلية الصلاة في أول الوقت وأحاديث التأخير في العشاء والإبراد، مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرشد كل مخاطب بما يناسبه. ويفند صحة حديث "أول الوقت رضوان الله" لضعف سنده، مستدلاً بالمحافظة النبوية على أول الوقت دليلاً على الأفضلية ما لم يرد نص بالتأخير.
يختتم المتحدث الجلسة بعبارة استئذان واستمرار معلناً نية استكمال الموضوع في وقت لاحق بقوله "طيب إن شاء الله نكتب تابعي". ويشير إلى وجود ملاحظة تقنية حول تجاهل نص غير واضح في نهاية التسجيل الصوتي.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاهما. بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الشفق الحمرة». رواه الدارقطني، وصححه ابن خزيمة وغيره. ووقفه على ابن عمر. ولا شك أن الصحيح هو الوقف، الصحيح هو الوقف على عبد الله بن عمر. صحح وقفه البيهقي والدارقطني، وأيضًا ابن عبد الهادي وغيره من العلماء. قال: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «الشفق الحمرة». رواه الدارقطني، وصححه ابن خزيمة وغيره. ووقفه على ابن عمر. قال: تمام الحديث: «فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة». وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عمر برفعه: «وقت صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق». وقال البيهقي: روي هذا الحديث عن علي، وعمر، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبي هريرة، ولا يصح منها شيء. قلت: البحث لغوي، والمرجع فيه إلى أهل اللغة، وابن عمر من أهل اللغة، وقح العرب، وقح العرب يعني خالص العرب، فكلامه حجة، وإن كان موقوفًا عليه. هذا في صلاة المغرب كما معروف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حتى يغيب الشفق» في حديث عبد الله بن عمر وغيره. والشفق هذا لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم ما هو الشفق، لأن هناك الشفق شفق أحمر وشفق أبيض. لأن الحنفية يقولون: الشفق الأبيض، والجمهور يقولون: الشفق الأحمر. والصحيح هو الشفق الأحمر؛ لأنه جاء عن بعض الصحابة، وأيضًا كذلك الشفق الأحمر يستقر، بخلاف الشفق الأبيض؛ الشفق الأبيض ما يستقر، أحيانًا يذهب بعد الغروب، وأحيانًا يتأخر كثيرًا حتى إلى ثلث الليل. فلذا الصحيح أنه الشفق هنا الحمراء. قالوا في القاموس: الشفق محركة: الحمرة في الأفق من الغروب إلى العشاء، وإلى قريبها أو إلى قريب العتمة. والشافعي يرى أن وقت المغرب عقب غروب الشمس بما يتسع لخمس ركعات، ومضي قدر الطهارة، وسطر العورة، وأذان وإقامة لا غير. أنا الشافعي يرى هذا وقت الاختيار. وحجته حديث جبريل أنه صلى به صلى الله عليه وسلم المغرب في اليومين معًا في وقت واحد عقب غروب الشمس. قال: فلو كان المغرب وقتًا ممتدًا ممتدًا لآخر إليه، كما أخر الظهر إلى مصير ذلك الشيء مثله في اليوم الثاني. أجيب عنه بأن حديث جبريل متقدم في أول فرض الصلاة بمكة اتفاقًا، وحديث آخر وقت المغرب الشفق متأخرة، واقع في المدينة أقوالًا وأفعالًا، فالحكم لها بأنها ناسخة لحديث توقيت جبريل، فهي مقدمة عند التعارض. وأما الجواب بأنها أقوال وخبر جبريل فغير