الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 118، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر المقطع قول ابن عباس في آية الترجي بأنه التأخير والتخيير، ويسرد إسناد البخاري عبر أبي أسامة مع ثناء سفيان الثوري والإمام أحمد على إتقانه لحديث هشام بن عروة. ثم يوضح اختلاف هشام في الإرسال والإسناد بين المدينة والكوفة، ودفاع العلماء عنه كالإمام أحمد والذهبي معتبرين ذلك من نشاطه وورعه.
يبين المقطع جواز أن يكون المهر تعليم القرآن كما في قصة الرجل الذي زوجه النبي على ما يحفظ من القرآن. كما يوضح اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بتهب النساء أنفسهن له دون غيره، وخياره بينهن، مع ذكر حديث عائشة في قضاء الحائض للصيام دون الصلاة.
يقرر المقطع أن الشخص غير ملزم بأخذ الشيء بل مخير بين أخذه أو تركه. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا القدر مع التوكل على الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال البخاري رحمه الله تعالى: «باب: ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء، ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك». قال ابن عباس: «ترجي» أي: تؤخر. «أرجعه» أي: أخره. «ترجي من تشاء منهن» فلا تؤخر من تشاء منهن، «وتؤوي إليك من تشاء» أي: وتتزوج منهن من تشاء. قال: حدثنا زكري بن يحيى، هو ابن أبي زائدة الكوفي. قال: حدثنا أبو أسامة. أبو أسامة هو حماد بن أسامة، أبو أسامة الكوفي. كان سفيان الثوري يقول له: فتى، أو يقول في أبي أسامة: فتى الكوفة؛ لأنه كان شاباً ويحفظ كثيراً. قال هشام: ولما أحمد يرى أن أبا أسامة هو أتقن من روى عن هشام، أتقن حديث هشام بن عروة. أبو أسامة أتقن حديث هشام بن عروة، مع أنه ليس مدنياً وإنما من الكوفة. لهذا قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: إن هشام بن عروة أسند حديثاً في الكوفة لم يسندها في المدينة. فقال الإمام أحمد: «ما أرى ذلك إلا من النشاط، ما أرى ذلك إلا من النشاط». وكان يقول: أفضل من يأتي برواية حديث هشام هو أبو أسامة. ومعنى قول الإمام أحمد: ذلك من النشاط، أي أن الإنسان إذا رأى، أو الشيخ إذا رأى إقبال طلبة العلم على العلم، ينشط ويتوقد ذهنه، وهذا النشاط يعطيه ذاكرة أفضل، فتجده يأتي... ومعنى يكون نشيطاً في حديثه، وأيضاً في ذاكرته ينشط ذاكرته. وهذا لا شك أنه موجود. ولهذا هشام كان في المدينة، لكثرة العلماء في المدينة فكان لا يأتيه إلا القليل، لكن لما ذهب إلى الكوفة وجد طلبة العلم كثيرين جداً، تمتلئ المجالس بطلبة العلم، فلذلك نشط رحمه الله حتى أنه أسند... أسند حديثاً قد قصر فيها في المدينة. وهذا جواب جماعة من العلماء، لأن بعضهم طعن في هشام بن عروة بسبب هذا، أنه أسند حديثاً في الكوفة أسندها، معنى رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لم يسندها في المدينة. المدينة أرسلها، لم يذكر عائشة، يقول: حدثني أبي عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يذكر خالته عائشة. خالة هشام عروة، خالة هشام، خالة أبي... خالة أبي تعتبر خالته، وعمة الأب تعتبر عمه، وكذلك عمة الأم تعتبر عمه، وخالة الأم تعتبر أيضاً خالة. وليس كما يقولون مثلاً: أنها جدة، لا ليست جدة، وإنما هي: إن كانت عمة الأب أو عمة الأم فهي عمه، وإن كانت خالة الأم أو خالة الأب فهي خالة. فهذه خالة عائشة، خالة هشام هي خالة أبي عروة، فهي تعتبر أيضاً خالته. فكان هشام أحياناً لا يذكر عائشة رضي الله عنها في الحديث، يقول: عن عروة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يسميه العلماء مرسلاً. فكان يفعل ذلك في أحاديث المدينة، وفي الكوفة أسندها. أنا لما سمع العلماء بعده أحاديث أهل الكوفة، رأوا أن أهل الكوفة يسندون أحاديث أرسلها هشام، لهذا أنكر مالك على هشام هذا الأمر، فقال: كيف يسند أحاديث أرسلها عندنا؟ يعني: يسند أحاديث في الكوفة، وعندنا يرسلها. وهذا كما قال الإمام أحمد: إنما من النشاط. هناك من العلماء من إذا شك رأى أن الإرسال أفضل، إذا شك: هل الراوية... معنى: عروة أخذه عن عائشة، أو أخذه... معنى مباشرة... أقصد: أرسله عروة، أو أنه أخذه عن غير عائشة، فتجد هشامحياناً يشك فيرسله لأنه أورع له. لكن لما كان في الكوفة ورأى طلبة العلم وكثرتهم، نشط، وهذا النشاط جعل... نشاطاً في ذاكرة، فأسند أحاديث لم يكن أسندها في المدينة. فقول ابن القطان الفاسي: أن هشاماً اختلط، فهذا كلام باطل. ولهذا قال الإمام الذهبي رحمه الله: «قال هشام أي ابن عروة: شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطان، أنا كيف تتكلم على مثل هؤلاء العلماء الفطاحلة بكلام ظن ليس صحيحاً». فهشام رحمه الله كان من ثقات الرواة. قال: عن نبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله عز وجل: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ [الأحزاب: 51]، قال: «هذا فتح ربنا جل وعلا للنبي الخير في هذا». فقالت عائشة رضي الله عنها: «قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك». قال: «يسارع فيما؟» معنى: يرضيك ويكون في محبتك أو تحبه. فقالت: «كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن» أي: لرسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف تهب المرأة نفسها؟ والله عز وجل قد أجاز: ﴿ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأحزاب: 50]. وهذه خالصة للنبي صلى الله عليه وسلم، خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام: أن المرأة تهب نفسها له، ويكون زواجها... أن المرأة تهب نفسها، تقول مثلاً: وهبت نفسي لك، فإن شاء تزوجها، وإن لم يردها له أن يزوجها غيرها، مثل ما حصل في حديثها... ابن سعد، فجاءت امرأة ووهبت نفسها للنبي عليه الصلاة والسلام، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يحتاج لها، فقال الرجل: يا رسول الله، إن كنت لا تحتاج لها فزوجنيها. فقال: «هي لك». ثم قال له: «أعطيها شيئاً». فقال: والله ليس معي شيء. قال: «التمس ولو خاتماً من حديد». فالتمس، ذهب يبحث عن هذا الخاتم، فلم يجد. فقال: يا رسول الله، ما وجدت شيئاً. فقال: «أتحفظ أو ماذا تحفظ من القرآن؟» قال: أحفظ سورة كذا وكذا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «زوجتكها بما معك من القرآن»، أي: أن تعلمها هذا القرآن الذي معك، تحفظه إياها. وهذا الحديث فيه أنه يجوز أن يكون المهر غير النقد، كما هو رواية عن أحمد، وهو الصحيح، خلافاً لقول الجمهور. طيب، فهنا النبي... ربنا جل وعلا جعل هذا الأمر خاصاً بالنبي عليه الصلاة والسلام، أن المرأة تهب نفسها له. لو جاءت امرأة الآن وقالت: أنا وهبت نفسي لفلان، فهل هذا يجوز؟ لا، ما يجوز، هذا ما يجوز. لابد أن يتزوجها بوليها، أن يعقد عليها عبر وليها: أبوها أو من يتولاها. وأما أنها هي تهب نفسها لرجل فهذا لا يجوز، لابد أن يكون العقد عبر الولي. أما هذه فقاصة من النبي عليه الصلاة والسلام، خالصة لك من دون المؤمنين. وقال بعد ذلك: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ ﴾، معناه: من أردتها أخذها، ومن لم تردها لا تأخذها. أنا ليس لازم عليك أن كل امرأة تهب نفسها لك فلابد أنك تأخذها، فإن أردتها أخذها، وإن لم تردها فلا تأخذها. فقالت عائشة: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك». ثم ذكر: قال: حدثنا حبان بن موسى، وهو المروزي. قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك. قال: أخبرنا عاصم الأحول، عن معاذة. ومعاذة هي التي سألت عائشة رضي الله عنها عن... عن كيف قالت لها: هل إذا تركت المرأة الحائض الصلاة أو الصيام هل تقضيها؟ قالت: لا. فقالت لها: أحرورية أنتِ؟ قالت: لا، إنما أسأل. فقالت: كنا نؤمر بقضاء الصيام، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. قال: عن معاذة، وهي معاذة العدوية، عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾. قال: فقلت: ما كنت تقولين؟ أنا أقول... تقول معاذة لعائشة: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له: «إن كان ذاك إلي فإني لا أريد يا رسول الله أن أؤثر... أن أؤثر عليك أحداً». أن لو كان الأمر لي أو إلي، لما آثرت بالنبي عليه الصلاة والسلام أحداً عليّ. فخلاصة ما يذكر في هذا الباب: أن الله عز وجل خص النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، وأن النساء يهبن أنفسهن لرسول الله، وأن الله عز وجل خير نبيه عليه الصلاة والسلام، ولم يلزمه... ولم يلزمه أنه يأخذهن، وإنما جعله بالخيار: إن شاء أخذها، وإن شاء لم يأخذها. خيب إن شاء الله تعالى، نكتفي بهذا، والله أعلم. ترجمة نانسي قنقر