التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 34

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 34

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بداية الهداية: توبيخ عابدات الأصنام وتحية الإسلام

رأى أبو ذر امرأتين تطوفان بالكعبة وتدعوان الصنمين إساف ونائلة فوبخهما بقوله: «أنكحا أحدهما الأخرى»، فهربتا تولولان. التقى النبي ﷺ وأبو بكر بالمرأتين فسألهما عن بكائهما، ثم جاء أبو ذر إلى النبي ﷺ فسلم عليه بتحية الإسلام فكان أول من حيا بها.

تفاصيل إسلام أبي ذر: من اللقاء السري إلى الجهر في المسجد

أرسل أبو ذر أخاه للاستطلاع ثم توجه إلى مكة والتقى بعلي بن أبي طالب الذي دلّه على النبي ﷺ فأسلم عنده وأمره بكتمان إسلامه. أعلن إسلامه جهرةً في المسجد فتعرض للضرب الشديد وأنقذه العباس، وذكر أنه كان رابع من أسلم.

العودة إلى القبيلة: دعوة غفار وأسلم ودعاء النبي

مكث أبو ذر ثلاثين يوماً لا يأكل إلا ماء زمزم حتى آواه أبو بكر وأطعمه، ثم أمره النبي بالعودة إلى قومه غفار لدعوتهم فأسلم نصفهم قبل الهجرة وبقيتهم بعدها. أسلمت قبيلة أسلم بسرعة فدعا لهما النبي: «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله».

