الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 205، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع معنى قوله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾ مبينًا أن عذاب الساعة أعظم وأمرّ من هزيمة الكفار في الدنيا، ثم يسرد إسناد الحديث الوارد في الباب عن إبراهيم بن موسى، وهشام بن يوسف قاضي صنعاء، وابن جريج، ويوسف بن ماهك مع توضيح ضوابط التمييز بين الرواة المسمين بهشام.
تذكر عائشة رضي الله عنها نزول آية {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} بمكة وهي جارية، ويسأل عمر عند سماعها: أي جمع يُهزم؟ ثم يدرك يوم بدر أن المراد جمع قريش حين سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}، ويختتم المقطع ببيان رجال الإسناد: إسحاق بن شاهين، وخالد بن عبد الله الواسطي عن خالد الحذاء عن عكرمة مولى ابن عباس.
ألح النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء داخل قبة بدر قائلاً: "اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم"، لا تهديداً بل لتثبيت قلوب أصحابه وإيقانهم بالنصر، فقال أبو بكر: "حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك"، ثم خرج النبي يقرأ آيات النصر فهزم الله المشركين فقتل منهم سبعين وأسر سبعين.
يذكر المقطع الآية الكريمة التي تُبيّن أن المصيبة التي أصابت المؤمنين هي نتيجة لأعمالهم، وأنهم يتساءلون عن مصدرها فيُقال لهم إنها من عند أنفسهم، ويختتم المقطع بالشكر للمشاهدة.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾". يعني: من المرارة. ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ﴾ أي: أعظم الداهية. عظيمة الداهية هو الشيء العظيم. ﴿أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾ أي: أمر في العذاب من المرارة، كما قال الإمام البخاري. أي: الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾، يعني: لما توعد الله عز وجل المجرمين وأنهم في سَعَرٍ، أي: في عذاب شديد، قال: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾. وأيضًا لأجل أن هزيمتهم في الدنيا: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾: أن هذه الهزيمة التي تصيبهم في الدنيا لا شيء أمام العذاب الذي سيلحقهم يوم القيامة. قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، وهو الفراء الملقب بالقصير. وهناك تجد بعض أهل الحديث فيهم ألقاب ليست مطابقة لما هم عليه، وحتى بعضهم يلقب بالضعيف؛ كالمعاوية بن عبد الكريم يلقب بالضعيف وهو ثقة حافظ، لكن الألقاب تسري في الناس، فتجد إنسانًا يقال له: "أنت كذا"، فيلتصق هذا اللقب به. قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا هشام بن يوسف. هشام بن يوسف: قلنا إذا كان هشام عن ابن جريج أو عن معمر فهو هشام بن يوسف، هشام بن يوسف من قاضي الصنعاني، قاضي صنعان. هشام بن يوسف قاضي صنعان. وإذا رأيت هشامًا وجاء بعده محمد بن شرين، فهو هشام بن حسان الكردوسي. وإذا رأيت هشامًا وبعده يحيى بن أبي كثير، فهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي. وإذا رأيت هشامًا بعده قتادة نفسه، فهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي. وإذا رأيت هشامًا بعده عروة، فهو هشام بن عروة بن الزبير. قال: حدثنا هشام بن يوسف، وهو قاضي صنعاء، هشام بن يوسف القاضي. قال: إن ابن جريج أخبرهم. أن ابن جريج جاء إلى اليمن. قال: أخبرني يوسف بن ماهك. ويوسف بن ماهك يعتبر مدنيًا، وقيل أنه مكي، ويقال له: ابن ماهان، وبعضهم فرق بينهما. قال: إني عند عائشة أم المؤمنين، قالت: لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة، وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾. معنى: أنزلت هذه في مكة. وهذا تصريح من عائشة رضي الله عنها أنها تذكر هذه الآية لما نزلت في مكة وهي جارية تلعب. ولهذا كما ذكرنا عن عمر أنه لما نزلت هذه الآية قال عمر رضي الله عنه: "أي وأي جمع يهزم؟" أي جمع يهزم، كما ذكر ذلك عبد الرزاق وغيره عن عمر. معنى: لما سمع هذه الآية وهو في مكة، فقال: "أي جمع هذا يهزم؟" قال: فلما كان يوم بدر رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يثب في الدرع وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. أنا علم عمر أن هذا الجمع هو جمع من أتى إلى بدر، وهذا الوعد الذي وعده الله عز وجل لنبيه. ولهذا كما ذكرنا في الحديث الذي تقدم، كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو ربه فيقول: "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، عهدك ووعدك"، أي: بنصري وبهزيمة هؤلاء الكفار. والمراد به كما قلنا هذه الآية: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. قال: فهذه الآية نزلت في مكة. قالت عائشة: أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة، وإني لجارية ألعب. قال: وحدثنا إسحاق، قال: حدثنا خالد. وإسحاق هنا ليس هو ابن إبراهيم، غالبًا ابن إبراهيم. الحظ لي يكون بعده "أخبرنا". أن "أخبرنا" ملازمة لإسحاق، لكن هنا يقول الحافظ أنه إسحاق بن شاهين، إسحاق بن شاهين وهو بصري. قال: حدثنا خالد. عن خالد. خالد عن خالد: إذا رأيت خالدًا عن خالد، فخالد الأول هو ابن عبد الله الواسطي، والثاني هو خالد بن مهران أبو المنازل، خالد الحذاء أبو المنازل. أنا هذا ليس هناك رواية خالد عن خالد إلا رواية الواسطي عن أبي المنازل. فإذا رأيت خالدًا عن خالد فهو... أقصد في الصحيحة، فكان في البخاري أو في المسلم: خالد بن عبد الله الواسطي عن شيخه خالد بن مهران الحذاء أبو المنازل، أبي المنازل. قال: عن عكرمة، وهو مولى ابن عباس، أبو عبد الله البربري. فأنا من أصله بربري، وكان مولى ابن عباس، أعتقه ابن عباس وصار مولى له، وكان موسوعة علم. قال: عن ابن عباس، النبي عليه الصلاة والسلام قال وهو في قبة له يوم بدر: "أنشدك عهدك ووعدك، أنشدك عهدك ووعدك". وأنشدك: أي من الإنشاد، وهو ألح عليك، ألح عليك وأكرر عليك بدعائي. قال: قال: "اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا". وهذا كما قلنا ليس من النبي صلى الله عليه وسلم كالتهديد، لا؛ لأن الله عز وجل لا يقابل بمثل هذا، لكن أراد النبي عليه الصلاة والسلام تثبيت أصحابه، وفلح على الله عز وجل بالدعاء، فقال: "اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا". ولهذا قال بعض الشراح: "هل هنا يكون مقام أبي بكر أفضل من مقام النبي صلى الله عليه وسلم؟" لا. معنى صحيح أن أبا بكر كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: "حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك"، كما ذكرنا قبل. أن مقام النبي عليه الصلاة والسلام أعظم؛ لأنه إنما ألح على ربه ليس لأجله، وإنما لأجل أصحابه، لأجل أصحابه حتى يثبتهم، ويعلمون أن النصر قادم. فالنبي عليه الصلاة والسلام ما ألح على ربه وكرر الدعاء إلا ليستيقن الصحابة رضي الله عنهم أنهم منصورون. ولهذا كما قلنا جاء عن جابر بن عبد الله وغيره قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة، وهو في قبة يوم بدر، فرأيته ساجدًا وأبو بكر عن يمينه وهو يدعو. ثم قال: فخرجت، فخرجت فقاتلت، ثم جئته فرأيته ساجدًا يدعو. قال: فهذا فأيقنت بالنصر. قال: فأيقنت بالنصر. فالنبي عليه الصلاة والسلام ما ألح على ربه إلا لتثبيت أصحابه، أصحابه. قال: فأخذ أبو بكر بيده وقال: "حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك". وهو في الدرع، الدرع هو ظهر القبة. فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾. فهزم الله عز وجل المشركين، فقتل... أو فقتل منهم سبعون، وأسر منهم سبعون. ولهذا لما... معنى: أسر أو قتل سبعون رجلًا في يوم أحد، قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾. ﴿قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾: أي في بدر هم أصابوا منكم قتلًا وأسرًا سبعين، في أحد. لكن في بدر قتلوا من المشركين سبعين، سبعين رجلًا، وأسروا سبعين. فقال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾. فهذا إن شاء الله ما يذكر الله تعالى. شكرًا للمشاهدة. شكرًا للمشاهدة. شكرًا للمشاهدة.