الدرس في شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ أهمية طلب العلم وعدم الاكتفاء منه، مستشهدا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال العلماء. ويبين أن العلم واسع ولا يمكن لأحد أن يحيط به كله.
يؤكد الشيخ على أهمية القواعد الأصولية في فهم الدين وضرورة الاطلاع عليها لتحصيل العلم. ويشرح أن الدين جاء لتحقيق مصالح البشر ودرء المفاسد عنهم.
المصالح الضرورية تشمل حفظ الدين، المال، النسل، العقل، والنفس، وجاءت الشريعة بحفظ هذه الكليات من خلال تشريع مختلف الأحكام. يُطبق هذا من خلال تحريم القتل والسرقة وشرب الخمر وتحريم الضرر وإزالته.
إذا تساوى الضرر والمنفعة في أمر ما، يُحكم عليه بالمنع لدرء المفسدة. هذا المبدأ يستند إلى قاعدة سد الذرائع في الفقه الإسلامي لتجنب الضرر المحتمل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلى الله عليه وسلم. ورسول الله. بعد أن أخذنا بعض المقدمة وأخذنا بيتين من هذه المنظومة، الحمد لله المعيد المد، ومعطي النوال، كل من يستجد نثبت الأحكام بالأفول، معين من يصوي للأفول. وهنا قوله: مثبت الأحكام، هذا من براعة الاستهلال. سموناه في البلاغة براعة الاستهلال، وهو تقديم المقدمة أو تضمين المقدمة موضوع الكتاب. فالكتاب أصلا في الأحكام. قال: ثم الصلاة مع سلام قد أتم على الذي أعطي جوامع الكلم. أنا صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، باب التبرك بالصلاة. وقد جاءت الأحاديث أنها في أكثر من شيء، ومن ذلك في الدعاء، وفي الكتابة أيضا. وقد درج العلماء على ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب، وفي الكتابة أيضا. ولأنها مقارنة للحمد، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب أيضا أو يقول أيضا: «ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكرون الله ولا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كانت عليهم ترة». قال: محمد المبعوث رحمة للوراء، وخير هاد لجميع من دراء. رحمة للوراء، الوراء هم الناس، ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. وخير هاد لجميع من دراء، فالله عز وجل بعثه هاديا، ﴿وإنك لتهدي إلى صراط المستقيم﴾. قال: وبعد، فالعلم بحور زاخرة، لن يبلغ الكادح فيه آخره. العلم واسع، بحور. وكما قال الله عز وجل: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾. مع سعة هذا العلم، فإن الإنسان مهما بلغ مبلغا في العلم، فهو ما أتي إلا قليلا. فالعلم واسع، وبحر لن يبلغ الكادح -الكادح أي العامل أو المجتهد- فيه آخره. وكما قال بعض الشعراء: ما حوى العلم جميع أحد، لا ولو ما رسه ألف سنة. معنى لو أعطي من عمره ألف سنة وهو في العلم، لما حوى جميع العلم. ولهذا، فإن هؤلاء مع سعة علمهم وسعة اطلاعهم، إلا أنه يفوتهم الشيء بعد الشيء، يفوتهم أشياء من دين الله عز وجل. فليس هناك أحد جمع العلم كله. قال: لكن في أصوله تسهيلا لنيله، فحرص تجد سبيلا. لكن في أصوله تسهيلا -تسهيلا لمعرفة الأحكام- لنيله، فحرصت جد سبيلا لنيل الفقه. فإذا حرصت على التفقه في دين الله عز وجل، وفقك الله ويسر لك هذا العلم. ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكر؟ فالقرآن، وأيضا كذلك غيره من الأحكام التي تأخذ من كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا تجد من يطلب العلم ويجتهد فيه ويجتهد، يبلغ مبلغا عظيما في العلم. وكلما اجتهد الإنسان في العلم، كلما تحصل على أكثر علما. ولا يشبع العلم، ولا يشبع طالب العلم من العلم. ولا أيضا كذلك يصل إلى مرحلة لا يحتاج إلى علم. ليس هذا موجود. ولهذا قيل لابن المبارك: إلى متى وأنت تطلب العلم؟ قال: لعل الحديث الذي يدخلني الجنة ويباعدني عن النار لم أسمعه بعد. وقيل للإمام محمد رحمه الله: إلى متى وأنت تطلب العلم؟ قال: من المحبرة إلى المقبرة. ما سأفك هذه المحبرة حتى أموت. المراد أنه لا يشبع عن الإنسان من طلب العلم، ما يقطعه عن العلم إلا الموت. فلهذا، طالب العلم مهما بلغ، ولو كان عالما، فهو يحتاج إلى العلم. الآن تجد مثلا إنسان عالم ومطلع، لكن يفوته شيء من العلم. هذا الشيخ الباني مثلا، في حياتنا، بلغ مبلغا عظيما في العلم والاطلاع، حتى قال الشيخ ربيع -شيخنا ربيع حفظه الله-: ما رأيت أحدا اطلع اطلاعه في هذا العصر، بل ولا في أزمان. قال: بل ولا ابن حجر، ولا ابن تيمية. أنا في اطلاعي في علم الحديث. فلكن يفوته أشياء، تفوته أشياء. وحيانا بعض الأشياء لا يطلع عليها، مع أنه في ذلك الوقت الكتب ليست متوفرة مثل الآن. الآن الحمد لله، الكتب ما من كتاب إلا وتجده متوفرة. وبذلت المملكة -بلاد الحرمين- بذلت جهدا عظيما في إخراج الكتب. قال: فاقتنم القواعد للأصول، فمن تفوته يحرم الوصول. وقد قالوا قديما: من ترك الأصول فاته الوصول. فالذي يترك الأصول -سواء كان أصول الفقه أو أصول الحديث أو أصول أي علم- والمراد هنا بالأصول أي أساس العلم. معنى يدخل فيه العلوم كلها. لكن هنا أيضا أراد القواعد. فاغتنم القواعد الأصول، فمن تفوته يحرم الوصول. قالوا: يفوته وصول العلم، يحرم الوصول إلى ذلك العلم. يفوته أشياء من العلم. وتفوته بالأصل العلم، الذي مثلا لا يأخذ أساس العلم، تجده مثلا يدرس أشياء كبيرة، مثلا في النحو، مثل ما يفعلون في المدارس في النحو، يدرس بن عقيل، وهو ما درس ألفية ابن مالك، أو الأجرمية. ما درسها. يدرس بن عقيل، فتجد أنه ما ينجح في النحو. وإن حفظ، أن بعضهم عندهم حافظة قوية، لكن الفهم تجده ما يفهم. قال: وهكذا من هذه الأصول جملة أرجو بها عالي الجنان النزلاء. أنا هذه جمل من قواعد الأصول، وقواعد الفقه، يقول المؤلف: أرجو بها عالي الجنان النزلاء. معنى فعلى هذا أرجو به العجر من الله. قواعد من قول أهل العلم، وليس لي فيها سوى ذا النظمي. معنى أنه هذه قواعد من قواعد العلم، المؤلف رحمه الله ليس له إلا النظم، ليس له إلا النظم. معنى يقول: أخذتها من كلام أهل العلم، ومن قواعد العلم، سواء كانت القواعد الأصول أو قواعد الفقه. قال: القواعد والوصول. قال: الدين جاء لسعادة البشر، والانتفاء الشر عنهم والضرر. فكل أمر نافع قد شرعه، وكل ما يضرنا قد منعه. الآن هذا الكلام الذي ذكره المؤلف رحمه الله ينبني عليه قواعد. وكان الشيخ يريد أن الدين مبني على المصالح وترك المفاسد. وهذه قواعد أصولية وفقهية. ومن القواعد الفقهية التي تدل على هذا قولهم: الضرر يزال. الضرر يزال، فهذه قاعدة من القواعد الكلية. وهذه قواعد عظيمة في مصالح البشر، أن الدين هذا مصالح، أو مبني على المصالح وتكثيرها، وانتفاء المفاسد وتقليلها. فالمصالح هنا، أو سعادة البشر كما قال المؤلف، معنى تبنى مراد بسعادة البشر، أي المصلحة التي يجدونها، أو المصالح التي يجدونها التي تسعدهم في هذه الحياة. فالمصالح التي تسعدهم في هذه الحياة، أو تسمى المنافع. لأن المصلحة هي المنفعة التي قصدها الشرع لعباده، من حفظ دينهم وعقولهم وأموالهم وأنفسهم ونسلهم. أن لحفظ الثوابت الخمسة: حفظ الدين، حفظ الدماء، حفظ النسل، حفظ الأموال، وحفظ العقول. أو يسمونها الكليات الخمس. يسمونها الكليات الخمس. وقد جاء في نصوص كثيرة ذكر هذه الكليات، إما ذكرها كلها أو بعضها، أو بعض ما يدل عليها. مثل قول الله عز وجل: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان ويتأذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾. فهذه الآية جمعت أيضا أشياء كثيرة من هذه المصالح. يأمر بالعدل، أي في الدماء وفي الأموال وغيرها، أو في العباد أيضا كذلك، وغيرها. والإحسان، ويتأذى القربى، وينهى عن الفحشاء، ويحفظ النسل. والمنكر، أي من القتل والسرقة وغيرها. والبغي، وهو الاعتداء أيضا، يعتبر من القتل وغيرها من هذه المعاصي. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أشراط الساعة يرفع العلم»، قال: «ويكثر الجهل وتشرب الخمر». أكثر الجهل، هذا عدم حفظ الدين. وكثرة شرب الخمر، ذهاب العقول. وكثرة الزنا، ذهاب النسل. وهكذا القتل، كثرة القتل أيضا ذهاب الدماء. فتذهب هذه المصالح، أو الكليات الخمس. فلهذا فالدين مبني على المصالح، كما قال الشيخ السعدي رحمه الله في قصيدته، أو منظومته في القواعد: الدين مبني على المصالح في جلبها، والدرء للقبائح. فهذه من القواعد العظيمة التي تحفظ المصالح. والمصالح على ثلاثة أقسام: مصالح ضرورية، ومصالح حاجية، ومصالح تحسينية. تسمى مصالح ضرورية، ومصالح حاجية، ومصالح تحسينية. فالمصالح الضرورية التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وهي تشمل الكليات الخمس: حفظ الدين، حفظ المال، حفظ النسل، حفظ العقل، حفظ النفس أو الدم. فحفظ هذه الأشياء جاءت بأشياء كثيرة. وأيضا ما من كلية من هذه الكليات إلا وتجد حفظها في شرع الله جل وعلا. مثلا حفظ الدين، شرع الدعوة، شرع العلم والتفقه في دين الله، شرع أيضا الجهاد في سبيل الله، وغيرها من هذه الأمور التي تكون فيه إقامة الدين. العقل مثلا، حرم كل مسكر وما يوصل إليه، والعقوبات أيضا التي أنزلها الشارع على المسكر وعلى غيره. فهذا كله من حفظ العقل. وأيضا كذلك، رقبت في التفكر والتدبر، فهذا أيضا من حفظ العقل. وأيضا كذلك حفظ المال، وتحريم السرقة والإسراف والتبذير. وأيضا شرع الله عز وجل العمل والكسب وغير ذلك. وجاءت أيضا الشريعة بحفظ النفس، وبذلك حرمت القتل، وأوجبت القصاص أو الدية بقتل نفس عمدا، وغير ذلك من هذه الأمور التي فيها محافظة على هذه الأمور. ومن ذلك مثلا تحريم النفس المعصومة، سواء كان مسلم أو ذمي أو معاهد ومستأمن. وأيضا كما قلنا أن هذا داخل في قاعدة فقهية كبيرة، وهي: الضرر يزال. الضرر يزال. ودليل هذه القاعدة حديث: «لا ضرر ولا ضرار». وحديث: «من ضرر ضرر الله به، ومن شاق شاق الله به». فهي من القواعد الخمس الكلية. لا ضرر ولا ضرار، أو الضرر يزال. لهذا قال هنا: ولا انتفاء الشر عنهم والضرر، أو الضرر. فالضرر يزال، كما قال الله عز وجل: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾. وقال: ﴿لا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا﴾. ولا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده. كل هذه الآيات فيها تحريم الضرر. والضرر لا شك أنه خلاف النفع. وأما في الاصطلاح، فهو إلحاق مشقة بالغير، وسواء كان هذا الضرر أصلا أو تبعا لغيره. قال: فكل أمر نافع قد شرع، وكل ما يضرنا قد منع. وهذا في المصالح الضرورية، يعني كل ما يضرنا قد منع. طيب إن شاء الله نكتفي بهذا، ثم سيدخل في هذه القواعد في بعض فروعها. مع تساوي ضرر ومنفعة، يكون ممنوعة لدرء المفسدة.