الدرس في منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أركان الشكر الثلاثة في الإسلام وفق منظومة ابن السعدي، مبيناً شكر القلب بالاعتراف بالنعمة وإسنادها لله، وشكر اللسان بالثناء والتحدث بالنعم، وشكر الجوارح بصرف النعم في الطاعة وكفها عن المعاصي، مستدلاً بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف.
يوضح المقطع أن الشكر الحقيقي ليس بالشعارات بل بكف الجوارح عن المعاصي والاستعانة بالنعم على الطاعة، مبيناً أن إعطاء الدنيا أو منعها ليس دليل محبة أو بغض، وأن أعظم النعم التوفيق للطاعة، مستدلاً بحديث سهيب الرومي في أن أمر المؤمن كله خير.
يبين المقطع أن الشكر درجة أعلى من الصبر والرضا جامعاً بين طمأنينة القلب وعمل الجوارح، مستعرضاً أدلة القرآن على وجوب الشكر والنهي عن كفران النعمة، والثناء على الشاكرين، ووصف الأنبياء به، وجعله غاية خلق الإنسان، ووعد الله الشاكرين بالزيادة والأجر العظيم.
يختتم المتحدث حديثه بالدعاء أن يجعلهم الله من الذاكرين الشاكرين، وأن يعينهم على ذكره وشكره وحسن عبادته، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته "السير إلى الله والدار الآخرة": قال: «شكر الذي أولى الخلائق فضله بالقلب والأقوال والأركان». قال: الشكر يكون بالقلب، وهو الاعتراف بنعم الله والإقرار بها، وعدم رؤية نفسه لها أهلاً، بل هي محض فضل ربه. ويكون باللسان، وهو الثناء على الله بها والتحدث بها. ويكون بالجوارح، وهو كفها عن معاصي الله والاستعانة بنعمه على طاعته. فإن أعطاه شيئاً من الدنيا شكره عليه، وإن زوى عنه شيئاً منها شكره أيضاً، إذ ربما كانت نعمته عليه صارفة منه شراً أعظم منها. وإن وفقه لطاعة من الطاعات رأى المنة لله في توفيقه لها وشكره عليها، والله المستعان. ذكر العلامة ابن سعدي رحمه الله تعالى في شرح لهذا البيت أركان الشكر التي لا يتم الشكر إلا بها، فأركان الشكر ثلاثة: شكر بالقلب، وشكر باللسان، وشكر بالجوارح. فالشكر بالجوارح... فالشكر بالقلب كما ذكر رحمه الله تعالى يكون بالاعتراف بنعم الله والإقرار بها، أن تعتقد وتعترف أن هذه النعم هي من الله وحده، لا بذكائك ولا بحرصك ولا بقوتك وعلمك، وإنما هي كما ذكر محض فضل من الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. بهذا يكون الشكر بالقلب: الاعتراف بنعمة الله والإقرار بها، وعدم رؤية نفسه لها أهلاً، يعني أنه ليس هو الذي جلب لنفسه هذه النعمة، إنما الذي أعطاه هذه النعمة هو الله سبحانه وتعالى. ورحم الله شيخنا الوادعي رحمه الله، كان دائماً يكرر ويردد: أن ما من الله عز وجل به على أهل السنة من انتشار دعوتهم ومن قبولها إنما هو من الله سبحانه وتعالى، لا بذكائنا ولا بفصاحتنا ولا بكثرة علمنا، وإنما هو أمر أراده الله سبحانه وتعالى. هذا كمثال من عالم جليل من أمثلة شكر الله سبحانه وتعالى بالقلب، والاعتراف بالنعمة والإقرار بها، وأنها من الله سبحانه وتعالى. وهكذا يكون الشكر باللسان، وهو الركن الثاني من أركان الشكر. وما معنى الشكر باللسان؟ قال: وهو الثناء على الله بها والتحدث بها، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. تقول بلسانك: هذه نعمة من الله، هذا فضل من الله، ليس بحولي ولا بقوتي ولا بذكائي ولا بعلمي ولا بحرصي، إنما هو فضل من الله، الحمد لله على ما أنعم به ومنّ. وهكذا تثني على الله سبحانه وتعالى بما هو أهله، فهذا هو الشكر باللسان. ويكون الشكر كذلك بالجوارح، أي بالأعضاء، وهو كفها عن معاصي الله. البصر نعمة، واليدان نعمة، والرجلان نعمة، والسمع نعمة، واللسان نعمة. وإن جلسنا نعدد نعم الله علينا لا نستطيع عدها ولا حصرها، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. فكيف تشكر الله عز وجل على هذه النعم؟ بأن تسخرها في طاعة الله وتجنبها معصية الله. كلما زادك الله نعمة كلما زدت عبادة، كلما زدت كذلك طاعة لله سبحانه وتعالى. هذا هو الشكر بالجوارح. وهكذا تكفها عن المعاصي: أعطاك الله عز وجل نعمة البصر فلا تطلقها فيما يغضب الله، أعطاك الله عز وجل نعمة السمع فلا تسمع إلى ما يغضب الله، وهكذا قس غيرها من الأعضاء والجوارح. ولذلك جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، تتشقق وتشفق عليه زوجه عائشة رضي الله تعالى عنها وتقول: يا رسول الله، لِمَ تعمل أو تصنع ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فماذا كان جوابه عليه الصلاة والسلام؟ «أَفَلَا أَكُونَ عَبْداً شَكُوراً». هذا أيضاً مثال لشكر نعمة الله عز وجل بالجوارح، كلما زادك نعمة كلما زدت عبادة وقربة إلى الله سبحانه وتعالى: «أَفَلَا أَكُونَ عَبْداً شَكُوراً». بهذا يكون الشكر بالجوارح. كثير من الناس الآن يظن أنه إذا كتب عبارة على بيته أو على سيارته فقد أدى حقيقة الشكر، وهذا مفهوم خاطئ. تجده معه سيارة ومكتوب عليها: ﴿وَلَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، أو مكتوب عليها: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾، فإذا به يشغل الأغاني في هذه السيارة. ما شكر نعمة الله عز وجل عليه في هذه النعمة، وما تغني عنه تلك العبارات التي كتبها في مؤخرة سيارته أبداً، لأن من شكره لنعمة الله عز وجل في هذه النعمة أن لا يعصي الله عز وجل بها ولا فيها. هذا هو معنى الشكر بالجوارح. أو الاستعانة بهذه النعمة على الطاعة: أعطاك الله مالاً، عندك ما شاء الله من المال من الأرصدة، فلا تسخر هذا المال فيما يغضب الله، لا تشتري به المعاصي، ولا تشتري به ما يفسد قلبك ويفسد بيتك ويفسد ذريتك، وإنما تستعين بهذا المال على طاعة الله، تنفقه في النفقات الواجبة والمستحبة. وهكذا لا تضيعه فيما لا ينفع بل يضر، كشراء المخدرات والمسكرات، من القات أو التنباك أو السجائر أو إلى غير ذلك. فمن فعل ذلك بما له فهو في الحقيقة لم يشكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه. فالشكر بالجوارح إما بكفها عن المعاصي، وإما بالاستعانة بها على الطاعة. ولذلك قال: «فإن أعطاه شيئاً من الدنيا شكره عليه»، شكره على هذا: أعطاه مالاً، أعطاه بيتاً، أعطاه زوجة، أعطاه ولداً، أعطاه يعني غير ذلك من النعم، شكر الله عز وجل بقلبه ولسانه وجوارحه. «وإن زوى»، ومعنى زوى: يعني أبعد عنه شيئاً منها، يعني من هذه النعمة أو من هذه النعم، شكره أيضاً. لا تظن أن فقدك لبعض النعم يدل على بغض الله عز وجل لك، بل قد يكون ذلك فيه خير ومصلحة لك، كما قال الله عز وجل: ﴿وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾. ليس إعطاء النعم لعبد ما دليل على إكرام الله عز وجل له، أن الله يحبه. وهكذا أخذ وفقد بعض النعم لبعض العباد ليس دليل على إهانة الله عز وجل لهذا العبد، فالدنيا يعطيها ربنا عز وجل من يحب ومن لا يحب. لذلك قال هنا المؤلف: «إذ ربما كانت نعمته عليه صارفة منه شراً أعظم منها». بعض الناس ربما لم يفتن بفتنة المال في عبادة وفي طاعة وفي طلب علم وفي حرص على الخير، فإذا أعطي شيئاً من هذه الدنيا انشغل بها وترك ما كان عليه من خير ومن حرص ومنافسة، فهذا ربما يكون منعه لهذا المال خير له، إذ سيصرفه عن أمر آخر. هذا معنى قول المؤلف: «إذ ربما كانت نعمته عليه صارفة منه شراً أعظم منها». «وإن وفقه لطاعة من الطاعات رأى المنة لله»، هذا أيضاً من شكر نعمة الله عز وجل. لا تظن أن نعم الله عز وجل عليك إنما هي النعم الدنيوية فقط، هذه النعم تزول وتذهب ويذهب أثرها، لكن أعظم النعم هي النعم الدينية: من نعمة الإسلام والسنة والطاعة والتوفيق للسنة والعمل بها، هذه نعم عظيمة، أعظم وأعظم بكثير من نعم الدنيا. لذلك قال هنا: «وإن وفقه لطاعة من الطاعات رأى المنة لله في توفيقه لها وشكره عليها». لا تظن أن كثرة عبادتك من قراءة للقرآن، ومن كذلك كثرة للنوافل، نوافل الصلاة أو الصيام، أو الحرص على حضور مجالس العلم، والحرص على الصف الأول، أو إلى غير ذلك، لا تظن أن هذا هو بقوتك أو بحرصك أو بعلمك وذكائك، إنما هو توفيق من الله عز وجل، فترى المنة في ذلك لله سبحانه وتعالى فتشكره عليها. وقد ذكر ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه "مدارج السالكين" هذه المنزلة من منازل «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»، وذكر أن الشكر من أعلى المنازل. وقد تقدم معنا في الكلام على الصبر أنه قال رحمه الله: أن الإيمان نصفان، نصف شكر ونصف صبر، ويدل على ذلك حديث سهيب الرومي في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «عَجَباً لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ». انظر: عجباً لأمر المؤمن، فإذا هذه صفة المؤمن ما هي؟ «إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ»، هذه منزلة الشكر، «وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ». فالمؤمن دائر في هذه الحياة بين صبر وشكر، فهو معرض للابتلاء وهو كذلك مطالع النعم. فإذا ابتُلي بشيء من تلك المصائب صبر، وإن أعطي من النعم الدينية أو الدنيوية شكر. فدل ذلك على أن الإيمان نصفان كما ذكر رحمه الله تعالى. وقال في "مدارج السالكين": ومنزلة الشكر من أعلى المنازل، وهي فوق منزلة الرضا وزيادة، فالرضا مندرج في الشكر إذ يستحيل وجود الشكر بدونه. وقد تقدم معنا أن الرضا هو حبس النفس عما يكره الشخص إذا كان في ذلك رضا الرحمن، وقد يكون في ذلك شيء من المنازعة ومن كذلك الهم والغم في القلب، والرضا هو أن تزول هذه المنازعة وتضمحل كما ذكر رحمه الله. والشكر أن تضمحل هذه المنازعة وصاحبها يتبع ذلك الانشراح في الصدر والطمأنينة في النفس بعبادة الله عز وجل وبالإكثار من شكر الله سبحانه وتعالى، فيكون قد جمع في ذلك بين طمأنينة القلب وكذلك طمأنينة الجوارح من اللسان وغيرها، فيلهج لسانه بشكر الله وحمده، وهكذا تعمل جوارحه بطاعة الله سبحانه وتعالى. ولذلك كان الشكر أعلى المراتب، أعلى المراتب. المراتب التي يؤجر عليها صاحبها ثلاث عند نزول المصائب والمحن: الصبر، والرضا، والشكر. وعرفنا معنى هذه الثلاثة، وأعلاها الشكر، وأعلاها الشكر للمعنى المتقدم. لذلك قال: «إذ يستحيل وجود الشكر بدونه»، يعني وجود الرضا بدون شكر هذا يستحيل. فمن رضي لا يلزم منه أن يشكر، لكن من شكر هذا دليل الرضا، لأن الرضا يكون بانشراح الصدر، وهذا من أركان الشكر كما تقدم أن من أركان الشكر الشكر بالقلب وهو الإقرار والاعتراف وأن هذا من الله سبحانه وتعالى وحده. ثم قال رحمه الله ابن القيم في "مدارج السالكين": قال: «وقد أمر الله به»، يعني أمر بالشكر، «وقد أمر الله به ونهى عن ضده وأثنى على أهله ووصف به خواص خلقه وجعله غاية خلقه وأمره ووعد أهله بأحسن جزائه»، كل ذلك مما جاء في الشكر وله أدلته من القرآن والسنة. أما قوله: «وقد أمر الله به»، فهذا في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، ﴿وَاشْكُرُوا﴾ فعل أمر. وهكذا قال الله عز وجل: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. وأما قوله: «ونهى عن ضده»، فهو في قوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ يعني: لا تكفروا نعم الله عز وجل عليكم. وأما قوله: «وأثنى على أهله»، فهو في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، فأثنى الله عز وجل على الشاكرين بأنهم ممن يفهم الآيات والعبر. وقال الله عز وجل كذلك في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾، ﴿وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾، وهذا فيه كذلك ثناء على أهل الشكر، على أهل الشكر. وأما قوله: «ووصف به خواص خلقه»، وهم الأنبياء، وصف الله عز وجل الأنبياء بأنهم من الشاكرين، فقال عن نبيه نوح عليه السلام: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾. وقال سبحانه وتعالى عن عبده ورسوله إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ﴾، ﴿شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وقال عن نبيه سليمان عليه السلام: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. وأما قوله: «وجعله غاية خلقه وأمره»، دليله قول الله عز وجل في أول سورة الإنسان: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾. فإذن الغاية من خلق هذا الإنسان هو أن يشكر الله عز وجل، وفيه معنى العبادة، وفيه معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، فهو في معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾. وأما قوله: «ووعد أهله بأحسن جزائه»، فيدل عليه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾، ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. فوعد الله عز وجل بالزيادة لمن شكر الله سبحانه وتعالى، فلا شك أن هذا من الوعد الحسن الذي وعد الله سبحانه وتعالى به أهل الشكر. نكتفي بهذا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذاكرين الشاكرين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.