ناهض؛ فإن خبر جبريل فعل وقول، فإنه قال له صلى الله عليه وسلم بعد أن صلى به الأوقات الخمسة: «ما بين هذين الوقتين وقت لك ولأمتك». وحديث جابر هذا حديث حسن، أخرجه أهل السنن. نعم، لا بينية بين المغرب والعشاء على صلاة جبريل، فيتم الجواب أنه فعل بالنظر إلى وقت المغرب، والأقوال مقدمة على الأفعال عند التعارض على الصحيح. أما هنا فما ثم تعارض، إنما الأقوال أفادت زيادة في الوقت للمغرب من الله بها. قلت: لا يخفى أنه كان الأولى تقديم هذا الحديث في أول باب أوقات، عقب أول حديث فيه، وهو حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه. حديث عبد الله بن عمر، وعلم أن هذا القول هو قول الشافعي في الجديد، وقوله القديم أن لها وقتين: أحدهما هذا، والثاني يمتد إلى مغيب الشفق. صححه أئمة من أصحابه كابن خزيمة والخطابي والبيهقي وغيره. وقد ساق النووي في شرح المهذب الأدلة على امتداده للشفق، وهذا الصحيح عند الشافعية. قال: فإذا عرفت الحديث صحيحًا تعين القول به جزمًا؛ لأن الشافعي نص عليه في القديم، وعلق القول به في الإملاء على ثبوته. قد ثبت الحديث بالأحاديث، أنا ثبتت الحديث منها حديث عبد الله بن عمر: «تنتهي بغياب الشفق»، بغياب الشفق الأحمر. قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الفجر فجران: فجر يحرم الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة -أي صلاة الصبح- ويحل فيه الطعام». رواه ابن خزيمة والحاكم، وصححاه. وهذا الحديث قد ذكره الشيخ الألباني في الصحيحة، لكن اختلف في وقفه ورفعه. اختلف فيه على الثوري: فرفعه أبو أحمد الزبيري عن الثوري، ووقفه الآخرون الذين رووه عن الثوري. وكذلك أيضًا أوقفه أصحاب ابن جريج. ظهر أنه موقوف، والصحيح فيه الوقف. لكن الشيخ الألباني رأى ببعض الطرق أنه صحيح. طريقة الشيخ الألباني يجعل الموقوف شاهدًا للمرفوع، وهذه الطريقة تخالف طريقة كثير من العلماء كالدارقطني والبيهقي ومن قبلهم أيضًا؛ يعلون المرفوع بالموقوف، يعلون المرفوع بالموقوف. لكن الشيخ الألباني يجعل الوقف أو الوقف شاهدًا للمرفوع، يجعل الموقوف شاهدًا للمرفوع، وهذا ليس دائمًا لكن غالبًا يفعل هكذا. مثل هذا الحديث أيضًا، لكن الصحيح أن الصحيح فيه الوقف؛ لأن رفعه خطأ، أخطأ فيها أبو أحمد الزبيري، أخطأ فيها أبو أحمد الزبيري. قالوا: للحاكم، حديث جابر نحوه. طيب. قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفجر فجران». فأما الفجر الذي يكون كذنب السرحان، فلا يحل الصلاة ويحل الطعام. ذنب السرحان: معنى الثعب أو الثعلب، يكون كيف؟ ذنب السرحان يكون واسعًا من جهة الجسد، ثم بعد ذلك يصغر، يصغر، يصغر، وهكذا. وهذا أيضًا الفجر الكاذب، تجد أنه يكبر في الوسط، وكلما ذهب إلى الأفق تجد أنه يقل، يقل، يقل، حتى تراه مثل هذا الذنب، ذنب الثعلب؛ لأنه يذهب إلى مكان الأفق ثم ينتشر في الأفق حتى يستطيل، كما جاء في الصحيحين: «حتى يستطيل في الأفق». قال: وأما الذي يذهب مستطيلًا في الأفق، فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام. وقد عرفت معنى قول المصنف: «وزاد في الذي يحرم الطعام أنه يذهب مستطيلًا»، أي