شرح حديث ابن عمر في زكاة الفطر 1

شرح حديث ابن عمر في زكاة الفطر 1

الدرس في شرح حديث ابن عمر في زكاة الفطر 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل زكاة الفطر ووجوبها وشروط أدائها

يستعرض المحور فضيلة زكاة الفطر كونها طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، ويبين وجوبها على كل مسلم صغيرًا كان أو كبيرًا، حرًا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، بشرط حضور ليلة العيد وامتلاك قوت يوم العيد وليلته وزيادة عن حاجة من تلزمه نفقته. كما يوضح مقدارها بصاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط، وتقديم الوالدين ثم الزوجة والأبناء في الإخراج، وجواز إخراجها من الزكاة الواردة.

أصناف زكاة الفطر وتوقيت إخراجها وأقوال المذاهب

يبين المحور أن زكاة الفطر تجب من قوت البلد الذي يقتاته الناس كالأرز والدقيق ولا تقتصر على الأصناف الأربعة الواردة في الحديث، مستدلاً بعمل الصحابة بإخراج البر. ويحدد وقت الوجوب بليلة العيد ويومه قبل الصلاة، مع ذكر خلاف العلماء في التعجيل: جواز يوم أو يومين عند المالكية والحنابلة، ورخصة الشافعي في أول رمضان وأبي حنيفة قبله، والأصل التأخير لوقت الوجوب.

حكم اقتطاع الحكومة زكاة الفطر وإبراء الذمة

يناقش المحور حكم اقتطاع الحكومة قيمة زكاة الفطر من راتب الموظف، مبيناً أن ذمة الموظف تبرأ إذا قامت الحكومة بشراء الطعام وتوزيعه على المساكين. أما إذا علم الموظف يقيناً أن الحكومة لا تؤديها في مصرفها الشرعي، فلا تبرأ ذمته، ويستحب له إخراجها احتياطاً وجعل ما اقتطعته الحكومة صدقة تطوع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، على ما أنعم به سبحانه وتعالى علينا من النعم الكثيرة، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. ومن أعظم هذه النعم أن بلغنا هذه الأيام والليالي المباركة، العشر الأخير من رمضان، فهي ليالي مباركة وأيام أيضًا كذلك مباركة. كان النبي عليه الصلاة والسلام يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها. وفي هذا، أو في هذه الأيام، تعلمون أن هناك أحكامًا ينبغي للمسلم أن يعرفها وأن يتعلمها، ولعل قد دخل مسامعكم شيء من هذه الأحكام، لكن من باب المشاركة ومن باب التذكير نذكر في هذا المقام بعض أحكام زكاة الفطر، لأن زكاة الفطر من المهمات التي ينبغي للصائم أن يعرفها ويعرف أحكامها. وأيضًا زكاة الفطر هي مما أنعم الله عز وجل به على عباده، فجعل لهم هذه الزكاة وهذا التطهير، كما جاء في حديث عبد الله بن عباس: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين». فهذا نعمة عظيمة جعلها الله عز وجل لعباده، فما أصاب من اللغو - الكلام الذي لا فائدة فيه، أو الكلام الذي يضر، وكذلك الفعل - وكذلك أيضًا الرفث، الكلام الفاحش وغيره، إذا أصابه الإنسان في صيامه، فإن زكاة الفطر تطهره. زكاة الفطر جعلها الله عز وجل من المزكيات والمطهرات، فهناك مطهرات قبلها وهي التوبة والاستغفار، وأيضًا الدعاء وغيرها من هذه الأمور، ثم تأتي بعد ذلك زكاة الفطر فتمحو ما قد فعله الإنسان في الصيام، فهذه نعمة. فلذلك نحتاج إلى التذكير بهذه السنة، أي سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي واجبة: سنة واجبة. معنى سنة: أي فرضها النبي عليه الصلاة والسلام. فمن الأحاديث التي جاءت في زكاة الفطر، التي خرجها البخاري ومسلم وغيرهما من أهل السنن، ما جاء عن نافع، من طرق عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الذكر والأنثى». وجاء في رواية: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر، وصاعًا من شعير، وصاعًا من زبيب، وصاعًا من أقط، على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين». قال عبد الله بن عمر: «فعدل الناس عن الصاع إلى نصف صاع من البر». أنا لما جاء البر كان البر قليلاً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما كثر البر في عهد عمر لما فتحت الشام، ثم تكاثر في عهد معاوية، فكان الناس بعد ذلك يخرجون البر بدل الشعير. فلذلك جاء في حديث أبي سعيد الخدري، قال أبو سعيد: «كنا نخرج زكاة الفطر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعًا من تمر، وصاعًا من زبيب، وصاعًا من شعير، وصاعًا من أقط». الأقط هو اللبن المجفف. قال: «فلما جاء معاوية وجاءت السمراء - أي البر الأسمر - عدل الناس بنصف صاع من البر». قال أبو سعيد: «وأما أنا فلا أزال أخرجها على ما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يخرجها صاعًا». فهذا الحديث يبين معنى بعض الأحكام. فقال ابن عمر: «فعدل الناس إلى نصف صاع من البر». قال نافع: «وكان ابن عمر يخرجها قبل العيد بيوم أو يومين، وكان يعطيها من يقبلها». بيوم قبل العيد بيوم أو يومين. وجاء في رواية أخرى: «وعمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، صلاة العيد، قبل خروج الناس إلى الصلاة، قبل الصلاة تؤدى زكاة الفطر». فهذا الحديث قد جمع عدة أحكام، نتكلم على بعضها في هذا المجلس إن شاء الله تعالى. أولًا: زكاة الفطر هي من الطهارة، زكاة معناها طهارة ونماء، والفطر نسبت إلى الفطر لأن هذه الزكاة لأجل فطر الإنسان. فلذلك لا بد أن يحضر الشخص ليلة غروب الشمس، ليلة العيد. ما تجب عليه إلا إذا حضر، حضر ليلة العيد بغروب الشمس. إذا غربت الشمس وهو حي فإنه يخرج عنه. إذا مات قبل غروب الشمس من ليلة العيد ليس عليه شيء، أو ليس عليه زكاة الفطر. أن لو آذن إنسانًا مثلاً مرض في رمضان ومات قبل أن تغرب الشمس من ليلة العيد، فهنا ليس عليه زكاة الفطر، ليس عليه زكاة الفطر، ولا يخرج عنه زكاة الفطر. كذلك أيضًا العكس: المولود، المولود الذي يخرج عنه لا بد أن يحضر ليلة العيد، وأيضًا يحضر رمضان. إذا حضر رمضان وليلة العيد زكي عليه. وإذا خرج، معنى إذا ولد في ليلة العيد، لا يزكى عليه. لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام علق الزكاة بأمرين: معنى بالصيام والفطر: «طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين»، فهي معلقة بالصيام وبالفطر. فمن حضر وقت الصيام ولم يحضر وقت الفطر فلا زكاة عليه، وكذلك أيضًا من حضر وقت الفطر ولم يحضر وقت الصيام فلا زكاة عليه. فلذلك هنا لا بد أن تكون هذه فرض الزكاة في هذا الوقت. فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، فهي واجبة على كل مسلم، واجبة على كل مسلم. لكن كما سيأتي في التفصيل أن تخرج عنه أو يخرجها بنفسه. فقال ابن عمر: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط». فهنا فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل أحد. ننظر إلى أن زكاة الفطر مفروضة على كل أحد، وقد فرضت هذه الزكاة على قول أكثر أهل العلم في نفس السنة التي فرضت فيها الصلاة، أعني فرضت - أي أقصد الصيام - في نفس السنة، وهي السنة الثانية من الهجرة التي فرض فيها الصيام، فرضت فيها زكاة الفطر، وهذا قول أكثر العلماء. فلذلك فزكاة الفطر مفروضة على كل أحد، مع أن الزكاة - زكاة المال - ليست على كل أحد، لكن زكاة الفطر فرضت على كل المسلمين، حتى الصغير، حتى المملوك، حتى المجنون. وبسبب أن هذه الزكاة هي من زكاة المال التي تفرض على المال، فرضت على مال الإنسان، فقد يكون الإنسان صغيرًا لكن عنده مال، فلذلك فرضت هذه الزكاة على كل مسلم. وأما الكافر، فالكافر حتى لو أخرجها فإنها لا تقبل منه. فلذلك فهذه الزكاة تجب على كل مسلم. والشرط الثاني: أن يكون قادرًا على إخراجها، معنى يملك القوت الذي يستطيع أن يخرجها. ولهذا قال أكثر العلماء: أن هذه الزكاة تجب على المسلم الذي عنده قوت ليلته ويوم العيد، ليلة العيد ويوم العيد، ففضل عن ذلك، زاد عن ذلك، متى تجب عليه؟ إذا كان عنده قوت ليلة العيد ويومها، وأيضًا زاد على هذا. وأيضًا كذلك ليس قوته فقط، وإنما قوته وقوت من يملك نفقته، معنى من كانت تجب عليه نفقته، النفقة الواجبة، معنى من الأبناء والزوجة والوالدين، وهكذا من تجب عليك نفقته. وأدخل بعض العلماء أيضًا كل من أنفقت عليه، معنى من إخوانك، من أخواتك، فيجب عليك إذا كان عندك قوتك وقوته، من تملك نفقته ليلة العيد ويومه، وفضل وزاد على ذلك، فإنك تخرجه. إذا زاد على هذا الحد ما زاد تخرجه. وأما إذا لم يكن معك إلا قوتك وقوت عيالك ليلة العيد ويومه، فهنا لا تخرجه شيئًا، ليس عليك واجب أن تخرجه. وأما إذا كان زاد، فما زاد تخرجه. على نفسك أولاً: تخرج أولاً عن نفسك. إذا كان زاد معك صاع تخرج هذا الصاع عن نفسك. إذا كان زاد صاعًا آخر تخرجه عن إحدى والديك. وهذا قول جماعة من أهل العلم، من المشايخ، الإسلام، أنهم قدموا الوالدين على الأبناء والزوجة، قدموا الوالدين على الأبناء والزوجة. لماذا؟ لأن الوالدين لهم حقوق أكثر من الأبناء والزوجة، من ناحية البر والصلة، من ناحية البر والصلة، فلهما حق عظيم، وأمر الله عز وجل بصلتهما والإحسان إليهما، وقرن طاعتهما بطاعته جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. فلذلك كان حقهما أعظم. لكن إذا لم يكن معه إلا صاع واحد، فهل يقدم الأب أو تقدم الأم؟ فقالوا: تقدم الأم، لأن برها أعظم من بر الوالد. النبي عليه الصلاة والسلام لما سأله ذلك الرجل، فقال: «يا رسول الله، من أحق بحسن صحابتي؟» قال: «أمك». قال: «ثم من؟» قال: «أمك». قال: «ثم من؟» قال: «أمك». قال: «ثم من؟» قال: «أبوك» أو قال: «أبوك». فهذا الحديث يدل على أن الأم لها حق أعظم من حق الأب في مسألة الصلة والبر، على صلتها أعظم، وغالبًا الأم تحتاج إلى الصلة أكثر من الأب لأنها امرأة ضعيفة، فتحتاج إلى من يكون بجنبها. فالمهم أن الأم تقدم على الأب في ذلك، ثم بعد ذلك يأتي الزوجة ثم الأبناء. فكل ما كان معك صاع تخرج عن هؤلاء. وإذا كان مثلاً الإنسان لا يقدر، لكن جاءه زكاة، معنى بعضهم يقدمون الزكاة، جاءه زكاة قبل أن يخرج، فهل يخرج من هذه الزكاة؟ أن بعض الناس مثلاً يعطى، يعطى زكاة قبل أن يخرج زكاة، فهل يخرج من هذه الزكاة؟ لأن كثير من الناس الآن استشكلوا هذا، وهذا مما لا خلاف فيه أنه يجوز. لماذا؟ لأن الإنسان متى ما أعطي شيئًا دخل ملكه، فهو خلاص داخل ملكه، له أن يتصرف فيه، ماله أصبح مالًا له. الإنسان إذا أعطاك صدقة مثلاً، هذه الصدقة تعتبر مالًا لك، تتصرف فيها كيف شئت. أيضًا أعطاك زكاة فطر، أيضًا تعتبر من مالك، لك أن تتصرف فيها كيف شئت، ممكن تبيعها إذا احتجت مثلاً إلى مال. معنى: هل يقال أنه لا يجوز بيعها؟ لا، يجوز، ممكن تبيعها إذا احتجت إلى المال. لكن ليس معنى ذلك أنه مثل ما يفعله كثير من الشباب، هداهم الله، وبعض أيضًا الآباء، يأخذ زكاة الفطر ويبيعها لأجل القات ويترك أولاده بدون طعام، فهذا من أشد الظلم والجور. فلذلك له كما قلنا أن يبيعها، ويحتاج مثلاً إلى مال لأجل سداد ديون، لأجل كذا، فلذلك فله أن يخرج زكاته منها، لأنه يخرج زكاته منها. فلذلك كما قلنا أن من ملك في ذلك اليوم، ليلة العيد ويومه، ملك الطعام، صار في ملكه، فله أن يخرج من هذا الطعام ما وجب عليه في الزكاة. ثم أيضًا أنه يخرج هذه الزكاة عن نفسه وعن من ينفق عليه عند جمهور العلماء. لكن من كان معه مال من الرعية، من رعيته، ومن كان تحته عنده مال، هل يجب عليه أن يخرج زكاته؟ مثلاً إنسان امرأة، مثلا زوجه عندها مال، ورثته من أبيها، وعندها أشياء تبيعها وكذا، فهل يجب عليها أن تخرج، أم أنه يجب على الزوج؟ جمهور العلماء يقولون: يجوز أن تخرج لها، أن تخرج عن نفسها، لكن ليس واجبًا، وإنما الواجب على الزوج، الواجب على الزوج أن يخرجها عن زوجته. واستدلوا بعموم أدلة جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، منها حديث صريحة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «أن الرجل يخرجها عن نفسه وعن من يمون». حديث أبي أيوب: «يخرجها عن نفسه وعن من يمون». يمون: معنى من ينفق عنه. وأما هذا الحديث، فوجهه كثير من أهل العلم على أن المراد: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الصغير والكبير، أي أنها تخرج عنه، ممن كان تحت نفقة غيره، تخرج عنه. وهذا يدل عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين، حديث ابن عمر أيضًا، قال: «ليس على العبد صدقة في فرسه ولا في عبده إلا صدقة الفطر». ليس على العبد صدقة في فرسه ولا في عبده، أي مملوكه، إلا صدقة الفطر. فدل على أن صدقة الفطر على المملوك تكون على سيده، لأنه ما عنده مال، والمال الذي يملكه يكون لسيده. فلذلك يستدل بهذا الحديث أيضًا على أن الزكاة يخرجها الولي، من ينفق على هؤلاء، وهذه واجبة عليه. لكن كما قلنا: أجاز العلماء أن الإنسان يخرج عن نفسه. مثلاً الزوجة أرادت أن تخرج عن نفسها تخرج، الصغير معه مال مثلاً يريد أن يخرج عن نفسه، عن نفسه يخرج، الوالد عنده مال يريد أن يخرج عن نفسه يخرج عن نفسه. معنى: بعض الناس يحرص على الأجر، يريد أجرًا لنفسه أولاً، وإن كان إذا أخرجها الإنسان يتحصل على أجر، أجر أداء الفريضة، لكن إذا أخرجها بنفسه أيضًا يتحصل على أجر إخراجها، وأنه بذل المال، فيعتبر