الدرس في تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح السعدي آية الفتح 24 مبيناً أن الله كف أيدي المشركين عن المؤمنين وأيدي المؤمنين عنهم في بطن مكة بعد أن أظفَرهم بهم، حيث أسر المسلمون ثمانين رجلاً من قريش ثم عفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم رجاء الصلح. ويؤكد المقطع أن الله كان بصيراً بأعمال الفريقين في هذا الموقف.
يذكر المقطع الأسباب الداعية لقتال المشركين وهي كفرهم بالله وصدهم المؤمنين عن المسجد الحرام وحبسهم الهدي، ثم يبين المانع الإلهي وهو وجود رجال ونساء مؤمنين مستضعفين مجهولين بينهم خشية أن يُقتلوا فيقع الإثم. ويوضح أن هذا الصلح أثمر خيراً عظيماً بإسلام عدد كبير من كبار قريش مثل خالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان تجلياً لرحمة الله وحكمته.
تذكر الآية الكريمة أن الله أباح للمؤمنين قتال أعدائهم وأذن فيه ووعدهم بالنصر عليهم، وقد فسر الإمام السعدي هذه الآية مبيناً معانيها. ويكتفي المتحدث بهذا التفسير موكلاً الأمر إلى الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَن أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٤]. قال رحمه الله: يقول تعالى ممتنًّا على عباده بالعافية من شر الكفار ومن قتالهم، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: أهل مكة عنكم، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ من بعد أن ﴿أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: من بعد ما قدرتم عليهم وصاروا تحت ولايتكم بلا عقد ولا عهد، وهم نحو ثمانين رجلًا انحدروا على المسلمين ليصيبوا منهم غرة. وهؤلاء اجتمعوا شبابًا من شباب قريش، ونزلوا من جبل التنعيم إلى الحديبية، فرعاهم المسلمون وحاطوا بهم، وجاءوا بهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك في وقت المفاوضات، فتركهم النبي عليه الصلاة والسلام وعفا عنهم، ولم يقتلهم ولم يأسرهم. قال: فوجدوا المسلمين منتبهين فأمسكوهم، فتركوهم ولم يقتلوهم رحمة من الله بالمؤمنين إذ لم يقتلوهم. وهنا الإشكال: لما قال ربنا جل وعلا ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ هل المراد داخل مكة ووسطها، أم المراد ببطن مكة أي: بمكة؟ لأنهم خرجوا من جبل التنعيم، وجبل التنعيم يعتبر من مكة، ونزلوا إلى الحديبية، والحديبية هي التي تسمى الشميسي الآن، التي فيها النقطة التي تأتي من جدة. كما ذكرنا، الحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم. فهم لما أخذوهم أخذوهم من الموضع الذي هو من الحل، فأتوا بهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووقى الله عز وجل شر هؤلاء أهل الإسلام. فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم﴾: ﴿كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ أي: بأن جعلكم تحصروهم وتأسروهم، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم﴾ أي: بعفو النبي عليه الصلاة والسلام عنهم، من بعد أن أظفركم عليهم، أنهم قد استولوا عليهم وصاروا تحت حكم المسلمين، فعفا عنهم النبي عليه الصلاة والسلام رجاء الصلح، رجاء أنهم لا يرفضوا الصلح. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: فيجازي كل عامل بعمله، ويدبركم أيها المؤمنون بتدبيره الحسن. قال: ثم ذكر تعالى الأمور المهيجة على قتال المشركين، وهي: كفرهم بالله ورسوله، وصدهم رسول الله ومن معه من المؤمنين أن يأتوا للبيت الحرام زائرين معظمين له بالحج والعمرة. أي: قال الله عز وجل: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. عن هذا: أمن الأمور التي تجعلكم تقاتلونهم: أولًا: أنهم كفار، والأمر الثاني: أنهم صدوكم عن المسجد الحرام، أي: أن تعتمروا، والأمر الثالث: أنهم أيضًا حبسوا الهدي، وهم الذين يزعمون أنهم لا يصدون الناس عن بيت الله الحرام، ولا يمنعون الهدي إلى أن يأتي محله، أي: المكان الذي يذبح فيه، وأنا في مكة، وغالبًا عند المروة. لكن هؤلاء فعلوا ذلك، وهذا مما يؤيد أنهم يقاتلون. لكن هناك أشياء هي التي جعلت الرب جل وعلا يأمر نبيه أن لا يقاتل، ومن