ممتدًا في الأفق. وفي رواية للبخاري: أنه صلى الله عليه وسلم مد يده من عن يمينه وعن يساره، أي يمتد. وفي الآخر: هو الذي لا تحل فيه الصلاة ولا يحرم فيه الطعام. أي: وقال في الآخر إنه في صفته كذنب السرحان، وهو الذئب. والمراد أنه لا يذهب مستطيلًا ممتدًا، بل يرتفع في السماء كالعمود. وبينهما ساعة، فإنه يظهر الأول، وبعد ظهوره يظهر الثاني ظهورًا بينًا. فهذا فيه بيان وقت الفجر، وهو أول وقت، وآخرهما يتسع لركعة كما عرفت. ولما كان لكل وقت أول وآخر، بين صلى الله عليه وسلم الأفضل منهما في الحديث الآخر. طيب، الآن هذه مسألة فيها إشكال كثير: مسألة الفجر، هل المراد بالفجر أول ما يظهر الضوء، أو أول ما ينتشر، أو العبرة بالانتشار؟ لأن الفجر معناه الضوء. كما قلنا: أول ما يأتي من كبد السماء يأتي في مكان واحد. معنى العيان الذي يراقب الفجر: تجد ضوءًا عندك موجود فوق السماء، لكن لما تنظر إلى الأفق تجد ظلمة، تجد ظلمة. معنى بعد فترة تجد أن النور بدأ يظهر، يبزغ، كما كأنه شيء يبزغ يظهر في الأفق. فهل العبرة بهذا البزوء، أم أنه لابد أن يمتد؟ ففي بعض الأحاديث تجده: «حتى يبزغ الفجر»، والبزوء هو ظهوره. وأيضًا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم الفجر في مزدلفة أول ما بزغ الفجر»، أو قال: «في أول وقت». فهل المراد أن الفجر له وقت بزوء، وله وقت انتشار؟ أنا عن نفسي ما وجدت هذا الفرق في كلام أهل العلم، لكن هو العبرة بالانتشار، العبرة بالانتشار الضوء. لكن هل إذا صلى الإنسان عند بزوغه هل يعتبر صلى في وقت الفجر أم لم يصلي في وقت الفجر؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حتى يستطيل»، حتى يستطيل، ما لا حتى يمتد، وليس المراد العبرة بالبزوغ. ولهذا الآن تجد حتى التقاويم تختلف، فبعضهم يجعل العبرة هي البزوء، وأنا على حسب الحسابات يرى أن الضوء ينتشر في هذا الوقت أو يظهر في هذا الوقت، فيجعل الفجر في هذا الوقت، ويختلفون بحسب الزوايا التي يقيسون عليها. فالآن المشهور قديمًا أنهم يقيسون على زاوية ثماني عشرة، وزاوية ثماني عشرة غالبًا يبزغ الفجر، أو أنه بداية ظهور. وتجد بعضهم الآن يقول: أفضل سبع عشرة، يعني يقيس بزاوية سبع عشرة، وأنه سيكون بعده بخمس دقائق. وبعضهم الآن ينزل إلى خمس عشرة، أو خمس عشرة ونصف. وهذا معنى الآن في الجوالات تجد مثلًا وقت أمريكا الشمالية، فإذا فتحت هذا، هؤلاء يقيسون على درجة خمس عشرة ونصف، ولهذا تجد بينهم وبين أذان الرابطة ربع ساعة مثلًا، الفجر خاصة في الفجر يتغير، أما باقي الصلوات فما في تغير. الآن بعضهم الآن تجد أنه الفرق مثلًا عندك في الجوال، كنت لو جعلت أمريكا الشمالية سيكون فرق ربع ساعة، يعني إذا كان خمس عشرة بيكون ربع ساعة، وإذا كان خمس عشرة ونصف سيكون اثنتي عشرة دقيقة، سيكون اثنتي عشرة دقيقة، يعني الفرق بين الأذان الذي أذان الرابطة وبين أذان أمريكا الشمالية هذا التوقيت. وهذا كله بحسب اجتهاد هؤلاء وزاويتين. فإن شاء الله تعالى هو العبرة بالرؤية، العبرة بالرؤية. لكن لكثرة هذه الأضواء الآن أصبحت الرؤية شبه مستحيلة. أنا كان قديمًا لما كان الناس أضواؤهم قليلة، وغالبًا