أحاديث قيام الليل 2

أحاديث قيام الليل 2

الدرس في أحاديث قيام الليل 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

استهلال باب فضل قيام الليل وحديث رؤية عبدالله بن عمر

يستهل الشيخ قراءة باب فضل قيام الليل من صحيح البخاري مبيناً رجال الإسناد، ثم يسوق حديث عبدالله بن عمر الذي رأى ملكين يذهبان به إلى النار فاستعاذ بالله، فلقيه ملك وقال: "لم ترع"، فقص الرؤيا على حفصة فبلغت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "نعم الرجل عبدالله لو كان يصلي من الليل"، فصار لا ينام إلا قليلاً.

تفسير النبي لرؤية ابن عمر وفوائدها في الرؤيا وقيام الليل

فسر النبي صلى الله عليه وسلم رؤية عبدالله بن عمر للنار مطوية بأنها بشارة بصلاحه وأهليته للجنة مع تنبيه لنقص قيام الليل، واستدل الحديث على أن الرؤيا الصالحة جزء من النبوة، وفضل قيام الليل، وأن الرؤى المخيفة قد تكون إنذاراً للتوبة، مع استحباب الاستعاذة من النار.

فضل إطالة السجود في قيام الليل ومكانة الدعاء فيه

يبرز المقطع فضيلة قيام الليل مستشهداً بحديث عائشة عن صلاة النبي إحدى عشرة ركعة مع إطالة السجود قدر قراءة خمسين آية، مبيناً أن طول السجود في جوف الليل يجمع بين وقت النزول الإلهي وحال السجود الأقرب للربوبية، مما يجعله محلاً للدعاء والإجابة، فينبغي للعبد الاجتهاد في الدعاء فيه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإِن شاء الله تعالى نأخذ لهم قراءة في صحيح البخاري، نجعل الصحيح المسند يوم الاثنين فقط. قال البخاري رحمه الله: «باب فضل قيام الليل». قال: حدثنا عبد الله بن محمد، وهو المسند الجعفي، قال: حدثنا هشام، قال: أخبرنا معمر. وهشام هو ابن يوسف القاضي الصلعاني. هشام إذا كما ذكرنا قبل: إذا رأيت هشامًا وبعده معمر أو ابن جريج فهو هشام بن يوسف الصلعاني، وإذا رأيت هشامًا قبل عروة فهو هشام بن عروة، وإذا رأيت هشامًا قبل قتادة أو يحيى بن أبي كثير فهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وإذا رأيت هشامًا قبل ابن سيرين أو الحسن فهو هشام بن حسان. وهناك أيضًا هشام آخرون ممن يسمى بهشام لكن روايتهم قليلة، مثل هشام بن جبير وهكذا. طيب، قال: أخبرنا معمر، وهو ابن راشد أبو عروة اليماني البصري، أو البصري اليماني، أنا أصله بصري لكن نزل اليمن. قال: وحدثني محمود، وهو ابن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني، قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه، سالم عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: كان الرجل في حياة النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى رؤية قصها على رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم. قال عبد الله بن عمر: فتمنيت أن أرى رؤية، أن أرى رؤية فأقصها على رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم، وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال: فلقينا ملك آخر فقال لي: «لم ترع». «لم ترع، لم تخف، أو لا تخف»، ولم ترع: لا يجعل الله لك خوفًا. قال: فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم، فقال: «نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل. نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل». قال: قال سالم: فكان بعد، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً. فهذا الحديث ذكر فيه عبد الله بن عمر أن الرجل في حياة النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم. فقال عبد الله بن عمر: فتمنيت أن أرى رؤيا. أنا كان الناس من الصحابة إذا رأى أحدهم رؤيا يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بها حتى يفسرها له. فقال عبد الله بن عمر: فتمنيت أن أرى رؤيا، فرأى هذه الرؤيا التي ذكرها في الحديث. رأى قال: كأن ملكين أخذاني فذهب بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البعر. أنا أنا: ليست مفروشة أو ليست مبسوطة بل مطوية، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم. أنا لعله عرفهم عندما كانوا في الجاهلية أو غير ذلك. فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال: فلقيني ملك آخر فقال: «لم ترع». ففسرها النبي عليه الصلاة والسلام أنه رجل صالح، وأنه ليس من أهل النار بل من أهل الجنة، لكنه