ذلك: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. قال: هم أيضًا الذين صدوا الهدي معكوفًا، أي: محبوسًا أن يبلغ محله، وهو محل ذبحه في مكة، حيث تذبح هدايا العمرة، فمنعوه من الوصول إليه ظلمًا وعدوانًا. وكل هذه موجبة وداعية إلى قتالهم. ولكن ثم مانع، وهو: وجود رجال ونساء من أهل الإيمان بين أظهر المشركين، وليسوا بمتميزين بمحلة أو مكان يمكن أن لا ينالهم الأذى. انظر إلى هذا الأمر العظيم، وحرمة دماء المسلمين: الله عز وجل منع نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقاتل المشركين من هذه الأسباب العظيمة، أن هناك يوجد في مكة أناس من المسلمين، قيل أنهم تسعة، وقيل أكثر، وقيل أن النساء تسعة. وممن عرفوا: الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، والمغيرة، وغيرهم ممن ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعا لهم من المستضعفين. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥]، أي: هناك أناس لم تعلموهم أنهم أسلموا، أسلموا بعد أن كانوا من أهل الكفر. فلهذا منع الله عز وجل أهل الإيمان أن يقاتلوا، لأجل أن لا يطأوا... لأجل أن لا يقتلوا أحدًا من هؤلاء، ممن أسلم، فتكون معرة. معنى معرة: أي أمر عليهم، وأمر أو معنى شيء هم لا يريدونه، وإثم لا... لا يكون عليهم وبالا. فلهذا أمرهم الله عز وجل بالكف وبالصلح. قال رحمه الله: لكن ﴿لَّوْ تَزَيَّلُوا﴾ [الفتح: ٢٥]، ووجود رجال ونساء من أهل الإيمان بين أظهر المشركين، وليسوا بمتميزين بمحلة أو مكان يمكن أن لا ينالهم أذى. فلولا هؤلاء الرجال المؤمنون والنساء المؤمنات الذين لا يعلمهم مسلمون... ﴿أَن تَطَؤُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥]، أي: خشية أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم. والمعرة: ما يدخل تحت قتالهم من نيلهم بالأذى والمكروه، معنا فيصيبكم أذى أو يصيبهم أذى منكم. قالوا: فائدة أخروية، وهو: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [الفتح: ٢٥]. وهذا من فضل الله ورحمته وكرمه على عباده، عن أن هؤلاء أهل الشرك، مع أنهم صدوا أهل الإيمان عن البيت الحرام، إلا أن الله عز وجل يقول: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾، أي: فيمن عليهم بالإيمان بعد الكفر، وبالهدى بعد الضلال، فيمنعكم من قتالهم لهذا السبب. وهذا قد حصل، وقد أسلم كثير من أهل مكة في ذلك الصلح، أسلم كثير من أهل مكة، بل من كبارهم ومن خيرة أهل مكة: كخالد رضي الله تعالى عنه، خالد بن الوليد، ومعاوية بن أبي سفيان، وجماعات من كبار قريش وفتيانهم وشجعانهم، أسلموا في تلك الفترة، في فترة الصلح، في فترة الصلح، فكانت خيرًا عظيمًا على قريش أن كف أيديهم، وجعل ذلك الصلح بينهم وبين أهل الإسلام. قالوا: فائدة أخروية، وهو: أنه ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾، فيمن عليهم بالإيمان بعد الكفر، وبالهدى بعد الضلال، فيمنعكم من قتالهم لهذا السبب. قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾، أي: لو زالوا من بين أظهرهم. ومعنى الآية: أن الله عز وجل يقول: هؤلاء هم يستحقون القتال، يستحقون القتل، لأنهم كفروا، وصدوكم عن المسجد الحرام، وأيضًا حبسوا هديكم. لكن هناك أمور لا تجعلكم تقتلونهم، خاصة في ذلك الوقت، وأن الصلح أفضل لكم، وأن الصلح أفضل من القتال، فلهذا أمر الله عز وجل نبيه بالصلح. قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾، أو: لو زالوا بين أظهرهم، ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]. معناها: لو لم يكن هؤلاء من ضعفاء المسلمين، أو من المسلمين الذين أسلموا وهم بين أهل الكفر، لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا. فهذا يدلك على حرمة دم أهل الإسلام، وأن الله عز وجل منع المسلمين من قتالهم لأجل أن لا يقتلوا هؤلاء. قال: ﴿بِأَن نَّبِيحَ لَكُمْ قِتَالَهُمْ وَنَأْذَنَ فِيهِ وَنَنصُرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٥]، فهذا ما ذكره الله، وذكره المفسر الإمام السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآيات، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر