الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 135، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي أن الآية تستثني من النجوى الباطلة ثلاثة أعمال صالحة: الأمر بالصدقة، الأمر بالمعروف، والإصلاح بين الناس. ويبين أن المعروف يشمل كل طاعة وحسن في الشرع والعقل، وأن الأمر بالمعروف يدخل فيه النهي عن المنكر، مؤكداً أهمية الإصلاح لدرء الفرقة والشر خاصة في الدين.
يؤكد المقطع على عظيم أجر الإصلاح بين المسلمين مستدلاً بالقرآن والسنة، محذراً من أن إفساد ذات البين حالقة للدين. وينتقد سلوك من يحكمون العلماء ثم يعادونهم عند الحكم عليهم بالحق، مبيناً أن ذلك من صفات أهل الباطل الذين يتبعون أهواءهم ويرفضون النصيحة.
يؤكد المقطع أن الإصلاح الحقيقي يتطلب تواضعاً وتنازلاً عن الحقوق أو الكلمات، مستشهداً بمواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع المهاجرين والأنصار، وتنازل الحسن بن علي لمعاوية حقناً للدماء. كما يبين أن المصلح المخلص نيته لله يُصلح الله سعيه، بينما المفسد بالنميمة لا يُصلح الله عمله، وأن كمال الأجر يتوقف على إخلاص النية وخلوها من أغراض الدنيا.
من دخل بقصد الإصلاح بين طرفين لله عز وجل يحصل على الأجر العظيم سواء تم الإصلاح أم لا، لأن النية الصادقة مقرونة بالعمل الممكن. وقد ذكر المؤلف رحمه الله ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114]. قال: يقول أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون. وإذا لم يكن فيه خير فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة كالكلم المحرم بجميع أنواعه؛ لأنه لا خير فيه. ومعنى لا خير فيه: إما أن يكون مباحاً لا فائدة فيه، لا فيه دنيا ولا فيه آخرة. هناك كلام في أشياء مثلاً من العمل أو أشياء من أمور الدنيا غالباً، فقد يكون أمراً مباحاً لكنه لا فائدة فيه، أو يكون هذا الكلام محرماً بجميع أنواعه. قال: ثم استثنى تعالى فقال: ﴿ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾ من مال أو علم أو أي نفع كان. بل لعله يدخل فيه العبادات القاصرة؛ كالتسبيح والتحميد؛ لأنها صدقة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها صدقة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة». وفي بضع أحدكم أي: عندما يأتي الرجل زوجته. قال: ويأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر. قال: نعم. فكيف إذا وضعها في الحرام؟ قال: ﴿ أَوْ مَعْرُوفٍ ﴾ وهو الإحسان والطاعة، وكل ما عرف في الشرع والعقل حسنه. وهذا مذهب أهل السنة: أن المعروف هو الطاعة، وكل ما عرف في الشرع والعقل أنه حسن فهو معروف. فالأمر بالمعروف معناه: يأمر بشيء حسن، قد يكون حسنه الشرع، أو قد يكون ما بين الناس وهو أيضاً داخل في شرع الله. أنه مثلاً: صلة الأرحام، حث الشرع على صلة الأرحام، لكن كيف طريقة صلة الأرحام؟ تكون بعدة أساليب وبعدة طرق: قد يكون بالمال، قد يكون أيضاً كذلك بالزيارة، قد يكون أيضاً بأن يعاونه في بعض الأمور. فمجالات المعروف كثيرة، أو مجالات الصلة كثيرة. فلذلك فهذه كلها تكون من المعروف؛ لأنها أمور حسنة. كذلك المنكر: قد يكون أموراً لم ينص عليها الشرع أنها منكر، لكن تعرف بأنها وسيلة إلى حرام. فقطع الأرحام يعتبر من كبائر الذنوب، لكن ما هو القطع؟ له وسائل كثيرة وله أيضاً طرق: فقد يكون القطع بعدم إعطائه المال، لا يعطي أخاه مالاً وهو يحتاج، أو كذلك القطع قد يكون أيضاً بالكلام الفاحش أو الكلام البذيء، الكلام الذي يكون فيه سب وشتم. والعقوق أيضاً: عقوق الوالدين ليس له شيء معين، فقد يكون العقوق ببعض الكلمات، قد يكون ببعض الأفعال، وقد يكون بقطع الوالدين، أو بعدم زيارتهم، أو باحتقارهم، أو بغير ذلك. فكل ذلك يعتبر منكراً. فالمعروف: الإحسان والطاعة، وكل ما عرف في الشرع والعقل حسنه. قال: وإذا أطلق الأمر بالمعروف من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر دخل فيه النهي عن المنكر. عندما تقول: الأمر بالمعروف، فيدخل فيه النهي عن المنكر؛ لأن النهي عن المنكر أمر بالمعروف، وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف، وأيضاً لا يتم فعل الخير إلا بترك الشر. وأما عند الاقتران فيفسر المعروف بفعل المأمور، والمنكر بترك المنهي. ولهذا أحياناً في بعض الآيات يذكر المعروف فقط بدون ذكر النهي عن المنكر، مثل هذه الآية: ﴿ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ ﴾، أمر بمعروف ولم يذكر: أو نهي عن المنكر؛ لأنه يدخل فيه ضمناً. فقد يذكر كما قلنا: الأمر المعروف ولا يذكر النهي عن المنكر، وقد يذكر أيضاً النهي عن المنكر ولا يذكر المعروف إذا كان السياق خاصاً بالنهي، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». قال: ﴿ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾. والإصلاح لا يكون إلا بين متنازعين متخاصمين، والنزاع والخصام والتغاضب يوجب من الشر والفرقة ما لا يمكن حصره. على أن الشر والفرقة لها أساليب ولها أيضاً مجالات لا يمكن حصرها. فلذلك حث الشارع على الإصلاح بين الناس في الدماء والأموال والأعراض، بل وفي الأديان، كما قال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]. وهو أعظم: إذا كان في الدين، التفرق في الدين مصيبة عظيمة، والواجب على المسلمين أن يعتصموا بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن اعتصم بسنة رسول الله لا يتفرق، وإنما التفرق يدل على ترك السنة، يدل على ترك السنة. معنى ذلك: ما يحصل التفرق إلا إذا تركت السنة. خالف القوم السنة فيحصل التفرق. وقال تعالى: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الحجرات: 9]. وقال تعالى: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: 128]. والساعي في الإصلاح بين الناس أفضل من القانت بالصلاة والصيام والصدقة، ما جاء في حديث أبي الدرداء، وجاء من حديث أبي هريرة: «ألا أدلكم على ما هو خير لكم من الصلاة والصيام والصدقة، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» فقالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البين، فإن إفساد ذات البين هي الحالقة». جاء في بعض الروايات وفيها ضعف: «لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين». ومعناها صحيح؛ لأن الحالقة التي تقطع وتفرق، هي تقطع دين الناس، فيصير هذه القطيعة بين المسلمين وهذا لا يجوز. فالصلح خير؛ لأنه يترك هذا النزاع ويفك هذا النزاع الذي حصل بين أهل الإسلام. فلذلك قال: والمصلح لا بد أن يصلح الله سعيه وعمله. هذا عمل عظيم أن الإنسان يصلح بين الناس، ولا شك أنه سيلقى أذى كثيراً؛ لأن الإصلاح بين الناس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ﴾ [لقمان: 17]. فالإصلاح بين الناس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا بد أن يؤذى. ويبغضه بعض الناس الذين لم يجعل الحق لهم. أنه قد يكون هو الباغي، قد يكون هو الظالم، ثم يريد الناس أن يجعل الحق له. فكلما حكم أحداً صار ضده بعد ذلك، لماذا؟ لأنه لم يجعل الحق له، يجعل الحق عليه فيجعله خصماً. كل من دخلوا جعلوه خصماً. وهذا من عجيب أهل الباطل، من عجيب أهل الباطل أنهم يحكمون بينهم حكماً ثم يجعلون الحكم خصماً، لماذا؟ لأنه لم يعترف بالحق لهم، وإنما جعل الحق عليهم، وأنهم أهل الباطل، فيجعلونه خصماً. كلما أدخلوا أحداً جعلوه خصماً. وحتى في الدين: وأقرب مثال ما فعله أبو الحسن المأربي، وما فعله أيضاً الحجوري. أبو الحسن المأربي أدخل المشايخ، أول من أدخل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم صار ضده، لماذا؟ لأنه جعل الحق عليه وأنه على باطل، فقام ضده وجعله خصماً. وهكذا ذهب إلى المدينة إلى مشايخ أهل المدينة، جعلهم حكاماً، فغلطوه بسب الصحابة وعيبهم، فقام عليهم وأنكر، وقال: هؤلاء ما يعرفون السب ولا يعرفون العيب، ولا يفعلون كذا ولا يفعلون كذا. ثم صار يذمهم. ودخل أيضاً الشيخ ربيع حتى رحمه الله عليه، وكلمه وناصحه، فجعله خصماً له، وألف المؤلفات ضده. وهكذا كل من أدخله هو نفسه حكماً، جعله بعد ذلك خصماً. وكذلك الحجوري فعل مثل ما فعل أبو الحسن. أدخلوا ناساً على أنهم يصلحون، أو أنهم جعلهم لأجل أن يردوا الخصم، وأنه يخصمهم. معنى ذلك: الحجوري حكم المشايخ: الشيخ محمد عبد الوهاب، والشيخ البراك، والشيخ الإمام، وغيرهم، على أن يدينوا الشيخ عبد الرحمن وأنه غلطان. فانقلبت عليه هذه الحجة، فصاروا يغلطونه وأنه خطأ، وأنه أخطأ في ذلك، وأن قيام مركزه لا غبار عليه. المركز لماذا يقوم في الجنوب وفي عدد؟ فقام وخاصم على ذلك. فلذلك غلطوه، وأرادوا منه أن يتراجع، فلم يتراجع، بل جعلهم خصماً له، صار يتكلم عليهم. بدل ما كان الشيخ محمد هو الذي يقول: علمني، وهو الذي دلني، وهو الذي فعل، وله خير علي كثير. قال: ما عنده علم ولا عنده كلمات، فقط يقولها في المحاضرات ويدور بها. انظروا إلى البهتان! وهذا من البهتان الذي كانت عليه اليهود، والعياذ بالله. فلا ينبغي أن يكون مسلم على هذه الطريقة. فلذلك أدخل أيضاً الشيخ ربيع في التحاكم، فقام الشيخ ربيع ضده، وطالبه بالدليل، وقال: ما الدليل على أن عبد الرحمن حزم؟ لم يستطع أن يأتي بشيء. فقال: لا بد أن تتراجع. فلم يتراجع، وجعل الشيخ ربيع خصمه. كان يتكلم عليه، تكلم على الشيخ عبيد، وطيره من أئمة ومن علماء السنة، رحمه الله عليه. وهذا كما قلنا: من لم يرد أن يقبل الحق، وإنما يريد أن يجعل هواه هو الذي يمشي على الناس، هو يريد هواه وما رأى هو الذي يمشي، مهما غلطه العلماء، ومهما نصحه الناصحون، فلا يرجع. وغالباً أن مثل هؤلاء يجدون من يتابعهم على شرهم، ومن يتابعهم على ما هم عليه، فيتكبرون في ذلك عن الحق، يتكبرون عن الحق، ولا يرضون به، ولا يرضون بمن يناصحهم في ذلك. فلذلك كل ما نصحهم ناصح تركوا نصحه، وجعلوه خصماً لهم، جعلوه خصماً لهم. فهذا أمر لا ينبغي أن يصدر من مسلم. فإذا جاءه نصح الناصح، وجاءه أمر الإصلاح، فلا بد أن يتنازل، وأن يتواضع لهذا الذي يصلح بينه وبين أخيه، لا يجعله خصماً، ولا يجعله أيضاً إذا لم يأتِ أو لم يجعل الحق له يجعله خصماً له، فيأتي بالكلمات الباطلة فيه. فهذا ليس من خلق أهل الإسلام. بل لا بد في الصلح من التنازل، التنازل إن كان عن مال، وإن كان عن كلمات قالها، وإن كان مثلاً هناك في إشكال يزيله هذا المصلح، وهكذا حتى يأتي الصلح. النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلح بين القبائل، قبائل الأنصار وغيرهم. ولما حصل بين المهاجرين والأنصار خلاف، حتى قال قائلهم: يا للمهاجرين، وقال القائل: يا للأنصار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبدعوة الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة». لم يتكلم على أصل المسألة التي حصلت، وإنما تكلم على أصل النتيجة التي حصلت، وهي أن كل واحد تعصب، فقال: «دعوها فإنها منتنة». فصار هذا الكلام أمراً من النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك امتثل الصحابة رضي الله عنهم هذا الأمر، فلم يحصل بعد ذلك بينهم شيء، أي بين المهاجرين والأنصار في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ولا في عهد غيره. أقصد: ولا من بعد النبي عليه الصلاة والسلام لم يحصل بينهم تخاصم، أي بين المهاجرين والأنصار، بل كانوا إخوة، إخوة عظيمة. طيب. قال: حتى ما حصل بين أئمة الصحابة من الصحابة، تجد أن المحبة لا زالت بينهم، مهما حصل من شيء من القتال أو غيره بين الأتباع، لكن المحبة تكون بينهم. والنبي عليه الصلاة والسلام قال في الحسن بن علي: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». «إن ابني هذا سيد» أي: الحسن بن علي، لما تنازل لمعاوية، وهذا أمر عظيم. وأيضاً كذلك واقعة جليلة لم تحصل مثلها: الناس كلهم أو أكثر الناس كانوا أتباعاً للحسن، أهل المدينة وأهل مكة وأهل البصرة وأهل الشام وأهل الكوفة، أكثر الناس كانوا أتباعاً للحسن، ومعاوية معه أكثر أهل الشام، وفي أهل الشام من كان مع الحسن، يعني يريد الحسن. فقام الحسن وحقن دماء المسلمين، وتنازل لمعاوية، رضي الله تعالى عنهم جميعاً. فصار سُمّي ذلك اليوم يوم الجماعة. سُمّي ذلك اليوم يوم الجماعة. وهؤلاء كانت أنفسهم خالصة لله، لا يريدون إلا رضا الله عز وجل، وإلا ذلك التنازل العظيم لم يكن لأحد أن يصنعه إلا من وقف أمره ونفسه لله. فلذلك سماه النبي عليه الصلاة والسلام سيداً: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». قال رحمه الله: والمصلح لا بد أن يصلح الله سعيه وعمله. أن إذا كان يصلح بين الناس، كما أن الساعي في الإفساد لا يصلح الله عمله، ولا يتم له مقصوده. والساعي في الإفساد هو النمام الذي يفسد بين الناس. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتدرون ما العضة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «القالة بين الناس». أي: الإفساد، يأخذ قول هذا فيعطيه هذا، فيفسد بين الناس. قال: كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [يونس: 81]. فهذه الأشياء حيث ما فعلت فهي خير، كما دل على ذلك الاستثناء. ولكن كمال الأجر وتمامه بحسب النية والإخلاص. أن كان نيته لله، يصلح الناس لأجل الله عز وجل، وليس لأجل أغراض من أغراض الدنيا، أو مصلحة له، فهذا أجره أعظم. ولهذا قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾. لم يحدد هذا الأجر، بل أجر عظيم. فلذلك ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى، ويخلص العمل لله في كل وقت، وفي كل جزء من أجزاء الخير. أنا إذا رأى مشكلة بين الناس لا يصدعها، وإنما يحاول أن يصلح، ولا يؤجج النار بينهما. قالوا: في كل جزء من أجزاء الخير، ليحصل له بذلك الأجر العظيم، ولتعود الإخلاص، فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر سواء تم مقصوده أم لا. وكما كان السلف يقولون: أشد ما نجد، أو ما نجد في نفوسنا، أشد شيء النية؛ فإنها كما قال سفيان: «تقلب عليه». لأن الأمور تدخل فيها العوارض. حتى بالإصلاح: إنسان الآن يريد يصلح بين اثنين، لماذا يريد يصلح بينهم؟ هل لأجل الله، أم أن هناك عوارض ومصالح له؟ فلذلك فالنية تدخلها العوارض والمصالح، وأشياء كثيرة من أمور الدنيا. ولهذا تخليص النية من هذه الشوائب يكون صعباً إلا من وفقه الله جل وعلا. قال: فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر سواء تم مقصوده أم لا. سواء أصلح الله عز وجل بين هذين أو لم يصلح، ما دام هو دخل لأجل أن يصلح بينهما لله عز وجل، سواء حصل الإصلاح أو لم يحصل، لكن يتحصل على الأجر العظيم الذي وعده الله عز وجل به. قال: لأن النية حصلت، واقترن بها ما يمكن من العمل. طيب، هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله.