الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 83، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان المسلمون في المدينة يخرجون كل صباح إلى الحرة منتظرين قدوم النبي صلى الله عليه وسلم. أهدى الزبير بن العوام ثياباً بيضاء للركب، وبصر بهم يهودي من مكان مرتفع ونادى بأعلى صوته معلناً وصول المنتظر.
دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة من الحرة الجنوبية ونزل في بني عمرو بن عوف بقباء يوم الاثنين من ربيع الأول. خطب أبو بكر والناس يظنون أنه الرسول لصمت النبي، فلما أصابت الشمس النبي ظلله أبو بكر بردائه فعرفوه.
أقام النبي صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف نحو أربع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء، ثم بركت راحلته عند موضع مسجده بالمدينة. كان المربد للتمر يملكه غلامان يتيمان، فاشتراه منهما رغم عرضهما هبته، وأزال ما فيه من خرب وقبور مشركين، وبنى عليه المسجد النبوي.
يُشير المقطع إلى استضافة أبي أيوب الأنصاري وزيد بن خالد للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم يختم المتحدث الدرس الحالي موضحاً أنه سيكمل في الدرس اللاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام الذهبي رحمه الله في سياقه لحادثة الهجرة، أي هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة: "وقال الوليد بن محمد الموقري وغيره عن الزهري: قال فأخبرني عروة أن الزبير كان في ركب تجار بالشام، فقفلوا إلى مكة، أي رجعوا إلى مكة، فعارضوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر بثياب بياض. وسمع المسلمون بمخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرون". الحرة -كما ذكرنا قبل- أن المدينة لها حرتان: حرة شمالية وحرة جنوبية، والحرة هذه هي الحجارة السوداء التي تسمى حجارة الزيت. فكان المسلمون في المدينة يخرجون حتى يستقبلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، على كل صباح يخرجون حتى يردهم نحر الظهيرة، حين تبلغ الشمس منتهاها من الاختفاع، فيقال: نحر الظهيرة، وغالبًا يكون قبل الزوال. قال: "فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظاره، فلما أووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من يهودي أطمًا من آطامهم لشأنه". والأطم: معنى مرتفع، مكان مرتفع أو حصن. فبصر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مبيضين، والمبيضين: معنى فيهم لباس أبيض أهداه لهم الزبير بن العوام. قال: "يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرونه". والجد: الحظ والحاجة التي تنتظرونها. قال: "فعدل بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف من الأنصار". عن العن الداخل، الداخل من الحرة الجنوبية، يكون مسجد قباء عن يمين. يكون مسجد قباء عن يمين، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء من الحرة الجنوبية، فلم يأتِ من طريق مكة المدينة المشهور، فيأتي على مسجد الجمعة، وإنما جاء من طريق الساحل، فجاء من طريق الحرة الجنوبية، فدخل المدينة من طريق الحرة الجنوبية، ويكون قباء على يمين. فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم مشى على اليمين أول ما دخل المدينة بعد الحرة، مشى على يمينه حتى وصل إلى قباء. قال: "نزل في بني عمرو بن عوف من الأنصار، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، وكان يوم عظيم، حتى قال أنس: ما رأيت أفضل يوم وأعظم يوم في المدينة في دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال: "فقام أبو بكر يذكر الناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يرَ رسول الله يحسبون أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه برداء. كان الناس يظنون أن الرسول هو أبو بكر؛ لأنه كان يتكلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم صامتًا، فلما جاءت الشمس إلى النبي عليه الصلاة والسلام ظلله أبو بكر برداء، فعرفوا أنه رسول الله". قال: "فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، فصلى فيه"، أي مسجد قباء. "ثم ركب راحلته، فأرسلها، فمشى معه الناس حتى بركت بالمدينة عند مسجده صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قد صح أنه قال: دعوها فإنها مأمورة". قال: "وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدًا للتمر". والمربد: هو المكان الذي يوضع فيه التمر حتى يجف، حتى يجف التمر. قال: "وكان مربدًا للتمر لسهل وسهيل، غلامين يتيمين أخوين في حجر أسعد بن زرارة من بني النجار". والنبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم نزل في بني النجار، وهم أخواله. فقال: "وقال حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل". ثم دعا الغلامين فساومهما المربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك. فأبى حتى ابتاعه، فابتاعه أي اشتراه، وبنى ذلك المكان الذي كان فيه المربد، وكان فيه بعض الخرب التي فيها قبور بعض المشركين، فأزاحها. وقال عبد الوارث بن سعيد وغيره: قال حدثنا أبو التياح، وهو يزيد بن حميد، عن أنس قال: "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة نزل في علو المدينة ببني عمرو بن عوف، فقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا متقلدين سيوفهم، فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب". متفق عليه. أي بفناء أبي أيوب، عند بيته. ثم استضافه أبو أيوب الأنصاري، زيد بن خالد. فوفق النبي عليه الصلاة والسلام، طيب، إن شاء الله تعالى نكمل في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.