ترتيبه في السبق إلى الإسلام وخاتمة الحديث

أشار المتحدث إلى أنه لم يكن يعلم بمن أسلم قبله إلا من عرفهم مثل أبي بكر وعلي وخديجة، وظن أنه رابع من أسلم. ثم ختم حديثه بالاكتفاء بهذا القدر من السيرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. نازلنا في كنا نقرأ في إسلام أبي ذر ما ذكره العلامة الذهبي في رواية مسلم من حديث عبد الله بن الصامت ابن أخي أبي ذر عن أبي ذر، قال رحمه الله: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء مضيئة، فيها ضوء كثير، قد ضرب الله على أصمخة أهل مكة، على الصمخة التي بين الأذن والرأس، قال: فما يطوف بالبيت أحد غير امرأتين، فأتتا علي، يعني كأنه حصل لأهل مكة شيء من المطر أو غيره حتى منعهم أن يخرجوا، فما وجد أبو ذر إلا امرأتين يطوفان بالبيت، قال: فأتتا علي وهما تدعوان إسافاً ونائلة، فأتتا علي في طوافهما، فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى، قال: فما تناهتا عن قولهما، لما قال لهم: هل تنكح هذه؟ أو إساف ينكح نائلة؟ وهذه إساف ونائلة، يقال إنهما رجل وامرأة زنيا في الكعبة، فزنيا، معنى إساف: زنى بنائلة في الكعبة، فحولهما الله عز وجل إلى حجار، فجاء هؤلاء الجهل وعبدوهم من دون الله، جاءوا هؤلاء الجهل وعبدوهم، فقال أبو ذر: أنكحا أحدهما الأخرى، حتى يريد أن يثنيهما عن قولهما أنهما يدعون إسافاً ونائلة، قال: فما تناهتا عن قولهما، وفي لفظ: فما تناهما ذلك عما قالتا، فأتتا علي، فقلت: هيهات مثل الخشبة، أنا كلما طافا فرتا من عند أبي ذر، فكان يقول لهن: هيهات مثل الخشبة، غير أني لا أكني، فانطلقتا تولولان، وأنا يقول لهذا الخشبة: أنتم الآن تعبدون خشب صنم، قال: فانطلقتا تولولان، والولوال هو الذي يأتي بكلام بصوت كبير ولا يدري ما يقول، قال: فانطلقتا وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا، فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وهما هابطان من الجبل، فقالا لهما: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها، الصابئ هو الذي غير دينه، وقيل إن الصابئ هم عباد الكواكب، لكن هنا المراد بالصابئ هو الذي يغير دينه، فكان العرب يطلقون على من غير دينه صابئاً. وفي هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام التقى بأبي ذر مع أبي بكر، لكن في رواية ابن عباس سيأتي أنه لقي علياً، قال: فقال ما قال لكما؟ قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم، أنا كلمة كبيرة، أنا يقولون هذه كبيرة من ناحية القبح، كما يقولون: أنا تكلم على أصنامهم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فاستلم الحجر ثم طافا، فلما قضى صلاته أتيته، فكنت أول من حياه بتحية الإسلام، فقال: «وعليك السلام ورحمة الله»، ثم قال: ممن أنت؟ قلت: من غفار، فأهوى بيدي فوضعها على جبينه، فقلت في نفسي: كره أني أنتميت إلى غفار، فهويت لآخذ بيده، فقدعني صاحبه، قدعني، مع أنه ضربني أو كفني ومنعني أن آخذ يده، قال: وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه فقال: متى كنت هاهنا؟ قال: قلت: قد كنت هاهنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم، أنا بين ثلاثين يوماً، وهو في مكة ولم يلقَ النبي عليه الصلاة والسلام إلا تلك الليلة، قال: فمن كان يطعمك؟ قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنها مباركة، إنها طعام طعم، وشفاء سقم»، إنها طعام طعم، وشفاء سقم، الظاهر أن «شفاء سقم» هذه ليست في صحيح مسلم، الله أعلم، يحتاج إلى التأكد. قال أبو بكر: «آذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة»، ففعل، فانطلقنا، وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر باباً، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، فكان ذلك أول طعام أكلته بها، قال: فغبت ما غبت، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنا بقيت ما بقيت، قال: فقال: «إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل، لا أحسبها إلا يثرب»، فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟ قال: فانطلقت حتى أتيت أخي أنيساً، فقال لي: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني أسلمت وصدقت، ثم أتينا أمنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فأسلمت، ثم احتملنا حتى أتينا قومنا غفار، فأسلم نصفهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة، ولهذا دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «غفار غفر الله لها». قال: وكان يؤمهم خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري، وخفاف ممن حضر بدراً، وجاءت ابنته إلى عمر رضي الله عنه فأعطاها وأكرمها، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، ما لك تكرم هذه المرأة؟ قال: عرفت حق هذه المرأة، فإن أباها وأخاها دخل حصناً كان الكفار يتحصنون فيه ففتحوه لأهل الإسلام، قال: وكان سيدهم يومئذ، وقال بقيتهم، معنى سيدهم هو خفاف بن إيماء، قال: بقيتهم: إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسلمنا، فقدم المدينة فأسلم بقيتهم، وجاءت أسلم، أسلم أيضاً من القبائل التي أسلمت سريعاً، وجاءت أسلم، لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأسلم سالمها الله»، فقالوا: يا رسول الله، إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه، أي غفار، فأسلموا، فقال عليه الصلاة والسلام: «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله». أخرجه مسلم عن هدبة عن سليمان بن المغيرة، هدبة بن خالد البصري عن سليمان بن المغيرة بالإسناد الذي ذكره رحمه الله في أول الحديث، أنا من طريق حميد بن هلال، سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر. قالوا: في الصحيحين من حديث المثنى بن سعيد عن أبي جمرة الضبع أن ابن عباس حدثهم بإسلام أبي ذر، وهذا أيضاً أقوال، وهذا أقصد أخصر من حديث عبد الله بن الصامت، وفيه أشياء ليست موجودة فيه، قال: أن ابن عباس حدثهم بإسلام أبي ذر، قال: أرسلت أخي، فرجع وقال: رأيت رجلاً يأمر بالخير، أي أنيس يقول لأبي ذر: رأيت رجلاً يأمر بالخير، فلم يشفني، فأتيت مكة، فجعلت أعرفه، وأشرب ماء، وأشرب من زمزم، فمر بي علي، أي علي بن أبي طالب، فقال: كأنك غريب، قلت: نعم، قال: انطلق إلى المنزل، فانطلقت معه فلم أسأله، فلما أصبحنا جئت المسجد، ثم مر بي علي، فقال: أما إن آن لك أن تعرف؟ قلت: لا، قال: قال: ما أمرك؟ قلت: إن كتمت علي أخبرته، أنا أخبره بعد ثلاثة ليال، سأله علي، قال: ثم قلت: بلغنا أنه خرج نبي، قال: قد رشدت، رشدت، اتبعني، أنا يقول له علي لما سأل عن النبي: «قد رشدت، فاتبعني»، قال: فأتينا النبي عليه الصلاة والسلام، فقلت: أعرض علي الإسلام، فعرضه علي، فأسلمت، هذا يدل على أنه هو الذي ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون قضية أنه رآه النبي صلى الله عليه وسلم في الحرم هذا بعد إسلامه، فقال: «اكتم إسلامك، وارجع إلى قومك»، قلت: والله لأصرن بها بين أظهرهم، فجاء إلى المسجد وقال: يا معاشر قريش، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فقاموا فضربت لأموت، أنا ضربت حتى كنت أموت، قال: فأدركني العباس، فأكب علي، وقال: تقتلون، ويلكم، رجلاً من بني غفار، ومتجركم وممركم على غفار، فأطلقوا عني، قال: ثم فعلت من الغد كذلك، وأدركني العباس أيضاً. وقال: النضر بن محمد اليمامي، حدثنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل، وهو سماك بن الوليد، عن مالك بن مرثد عن أبي ذر، قال: كنت رابع الإسلام، قال أبو ذر: كنت رابع الإسلام، أسلم قبل ثلاثة نفر، أتيت النبي عليه الصلاة والسلام، فقلت: «السلام عليك يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله»، فرأيت الاستبشار في وجهه، وهذا إسناد صحيح، وقد يكون قوله: أنا رابع الإسلام، هذا على ما كان يراه، لأنهم كانوا في فترة السر، فلهذا لم يعلم أن هناك من أسلم قبله إلا ما عرفهم، كالصديق لعله وعلي وخديجة، وظن أنه هو الرابع. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله أعلم.