الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 72، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ معاني ألفاظ "من خلاله" و"مذعنين" في سورة النور، مبيناً أن الأولى تعني من بين السحب والثانية تعني مسرعين مستجيبين. يقارن بين استجابة المؤمنين السريعة للطاعة وتخلف المنافقين بسبب داء القلوب والأنانية مستشهداً بالحديث النبوي في التحذير من الظلم والشح.
يتناول المقطع فضيلة البذل والإيثار كما تجسدت في الصحابة رضوان الله عليهم، مستشهداً بآيات الأنصار في سورة الحشر التي تصف حبهم للمهاجرين وإيثارهم على أنفسهم رغم الخصاصة. يقارن ذلك بأهل النفاق الذين لا يرضون إلا بمصالحهم، مع إيضاحات لغوية لألفاظ مثل (أشتات) و(لواذا).
يذكر المقطع أقوال العلماء في تسمية القرآن لاقتران سوره، وتسمية السورة لانقطاعها، ثم ينتقل لتفسير "المشكاة" بأنها الكوة أو موضع الفتيلة في السراج. يستشهد بقول التابعي سعد بن عياض الثمالي أنها بلسان الحبشة، مؤكداً أن ألفاظ القرآن عربية حتى لو كانت أصولها أعجمية، ويوضح وصف المصباح في الزجاجة كأنه كوكب دري.
يتحدث المقطع عن الزيت العظيم المبارك الذي أثنى عليه الله في مواضع متعددة من القرآن، موضحاً أنه يوقد من زيت زيتون مبارك لا شرقي ولا غربي. يختم الشيخ الدرس بالإشارة إلى أن تكملة الشرح ستكون في الجلسة القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة النور، لما جاء في تفسير سورة النور. قال: قوله جل وعلا: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾، أي: من بين أضعاف السحاب. ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، أي: من خلال هذه السحب التي قد تراكمت وتضاعفت. وقرأ ابن عباس: «مِنْ خِلَالِهِ»، فـ «مِنْ خِلَالِهِ» و «مِنْ خِلَالِهِ» واحد، أنها تخرج من بين أضعاف هذه السحاب، أي: هذا البرد. ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾. قال: سنا برقه، وهو الضياء، أن الضوء الذي يجعله الله عز وجل من السحاب. قال رحمه الله: ﴿مُذْعِنِينَ﴾، يُقال للمستخد، يُقال للمتخذين: مذعن. أشتاة وشتاة، طيب. مذعن، أنا يريد أن يفسر قول الله عز وجل: ﴿مُذْعِنِينَ﴾، يأتوا إليه مذعنين، أي: مستخدّين، أي: أنهم مسرعون، مسرعون يأتوا إليه مذعنين. ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾، أي: مسرعين. يعني: إذا كان لهم الحق، وسيجدون أو سيعطون شيئًا، أو لهم الحق في المخاصمة، فتجدهم يأتون بسرعة، إما يأتون بالمشي أو بالكلام والحضور. وهذا لمرضهم. ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾؟ بل أولئك هم الظالمون. ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ذكر الحافظ عن الزجاج، أحد أئمة اللغة، أنه قال: لدعان، لسراع في الطاعة، وأن أن كان لهم مصلحة في هذا الأمر فتجدهم يسارعون فيه وأول حضورًا، إذا كان لهم مصلحة فيه، وعما إن لم تكن فيه مصلحة وليس لهم فيه شيء فتجدهم من أبعد الناس، أو أنهم لا يحضرون. وهذا لمرض في قلوبهم. وهذه أيضًا الأنانية والشح الذي أهلك الأمم التي مضت، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر، صحيح مسلم: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإنه أهلك من كان قبلكم». الشح هنا ليس الشح فقط في المال، بل الشح في كل شيء، أنا في كل خير يقدمه يشح فيه. ولهذا ضد الشح البذل. فالشح هو الأنانية والطمع. فقال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. إذا وقى الإنسان الشح والطمع والأنانية التي في نفسه، فإنه لا شك أنه من المفلحين. فتكون نفسه باذلة، سواء كان في العمل والتعاون، أو سواء كان في بذل الخير كالعلم والمال وغيرهما، فيكون عنده بذل. لآن كان أنه يكون بذل لدين الله عز وجل، يبذل لله سبحانه وتعالى ويعلم لله، وكذلك أيضًا يتصدق ويعطي لله، فيكون باذلًا في الله، فتذهب عن نفسه تلك التي يجدها الإنسان من الحرص والطمع. ولهذا الصحابة رضي الله عنهم ضربوا أروع الأمثلة في هذا الباب، في باب البذل، لأن الشح الذي كان من طبع الإنسان ذهب عنهم، فصارت قلوبهم صافية، ومبدلة. ولهذا قال الله عز وجل في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾، أي: يحبون من هاجر إليهم، مع أنهم سيكثرون عندهم ويكونون ضيوفًا عندهم، وهم يحبون ذلك. والله عز وجل أعلم بما في القلوب. ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. نحن نؤثرون، أي: نبذل ما معنا، ولو كان لنا حاجة في هذا الشيء. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فلهذا الله عز وجل ذكر أولئك أهل النفاق، أنهم إذا لهم شيء ومصلحة يأتون إليه، أما إذا لم تكن لهم مصلحة، كما قال جل وعلا في سورة التوبة: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. لكن ما رضوا بما جاءهم من عند الله، ولم يقتنعوا. قال رحمه الله: قال الحافظ، أو الإمام البخاري: أشتاتا، وشتات، وشتات، وشت، واحد. هذه كلها بمعنى واحد. وهذا كما قلنا من قبل: أن غالب أي قول لم يسنده البخاري في التفسير فهو من كلام أبي عبيدة معمر بن المثنى في كتابه «المجاز». فهذا أيضًا كلامه. ومعنى أشتات: أي متفرقين ومشتتين. وقال مجاهد: ﴿لَوَاذًا﴾، خلافًا. فقال: لواذا، أي: معنى خلافًا. وقال ابن عباس: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾، أي: بيناها. سورة أنزلناها، أي: بيناها. وقال في بعض النسخ: ﴿أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾. يقول: حافظنا في بعض النسخ: أنزلناها وفرضناها. معنى بيناها: بينا تفسيرها. وفرضنا، وفرضناها: أنزلنا فيها فرائض مختلفة، معنى: أوامر فيها بيان وتفسير، وفرائض عظيمة أن بينها الله عز وجل، أي: في هذه السورة، وهي سورة النور. فقال: سورة أنزلناها، بيناها. وقال غير واحد: سمي القرآن لجماعة السور، وسميت السورة لأنها مقطوعة من الأخرى، أنا كالسور الذي يعزل ما بداخله عن خارجه. سميت سورة، فلما قرن بعضها إلى بعض سمي قرآنًا. وهذا قول أكثر العلم: أن القرآن سمي قرآنًا لأنه قرن بعضه بعضًا، صارت قراءة. وبعضهم - وهذا قول الشافعي كذلك - وبعضهم يقول: أنه سمي قرآنًا لأنه يقرأ، لأنه يقرأ. والمعاني متقاربة. وقال سعد بن عياض الثمالي: المشكاة: الكوة، بلسان الحبشة. قال: وسعد هذا الذي ذكره هو كوفي تابعي، سعد بن عياض الثمالي، بضم الثاء. وثمال هذه قبيلة من الأزد، والأزد من قبائل اليمن. وهذا سعد بن عياض من التابعين من أهل الكوفة، تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي. وذكر الإمام البخاري أنه مات غازيًا بأرض الروم. فقال: هذا تابعي، سعد بن عياض، أن المشكاة: الكوة. والمراد بالكوة: المكان الذي يفتح للضوء، المكان الذي تكون الغرفة مثلًا، أو البيت، أو البيت يكون مستورًا من جميع الجدران، ويفتح له فتحة لأجل أن يدخل الضوء، فيسميها العرب: كوة. ويقول سعد هنا: أن المشكاة بمعنى الكوة، بلسان الحبشة. بلسان الحبشة، معنى: أن هذه المشكاة، وإن كانت بلسان الحبشة، لكن العرب قد تكلموا بها. ولهذا يقول بعض العلم: قد بين ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله، أنه ليس في القرآن شيء من الألفاظ العجمية التي لم يتكلم بها العرب. بل حتى الألفاظ التي فيها مثلًا تنتسب إلى منطقة أخرى، أو إلى لغة أخرى ليست العربية، فهي من الكلمات التي قد تكلم بها العرب، قد تكلم بها العرب، وإن كان أصلها من غير العرب. فليس هناك كلمة لم يتكلم بها العرب، لأن القرآن قرآن عربي. فلذلك المشكاة قد تكلم بها العرب. والمشكاة: يطلقون على موضع الفتيلة. المشكاة: الموضع الذي يخرج من السراج، الفتيلة التي توضع فيه، أن توضع في السراج، يسمى هذا المكان: مشكاة. يسمى هذا المكان: مشكاة. وسميت كوة لأن الضوء يظهر منه، لأن الضوء يظهر من ذلك المكان. وعند العرب: أن الكوة المكان الذي يظهر منه الضوء. فلذلك سمي مشكاة. ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾. وهذا الكوكب الدري: معناه أنها لضوئها، الضوء الذي يخرج منها. ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، أنا يوقد هذا من زيت الزيتون. ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. بل هي من زيت الزيتون. هذا الزيت العظيم المبارك الذي أثنى عليه ربنا جل وعلا في غير ما موضع من القرآن. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في الدرس القادم.