ينقصه قيام الليل، ينقصه قيام الليل. وهذا لا شك أنه فضل عظيم لقيام الليل، وفضله يبلغ هذا المبلغ. وفي هذا الحديث عدة مسائل: أولًا: أن الرؤية كانت تقص على رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم لأنها كانت من الوحي، فهي كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوة. فلهذا كانوا يقصونها على رسول الله حتى يفسرها لهم. أيضًا فيه استحباب تمني الرؤية الصالحة ليعرف العبد مقامه عند الله، وأيضًا يتمنى فيها الخير حتى يرجو بهذه الرؤية الخير. وأيضًا في هذا الحديث فضل قيام الليل. وقبل ذلك أيضًا فيه رؤية العبد الملائكة في المنام كما جاء في هذا الحديث. وفيه أيضًا أنه قد يرى الإنسان رؤية أو رؤية لأمور مهولة، أمور مفزعة، لكن لكن لأجل الحذر حتى لا يقع فيها، وكأنه إنذار من الله عز وجل أنك إن استمررت على هذا الأمر فإن موعدك هذا النار، فتكون تخويفًا، تكون تخويفًا على هذا الأمر الذي تراه مفزعًا في هذا المنام. بعض الناس مثلًا يرى النار، بعضهم يرى مثلًا أنه يسقط من شاهق من مرتفع، بعض الناس يرى أيضًا أشياء سيئة، لكن في الأخير ينصرف عنها ويبتعد عنها، وهذا هو الخير: أنك تبتعد عن هذه الأمور، أو يكون كما قلنا تحذيرًا لك وتخويفًا لك من الاستمرار في شيء معين، إما في أخذ أموال ليست لك، أو في تمشي على طريق ليست صحيحة، وغير ذلك مما قد يستفاد من هذه الرؤى. وأيضًا في هذا الحديث الاستعاذة من النار، استعيذ بالله عز وجل من النار. وفيه أيضًا التبشير بالخير وعدم الخوف، فقال الملك لعبد الله بن عمر: «لم ترع»، أي لم تخف، أي لا روعة عليك ولا ضرر، فلا تخف بل آمن قلبك. وأيضًا في الحديث شفقة عبد الله بن عمر أن يقصها بنفسه للنبي عليه الصلاة والسلام، فأخبر أخته أم المؤمنين حفصة حتى تقص هذه الرؤيا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. وأيضًا فيه فضيلة عبد الله بن عمر، أما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم الرجل عبد الله، نعم الرجل عبد الله»، ففيه فضيلة عبد الله بن عمر، وأن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى عليه، لكن ذكره بشيء يكمل به صلاحه. وجاء في رواية مسلم: «عبد الله رجل صالح، رجل صالح، لو لو كان يقوم من الليل». فدل على أن كمال الصلاح وكمال العبودية أن العبد يواظب على قيام الليل. فهذا الحديث فيه فضيلة لقيام الليل، وأن قيام الليل هو من صلاح العبد وكمال صلاحه. وأيضًا استمرار صلاحه، استمرار صلاحه، لماذا؟ لأن العبد إذا قام الليل دعا الله، فثبته الله عز وجل على الخير، ثبته الله عز وجل على الخير. فلهذا كان هذه فضيلة لقيام الليل. قال: حدثنا أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، وابن أبي حمزة الحمصي عن الزهري، قال: أخبرني عروة، وابن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم كان يصلي إحدى عشرة ركعة. قال البخاري: «باب طول السجود في قيام الليل». وذكر هذا: كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاة يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة. فهذا الحديث ذكره هنا، وسيذكره إن شاء الله تعالى، ونتكلم على مسألة صلاة الليل وعدد ركعاتها فيما سيأتي إن شاء الله. لكن هنا ذكر صفة من صفات قيام الليل، وهو طول السجود، طول السجود في قيام الليل. فكانت قالت: كانت تلك صلاة يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه. أي: النبي عليه الصلاة والسلام كان يسجد السجدة في صلاة الليل قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية. أنا كما ذكر بعض العلم: خمسين آية المتوسطة، ليست بالطويلة ولا بالقصيرة، وهذا يستغرق ثلث ساعة أو أكثر أو أقل، أنا في هذا الحدود، فيسجد ذلك الوقت كله عليه الصلاة والسلام. أي كان سجوده طويلًا، وهذه صفة من صفات قيام الليل: أن السجود يكون فيها طويلًا، لأنه وقت دعاء، وأقرب ما يكون العبد من ربه جل وعلا وهو ساجد، فيجتمع أنه ثلث الليل عند نزول الرب جل وعلا، ويجتمع أنه ساجد، وهو وقت من أوقات الدعاء واستجابة الدعاء. فكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قمين أن يستجاب لكم». فيستكثر العبد في دعائه في قيام الليل. طيب، إن شاء الله تعالى نكمل بقية فوائد هذا الحديث فيما سيأتي، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.