تطفأ الكهرباء، تجد أن نخرج في السواحل كذا تشوف الفجر لما يظهر. أما الآن تجد صعوبة قليلًا بسبب هذه الأضواء. الآن إذا ما وجدت ضوء في هذا الجهاز تجده في هذا الجهاز، وهذا يؤثر على الرؤية، يؤثر على الرؤية. فالمهم أن إن شاء الله تعالى فعلى اجتهاد، لأنه كما قلنا: زاوية الثماني عشرة هذه فترة طويلة، والناس يرونه نفس، نفس الضوء ينتشر في هذا الوقت. لكن الآن مع وجود الأضواء هذه قد ما يرى الإنسان إلا بعد أن ينتشر أكثر، بعد أن ينتشر أكثر. والمهم أن مثل هذه الأشياء لا ينبغي مثلًا فيها أن الإنسان يتعصب لرأيه، يقول هذا وكأنه منزل من عند الله، أنه لابد خمس عشرة، والذي يصلي على غير خمس عشرة صلاة باطلة. ليس هذا، إن شاء الله الأمر فيه سعة، فيه سعة. لكن الإنسان لو احتاط ما في شي. نحن الآن نؤذن عندنا هنا على درجة سبع عشرة، أنا بعد الأذان أذان الرابطة بعده خمس دقائق، والتقوى ثلاث دقائق، أنا أشلوها ثلاث دقائق احتياط، تقوى عبد الرحيم. لكن من ناحية الدرجة هو خمس دقائق، لأن الدرجة بين الدرجة ودرجة خمس دقائق. خير الأمور أوسطها، سعادة. فهذا الفجر الذي معنا فيه بحوث كثيرة، منهم من يثبت أن الدرجة الصحيحة ثماني عشرة، ومنهم من يثبت سبع عشرة، ومنهم من يثبت خمس عشرة أنها الدرجة الصحيحة. الله أعلم. هذه أشياء حسابية قد تصيب وقد تخطئ. لكن كما قلنا: العبرة بالرؤية، لكن الآن الرؤية أصبحت متعذرة، ليست مستحيلة لكن متعذرة، كثرة الأضواء، إلا كنا نذهب خارج المدينة، ما ترى شيء أضواء، خلاص ترى أمامك أول ما يبزغ الفجر، أول ما ينتشر ترى أمامك. هو أصلا إذا بزغ سرعة ينتشر، إذا ظهر الضوء في مكان سرعة ينتشر في الأفق. أنا ماشي ذاك المسافة التي بين بزوغه وأيضًا امتداده. أول ما يبزغ في الوسط، أول ما يبزغ، أي لا، هذا الفجر الكاذب بيبدأ في الوسط. صادق، صادق يبدأ في الأفق. أفق معنا مكان طلوع الشمس. أفق. طيب. قال: وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها». رواه الترمذي والحاكم، وصححاه. وأصله في الصحيحين، لأن زيادة «أول وقتها» وهي زيادة صحيحة إن شاء الله، صححها العلماء، وجاءت بسناد صحيح. وإلا الحديث في الصحيحين ليس فيه «أول وقتها»، لكن ظاهره هذا. أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة لوقتها». ظاهره أنه أول وقتها. أنا يحرص على أول الوقت. ولهذا استحب العلماء أن تصلى الصلوات في أول وقتها، أن تعجل في أول وقتها، إلا صلاة العشاء فيستحب تأخيرها عند عدم المشقة، وصلاة الظهر عند اجتداد الحر. صلاة الظهر عند اجتداد الحر. قال: أخرجه البخاري. رواه الترمذي، وصحح أصله في الصحيحين. أخرج البخاري عن ابن مسعود بلفظ: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «صلاة لوقتها». وليس فيه لفظ «أول»، أنا في البخاري ومسلم. فالحديث دل على أفضلية الصلاة في أول وقتها على كل عمل من الأعمال، كما هو ظاهر التعريف للأعمال باللام. وقد يكون المراد به معناه وقت الصلاة، معناه في فعلها، لأن الصلاة ما تقبل إذا صلاها في غير وقتها. قال: قد عرض بحديث أفضل الأعمال إيمان بالله. عن ناحية أفضل الأعمال، ولا يخفى أنه معلوم أن المراد من الأعمال في حديث ابن مسعود ما عدا الإيمان، والإيمان أيضًا يعتبر شاملًا يدخل فيه الصلاة. قال: فإنه إنما سأل عن أفضل أعمال أهل الإيمان، فمراده غير الإيمان. قال ابن دقيق: إذا الأعمال هنا أي في حديث ابن مسعود محمول على البدنية، فلا تتناول أعمال القلوب، فلا تعارض حديث أبي هريرة: «أفضل الأعمال الإيمان بالله عز وجل». ولكنها قد وردت أحاديث أخر في أنواع أعمال البر لأنها أفضل الأعمال، فهي التي تعارض حديث الباب ظاهرا. وقد أجيب بأنه صلى الله عليه وسلم أخبر كل مخاطب بما هو أليق به وهو به أقوم، على كل واحد يعطيه ما يناسبه أو ما هو يحتاج إليه في توجهه إلى الله وهو به أقوم، إليه أرغب، نفعه فيه أكثر. فالشجاع أفضل الأعمال في حقه الجهاد، فإنه أفضل من تخليه للعبادة، والغني أفضل الأعمال في حقه الصدقة، وغير ذلك. أو أن كلمة «أو» أن كلمة «من» مقدرة، والمراد من أفضل الأعمال، أو كلمة «أفضل» لم يرد بها الزيادة بل الفضل المطلق. بل أن كلمة «كلمة الفضل الزائد» مقدرة، أو من أفضل الأعمال، من أفضل الأعمال هنا مقدرة، من «من» مقدرة، والمراد من أفضل الأعمال، معنى «من» مقدرة، أي من أفضل الأعمال، أنا حتى لا يتعارض. أو كلمة «أفضل» لم يرد بها الزيادة بل الفضل المطلق. قال: وعرض تفضيل الصلاة في أول وقتها على ما كان منها في غير، في غير بحديث العشاء، فإنه قال: «لولا أن أشق على أمتي لأخرتها»، يعني إلى النصف أو قريب منه. وبحديث الإسفار أو الإصفار بالفجر، فحديث الإبراد، وبحديث الإبراد بالظهر. والجواب: على أن ذلك تخصيص العموم، أول وقت، ولا معارضة بين عام وخاص. أن الأصل هو أول وقت، لكن في العشاء يباح التأخير، والأفضل هو التأخير ما لم تكن مشقة، وكذلك عند شدة الحر يبرد في الظهر. قال: وأما القول أن ذكر «أول وقتها» تفرد بها علي بن حفص من بين أصحاب شعبة، وأنهم كلهم رووه بلفظ «على وقتها» من دون ذكر «أول»، فقد أجيب عنه من حيث الرواية بأن تفرده لا يضر، فإنه شيخ صدوق من رجال مسلم. ثم قد صحح هذه الرواية الترمذي والحاكم، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه. ومن حيث الدراية: أن رواية لفظ «على وقتها» تفيد معنى لفظ «أول»، لأن كلمة «على» تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت. ورواية «لوقتها» باللام تفيد ذلك، لأن المراد لاستقبال وقتها، ومعلوم ضرورة شرعية أنه لا تصح قبلًا أو قبل دخوله، فتعين أن المراد استقبال أول وقتها، وذلك بالإتيان بها في أول وقتها، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان دأبه دائمًا الإتيان بالصلاة في أول وقتها. معنى يقول: أن قوله «على وقتها» استفاد منه أول وقت، لأن المراد استقبال أو أول وقتها. قال: وكان النبي، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان دأبه دائمًا الإتيان بالصلاة في أول وقتها، ولا يفعل إلا الأفضل، إلا لما ذكرناه كالإسفار ونحوه، كالعشاء. والحديث: «علي أن دبي داود ثلاث لا تؤخر»، ثم ذكر منها الصلاة إذا حضر وقتها. وهذا الحديث لا يصح، رواه الترمذي، لكن فيه الانقطاع. والظاهر أن الحافظ في الصنعاني وهم في عزوه لأبي داود، إنما هو