كتاب التفسير من صحيح البخاري 27

كتاب التفسير من صحيح البخاري 27

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 27، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير اليقين في آية ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾

يفسر المقطع أن المراد باليقين في الآية هو الموت، مستنداً إلى أقوال المفسرين كالقرطبي ومجاهد ورواية البخاري وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في عثمان بن مظعون. وتعلل تسمية الموت باليقين لكونه أمراً لا شك في وقوعه ولا مفر منه.

حكم صلاة المريض واختلاف العلماء في سقوطها

يؤكد المقطع وجوب الاستمرار في العبادة حتى الموت مستدلاً بالآية والحديث، ويناقش مسألة صلاة المريض حيث يرى الجمهور عدم سقوطها مع حضور القلب بينما يرى الحنفية سقوطها إذا عجز عن تحريك رأسه مستدلين بحديث عمران. ويبين التفصيل في صفة الصلاة حسب الاستطاعة.

رد مذهب الحلولية وتبيين أن اليقين هو الموت

يناقش المقطع رد السلف على الحلولية والوجودية الذين يزعمون أن اليقين منزلة يسقط عنها التكليف، مبيناً أن هذا قول باطل وإبليسي. ويؤكد أن اليقين الحقيقي هو الموت الذي تنقطع عنده العبادة ويبدأ الجزاء.

خاتمة الباب والاكتفاء بكلام علي رضي الله عنه

يختم المؤلف الباب بالإشارة إلى كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، موضحاً أنه لم يورد حديثاً في هذا الباب فيكتفي بما ذُكر والله أعلم. وتكون هذه الخاتمة متممة للباب السابق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين». قال سالم: اليقين الموت. وسالم الظاهر أنه ابن عبد الله بن عمر. هكذا جاء عند الطبري، وهكذا ذكره أيضًا الحافظ ابن كثير. وأما الحافظ ابن حجر فقال: هو سالم مولى الجعد. والمهم أن تفسير «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين»: الموت. وجاء ذلك عن قتادة، وعن مجاهد، وعن غيرهم من المفسرين، على أن اليقين هو الموت. مثل ما قال الله جل وعلا: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾، أي: حتى أتانا الموت. وقال: اعترض بعضهم أن اليقين ليس من أسماء الموت، لكن سماه الله عز وجل يقينًا لأنه لا شك فيه، ولا يشك فيه أحد أنه واقع، فلهذا فهو يقين. «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين». وقد جاء في صحيح البخاري بحديث خارج بن زيد عن أم العلاء امرأة من الأنصار في قصة عثمان بن مظعون، لما قالت: «هنيئًا لك أبا السائب الجنة»، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك أنه في الجنة؟ أما هو فقد جاءه اليقين». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير». فسمى النبي عليه الصلاة والسلام الموت هنا يقينًا. فأخذ من ذلك أن الذي في الآية هنا «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» المراد به الموت. وهو مثل قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، أي: لا يموتن أحدكم إلا وهو على الإسلام وعلى العبادة. «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين»: أي استمر واثبت على عبادة الله جل وعلا، ولا تتزعزع، ولا تصرفك العوارض عن عبادة الله حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأتيه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر»؛ يأتيه الموت وهو على الإيمان، على الطاعة، وعلى العبادة. واستدل به بعض العلماء على مسألة من مسائل الفقه، ألا وهي: أن المريض لا يترك الصلاة مهما كان هذا المرض. فقالوا: «واعبد ربك» أي: صلي لربك حتى يأتيك اليقين؛ لا تترك العبادة حتى يأتي الموت. وجعلوا العبادة: الصلاة. وهذا تخصيص في غير محله، لكن أراد بعضهم باب التفقه والاستدلال بهذه الآية على قول الجمهور أن الصلاة لا تسقط ولو على المريض، ما دام أن قلبه حاضر؛ ما دام أن قلبه حاضر لا تسقط الصلاة. وهذا هو قول الجمهور، كما قد ذكرنا ذلك في كتاب «مزيد النعمة». وذهب الحنفية إلى أنه إذا لم يستطع أن يحرك رأسه فليس عليه صلاة، أن تسقط عنه الصلاة. واستدل بحديث عمران: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب». ولم يذكر الصلاة بالأصبع، ولا بغيره، أو بالعينين كما يقول بعضهم، وإنما ذكر الجنب والاضطجاع. فإذا استطاع أن يصلي مضطجعاً صلى. طيب. طيب أيضًا في هذا الحديث رد على بعض الملاحدة من الحلولية الوجودية، أصحاب ابن عربي والحلاج، الذين يقولون: إن اليقين هي منزلة، يقولون: إن اليقين هي منزلة يصلها العبد بالاجتهاد في العبادة، يجتهد في العبادة حتى يصل هذه المنزلة. وما هذه المنزلة؟ منزلة اليقين: أنه يخرج من درجة أصحاب الشريعة إلى أصحاب المعرفة. يعني: يرتفع هذا اليقين، يقولون: هو ارتفاع ذلك العبد من أصحاب... بدل ما كان من أصحاب الشريعة يدخل في أصحاب المعرفة. أصحاب المعرفة الذين قد حل الله عز وجل لهم الحراب، هكذا يقولون. قاتلهم الله. وأيضًا سقطت عنهم العبادات. ولهذا قد وجد، قد رأوا ناسًا كثيرين في بعض الأماكن، الناس يصلون في بعض مساجد أهل التصوف مثلاً، والناس يصلون وهذا جالس في كرسي أو في مجلس لا يصلي، مثل ما كان يفعل أحمد صاحب البيضاء: أن الناس يصلون الصلاة وهو جالس أمامهم، قالوا: قد أتاه اليقين، أنا سقطت عنه الصلوات. وكان أيضًا بعض هنا آل باعلوي لا يصلي، فإذا قيل له: لماذا لا تصلي؟ قال: أنا ما أصلي معكم، أنا أصلي في القلب. فمثل هذه الأشياء وهذا مذهب إبليسي، ومذهب الإلحاد أصلاً، هو مذهب الباطنية، ودخل على أهل التصوف. فلذلك هذا تفسير السلف رحمهم الله يدل على كذب هؤلاء، وأنه ليس هناك منزلة يقال لها اليقين، وإنما هو الموت. حتى يأتيك اليقين، فالعبادة لا تنفك عن العبد حتى يأتيه اليقين وهو الموت. فبعد ذلك بعد الموت لا عمل، وإنما جزاء، وقبل الموت العمل. كما جاء في كلام علي رضي الله عنه. فهذا ما يذكر، ولم يذكر المؤلف في هذا الباب حديثًا، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.