أو يعطى من أجر الصدقات، وهي زكاة أيضًا مفروضة. فكما قلنا: فكل واحد عنده مال له أن يخرج عن نفسه. ولهذا هذه الزكاة تجب على كل أحد، حتى المجنون، حتى الصغير. عند جمهور العلماء أنها تخرج، تخرج عنهم، لأن الزكاة تكون على الأموال. الزكاة، سواء كانت زكاة النقد الأموال، أو زكاة الفطر، أو غيرها من الزكوات، هي على المال، كما قال الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، فهي تطهير وتزكية للمال وللبدن، تطهير للشخص نفسه وتطهير للمال، ما نقص مال من صدقة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام، قال ابن عمر: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد من المسلمين». ثم قال: «صاعًا من تمر، صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير، وصاعًا من أقط». ذكر هذه الأصناف في حديث ابن عمر، وكذلك في حديث أبي سعيد، نفس الأصناف التي ذكرت في حديث ابن عمر، وفي حديث أبي سعيد. فقال كثير من أهل العلم: هو قول مالك والشافعي وأحمد، على أن هذه الأصناف ليست تحديدًا أنه لا بد أن تخرج هذه الأصناف فقط، وإنما المراد أنها تخرج ما يطعم الناس وما يقتات الناس. ولهذا جاء في البخاري عن أبي سعيد، فقال أبو سعيد: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من طعام». قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من طعام». قال: «وكان طعامنا يومئذ هكذا». قال أبو سعيد: «وكان طعامنا يومئذ التمر والزبيب والشعير والأقط». لكن الناس يقتاتون هذه الأشياء، عندهم أشياء أساسية، أقوات أساسية يقتاتونها، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه الأربع، ولأنها إطعام، كما جاء في حديث ابن عباس: «وطعمة للمساكين». فإذا كان الإنسان يعطي شيئًا لا يأكله، فهل تكون طعمة له؟ ما ستكون طعمة. مثلاً على سبيل المثال: الشعير، الشعير الآن أكثر الناس لا يأكلون الشعير، بل بعضهم يقول: الشعير للغنم، ما هو للإنسان، يعني خلاص أصبح عنده الشعير ما يعطى للغنم، حتى يستغرب كيف يأكله الإنسان. فكثير من الناس الآن ما يأكلون الشعير، كيف تعطيهم شعيرًا وهم لا يأكلون الشعير؟ فهنا لم تطعمهم، لم تطعمهم شيئًا من الطعام. أيضًا كذلك التمر، التمر الآن أصبح أمر كمالي، فاكهة فقط، وليس قوتًا. خاصة عندنا، بعض المناطق لا زالت التمر عندهم شيئًا أساسيًا، لكن عندنا غالبًا قد يكون خاصة، كثيرًا من الشباب ما يحبون أصلًا أكل التمر، فلذلك أصبح التمر فاكهة، ولم يصبح قوتا أساسيًا. فلذلك كما قلنا: قال العلماء أنه يخرج من القوت الذي يقتاته الناس، يأكلونه، حتى يكون طعمة لهم، حتى يكون لهم أكل وطعام في يوم العيد وفي ليلته. فماذا يصنعون بشيء ليس عندهم قوتًا؟ لو كان مثلاً إنسان أعطى تمرًا للمساكين، سيأكلونه صحيح، لكن ليس قوتا يقتاتونه. لكن يعطيهم ما يقتاتون من الأرز، ومن الدقيق، ومن كذلك غيرهم مما يقتاته الناس ويعقلونه. فلو أنه مثلاً هناك أناس جعلوا المكرونة مثلاً وجبة أساسية، فلا بأس أنه يخرج أيضًا من المكرونة، يكون طعامًا لهم لأنهم يقتاتونها على أنها طعام أساسي. فلذلك تخرج هذه الزكاة من قوت الناس، من قوت الناس. وكما قلنا دل عليه حديث أبي سعيد. ولهذا لما جاءت السمراء، وهذا مما يدل أيضًا على أن الصحابة فهموا ذلك، مما يدل على أن الصحابة فهموا هذا الأمر، أنه لما جاء البر، جاء البر من الشام، وكثر في المدينة، أخرج الناس البر، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره. وهذا دليل صريح على من يقول بأنه لا بد أن يخرج من هذه الأشياء المعينة. بعض الناس يفتي في بعض المناطق، يفتي الناس بهذا، أنه لا بد أن يخرج الأشياء التي دل عليها النص، وهذا كلام غير صحيح، وأيضًا مخالف لفهم الصحابة. الصحابة رضي الله عنهم أخرجوا البر، ولم ينكر عليهم أحد. حتى الذين أنكروا إخراج البر، كأبي سعيد، أنكروا إخراج نصف الصاع، ولم ينكروا إخراج البر. وابن عمر كذلك، صحيح أن ابن عمر عدل عن التمر إلى الشعير لأن الناس يقتاتون، ولم يخرج البر، لكنه لم ينكر إخراج البر. وحتى في كلام ابن عمر أنه قال: «فعدل الناس بنصف صاع من البر بصاع من غيره». وكذلك في حديث أبي سعيد، فهم لم ينكروا إخراج البر. وأيضًا بقية الصحابة كانوا يخرجون، كانت أسماء بنت أبي بكر تخرج البر، وكان أيضًا جابر بن عبد الله يخرج برًا، وغيره من الصحابة أيضًا، معاوية، رضي الله عنهم أجمعين. فلذلك في إخراج البر لم ينكره الصحابة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص عليه. وما جاء في بعض الأحاديث من أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على البر، فهي لا تصح، معنى لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نص على إخراج البر. بل الصحيح أن الذي أخرجه هم الصحابة، الصحابة رضي الله عنهم هم الذين أخرجوا البر. فلذلك كما قلنا: يخرج في زكاة الفطر ما يقتات الناس وما يأكلونه، ويكون لهم طعام أساسي. أيضًا مسألة أخرى، وهي مسألة مهمة، نأخذها إن شاء الله نختم بها: مسألة قوله في الحديث: «فكان عبد الله بن عمر يخرجها قبل العيد بيوم أو يومين، وكان يعطيها من يقبلها، بيوم أو يومين قبل العيد بيوم أو يومين، يعطيها من يقبلها». فهذه الفقرة فيها أن زكاة الفطر وقتها هو ليلة العيد ويومين، هذا وقتها الواجب، لا بد أن تخرج في هذا الوقت، ليلة العيد أو يوم العيد قبل الصلاة، قبل أن يصلي ويخرج زكاة. كما جاء في حديث عبد الله بن عباس، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات». فمن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. فلذلك لا بد أن يؤديها قبل الصلاة، قبل الصلاة، قبل أن يخرج إلى الصلاة، يقسم هذه، هذا آخر وقته. وإلا له أن يقسم في الليل، في ليلة العيد. لكن أجاز كثير من العلماء، كمالك وأحمد، أن يخرجها قبل العيد بيوم أو يومين، معناها ممكن يخرجها في الثامنة والعشرين، في التاسع والعشرين. أما الذي يخرجها في السابعة والعشرين، فهذا لا يدخل في هذا الترخيص. لكن هناك من رخص ما هو أكثر من هذا، وهو الإمام الشافعي رحمه الله، رخص بإخراجها في أول رمضان، إذا صام، قال: لأن العلة إما الصوم والفطر، فإذا صام جاز له أن يعجلها. وأما أبو حنيفة فقال: يجوز حتى قبل رمضان، معناها على أصل التعجيل. لكن الصحيح أن الإنسان يخرجها في ليلة العيد ويوم، هذا الأصل. لكن بسبب ما جاء عن عبد الله بن عمر أنه يترخص في إخراجها قبل العيد، فأجاز هؤلاء العلماء الترخيص، فيخرجها قبل العيد بيوم أو يومين. إلا أن هناك من العلماء من قال: أن ابن عمر لا يخرج الزكاة، يعطيها للمساكين، وإنما يخرجها يعطيها لمن يجمع الزكاة. لأن في الحديث قال نافع: «فكان ابن عمر يعطيها من يقبلها قبل العيد بيوم أو يومين». من يقبلها؟ من هذا الذي يقبلها؟ هنا حصل خلاف بين أهل العلم: من المقصود بقول نافع «من يقبلها»؟ فمنهم من قال: من يقبلها، أي من يحوز هذه الزكاة ثم يوزعها، يحفظ هذه الزكاة. وعنى حفظ الزكاة وتوزيعها سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يحفظ زكاة الفطر، وجاء في الصحيحين أنه جعل أبا هريرة حارسًا عليها، لما جاءه الشيطان. فهذا يوضح أن الصحابة كانوا يجمعون الزكاة في وقت النبي عليه الصلاة والسلام قبل العيد، يجمعونها، لكن متى تخرج وتفرق على المساكين؟ في يوم العيد وليلته. فلذلك إذا كان هناك، فقال بعض العلماء: من يقبلها، أي من يحفظها ومن يحوزها حتى يخرجها في العيد، وهؤلاء يكونون من قبل الإمام، ليس من قبل أنفسهم، أنا من قبل الإمام. ومن كان مثلاً من قبل نفسه تبرع، فهو خير، أن يجمع زكاة الناس ثم يفرقها، لا بأس، وهو عمل خير، لكن لا يأخذ منها إلا إذا كان من المساكين، يأخذ نصيبه منها، ما يأخذ نصيب العاملين عليها، لأن زكاة الفطر الصحيحة أنها للمساكين فقط. وأيضًا حتى لو كان يدخل فيها العاملون، أي في الزكاة، فهنا هذا الذي يتبرع ليس عاملًا، الذي يتبرع بنفسه يكون متبرعًا، لا يجوز له أن يأخذ شيئًا، ليس هو عامل. مثلاً وضعه الإمام، أو وضعه مثلاً التجار، قالوا: احفظوا أموالنا، نعطيكم أموالًا، احفظوها، سوى زكاة فطر أو غيره. ولهذا كثيرًا ممن يسأل عن هذا المال الذي تأخذه الحكومة على الموظفين، أن يقولون: زكاة فطر، معنى يقتطعونه من الراتب، هذا المال تأخذه الحكومة لأجل زكاة الفطر، فهل يبرأ الإنسان؟ تأخذ الحكومة من هذا، إن كان هذا المال، معنى يساوي قيمة الزكاة، هذا المال الذي يأخذ، وأراد الإنسان أن يبرأ، يبرأ، أنا، أنا يبرأ من زكاة الفطر، ما تجب عليه بعد ذلك أن يخرج عن نفسه، أقصد أما عن من ينفق عليهم يخرج عنه، لكن عن نفسه قد أخذته الحكومة، اقتطعت شيئًا من المال، حتى بعد ذلك يشترون بذلك المال طعامًا ويوزعونه على المساكين. إن كان علم هذا الشخص أن الحكومة لا تفعل ذلك، أنه ما، أقصد حكومتنا، وإنما أقصد أن هذا مسألة مفترضة، معنى، معنى الحكومة، علم أنهم يأخذون هذه الأموال ولا يؤدون الزكاة، ولا يشترون شيئًا من الطعام، ولا يعطونها المساكين، وإنما يفعلونها في مشاريع أو كذا، فهنا لا تبرأ ذمته، لا تبرأ ذمته. وإن استطاع أن لا يعطيهم، له أن لا يعطيهم. لكن إن أخذت عنه بقوة وهو يعلم، الأفضل، بل بعض العلماء يقولون أنها لا تبرأ ذمته إذا كان يعلم أنها لا تؤدى في مكانها، إذا كان يعلم علم يقين، ليس تخرصًا. وإن كان لا يعلم، وأراد أن يبرأ ذمته، معنى، أقصد أراد مثلاً أن يحتاط، فإنه يخرجها، أراد أن يحتاط فإنه يخرجها، ويجعل تلك صدقة تطوع عن التي أخذتها الحكومة، يجعلها صدقة تطوع، ويخرجها عن نفسه، هذا أحوط له وأتقى له. فهذا في بعض هذه المسائل التي ذكرت في هذا الحديث، وإن كان لنا مجلس آخر نكمل إن شاء الله تعالى ما تبقى. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير. شكرًا، شكرًا، شكرًا.