في الترمذي. قال: ثم ذكر منها الصلاة إذا حضر وقتها، والمراد أن ذلك الأفضل، وإلا فإن تأخيرها بعد حضور وقتها جائز. ويدل له أيضًا قوله: عن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول وقت رضوان، رضوان الله، وأوسطه رحمة، وآخره عفو الله». أخرجه الدارقطني بسند ضعيف جدًا، أنا لا يصح هذا الحديث، فيه يعقوب بن الوليد، وقد كذبه أحمد وغيره. قالوا: عن أبي محذورة، واختلفوا في اسمه على أقوال. صحح أنه سمرة بن معين، بكسر الميم وسكون العين. وقال ابن عبد البر: إنه اتفق، إنه اتفق العالمون بطرق أنساب قريش أن اسمه بمحذورة، أوس، وأبو محذورة مؤذن النبي عليه الصلاة والسلام عام الفتح. وأنا لما وجده مع جماعة كانوا يغنون، أما نزل النبي صلى الله عليه وسلم في البطحاء، سمع صوتًا جميلًا بالغناء، فأرسل إليهم، فجاء بهم، قال: من كان الذي صاحب الصوت؟ فقال أبو محذورة: أنا. فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وضرب على صدره، وكذا، فأسلم، وكان مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، مات سنة تسع وخمسين. قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول الوقت» أي للصلاة المفروضة «رضوان الله»، أن يحصل بفاعله فيه رضوان الله تعالى عن فعله. «وأوسطه رحمة الله»، أن يحصل لفاعل الصلاة فيه رحمة. هو معلوم أن رتبة الرضوان أبلغ. «وآخره عفو الله»، ولا عفو إلا عن ذنب. أخرجوا الدارقطني بسند ضعيف، لأن من رواته يعقوب بن الوليد المدني. قال أحمد: كان من الكذابين الكذابين. كذبه ابن معين، وتركه النسائي، ونسبه ابن حبان للوضع، وكذا في حواشي القاضي. قالوا في الشرح: أن في إسناده إبراهيم بن زكريا البجلي، وهو متهم، ولذا قال مصنف «ضعيف جدًا» مؤكدًا لضعفه. وقدمنا عرض «ضعيف جدًا» ولا يقال أنه يشهد له قوله، ثم ذكر حديث الترمذي من حديث ابن عمر نحو دون الوسط، وهو ضعيف أيضًا. قال: لأن فيه عقبة بن الوليد أيضًا، وفيه ما سمعت. وإنما قلنا لا يصح شاهدًا، لأن الشاهد المشهود له فيهما من قال لإما أنه كذاب، فكيف يكون شاهدًا أو مشهودًا له؟ وفي الباب عن جابر، وابن عباس، وأنس، وكلها ضعيفة. وفيه عن علي رضي الله عنه من رواية موسى بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي. موسى أيضًا الكاظم. قال: بيغي سنده فيما أظن أصحه ما روي في هذا الباب، مع أنه معلول، فإن المحفوظ روايته عن جعفر بن محمد عن أبيه موقوفًا. قال الحاكم: لا أعرف فيه حديثًا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من الصحابة، إنما الرواية فيه عن جعفر بن محمد عن أبيه موقوفًا. فأنا لا يصح إلا موقوفًا على محمد بن علي بن الحسين الذي يقال له الباقر. قلت: إذا صح هذا الموقوف فلأه حكم رفع، لأنه يقال في فضائل الأعمال، وفيه احتمال، أنا موقوف وهو أصلًا معناه يعتبر مقطوعًا لأن محمد بن علي بن الحسين تابعي. قالوا: لكن هذه الأحاديث لم تصح، فالمحافظة منه صلى الله عليه وسلم على الصلاة أول وقت دالة على أفضليتها، وغير ذلك من الشواهد التي قدمناها. طيب، إن شاء الله نكتب تابعي... [نص غير عربي/مشوش في نهاية المصدر تم تجاهله وفق التعليمات]